النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10813 الجمعة 16 نوفمبر 2018 الموافق 8 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:37AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

دروس من تجربة إخوان مصر (1)

رابط مختصر
العدد 8867 السبت 20 يوليو 2013 الموافق 11 رمضان 1434

لست من الإخوان ولا من المؤيدين لطروحاتهم السياسية، لكني تمنيت نجاح تجربتهم في الحكم في تحقيق أهداف الثورة وترجمة تعاليم الإسلام في ميادين السياسة والاقتصاد والاجتماع لتقديم نموذج لـ (دولة مدنية) تستلهم قيم ومبادئ الإسلام، كان الرهان عليهم كبيراً كونهم على امتداد 85 عاماً يدعون وينشطون في الساحة باعتبارهم الفاقهين لصحيح الدين من غير إفراط ولا تفريط، الساعين لإصلاح المجتمعات وتربية الفرد تربية أخلاقية، وهم أصحاب رسالة عالمية للبشرية جمعاء، المؤهلون لـ (أستاذية) العالم، وأنهم لو حكموا فعندهم الحلول الناجعة لمشكلات المجتمعات المعاصرة على هدي الإسلام، استجابت السماء لمطالبهم وحققت حلمهم التاريخي الطويل وقررت أن تضعهم أمام اختبار الحكم، لكن الحكم في الإسلام مسؤولية وأمانة وهي أمانة دينية كبرى قبل أن تكون مسؤولية سياسية، والإخوان خير من يدركون ويرددون مقولة رسولنا عليه الصلاة والسلام لأبي ذر عندما طلب الولاية (إنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة) كان (الشاطر) مرشح الإخوان الأصلي للرئاسة ثم رشحوا بديله د.محمد مرسي، وهو رجل طيب وذو خلق، حاز على ثقة الجماهير فاختارته لقيادة مصر والعبور بها إلى آمالها وتطلعاتها وتعهد مرسي أمامها بتحقيق أهداف الثورة، لكن خلال عام واحد تراجعت مصر إلى الوراء وتدهورت المرافق والخدمات وأصبحت طاردة للكفاءات والسياحة والاستثمارات، تتسول القروض والمساعدات، وانحسر دورها الإقليمي وتعرض أمنها الوطني للتهديدات، تبددت الآمال وانكشفت القيادة وبان عجز الحكومة، لم يستطع المصريون الصبر على حكم الإخوان أكثر من سنة مع أنهم عرفوا بالصبر قبل سنينا! خرجت الجماهير عن بكرة أبيها وشهد ميدان التحرير والشوارع الموصلة له، حشوداً بشرية لا سابق لها على وجه المعمورة، قدرت بين 17 – 30 مليوناً بحسب (جوجل ايرث) جاؤوا ليقولوا لرئيسهم المنتخب: نزعنا شرعيتك فارحل، لكنه أبى وتمسك بأنه صاحب الشرعية وأن دمه ثمن لها ولن ينزع قميصاً ألبسه الشعب بانتخابات حرة، في استدعاء تاريخي لمقولة سيدنا عثمان في وجه الثوار: لن أخلع قميصاً قمصني الله تعالى، وكان لابد لجيش مصر العظيم أن يحسم الموقف وينحاز للشعب فتدخل بحكمة واقتدار، وأسدل على حكم الإخوان الستار، لكن الصدمة كانت بالغة الشدة على الإخوان في كل مكان، فقد ضاعت الفرصة التاريخية وتبدد الحلم، لقد أعطوا ملكاً لم يحسنوا إدارته، وسدوا الأمر إلى أهل الثقة من عشيرتهم وأبعدوا أهل الكفاءة، وخاصموا الجميع: القضاء والأزهر والكنيسة والإعلام والثقافة والفن، وفرقوا بين أبناء المجتمع الواحد بمعيار الدين والمذهب والحزب، تصاعدت نزعات الكراهية والتعصب والعنف والطائفية في عهدهم وتأججت العداوات بين أطياف المجتمع فكرهوا الشعب في سياساتهم، فاتحد الجميع ضدهم حتى حليفهم السلفي انقلب عليهم، اليوم: ليس أمام الإخوان إلا العودة للعمل بين الجماهير، بعد تصحيح مسارهم ومراجعة عثراتهم والإفادة من دروس تجربتهم (وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم) على الإخوان أن يقفوا اليوم وقفة شجاعة وموضوعية مع أنفسهم، ليفعوا منهج (نقد الذات) مصداقاً لقوله تعالى (أولما أصابتكم مصيبة، قد أصبتم مثليها، قلتم أنى هذا، قل هو من عند أنفسكم) وقوله تعالى (وما أصابك من سيئة فمن نفسك) على الإخوان الاعتراف بمسؤوليتهم عن القصور والإخفاق والكف عن لوم الآخرين وتحميلهم المسؤولية وترديد أوهام التآمر الداخلي والخارجي، إن الإخوان والجماعات الإسلامية كافة، مطالبون اليوم بإعادة ترتيب بيتهم الداخلي بعد هذه الانتكاسة الكبيرة والتي ستكون لها انعكاسات وتداعيات على كافة حركات الإسلام السياسي في المنطقة وعلى مجمل العمل الإسلامي، ولا تصحيح بدون مراجعة، ولا تقدم بدون تعديل وتقويم. الآن: ما الدروس المستفادة من تجربة الإخوان القصيرة في حكم مصر؟ أولاً: افتقاد القدوة الدينية والأخلاقية: الحزب المنتسب للإسلام في السلطة، مطالب بأكثر من الأحزاب الأخرى، بالعنصر الديني الأخلاقي، فالجماهير التي تعطي صوتها لقيادات سياسية دينية، تتوقع منها أن تكون (قدوات أخلاقية) عليا بأكثر من أن تكون مجرد قيادات سياسية، صحيح أن هذه القيادات تلتزم بآداب وتعاليم الدين على المستوى الشخصي لكن الجماهير تريد أن تكون سياسات وتصرفات هذه القيادات على المستوى العام في الشأن المجتمعي، متفقة مع المعايير الدينية والأخلاقية، تريد منها أن تكون صادقة في قراراتها وتصرفاتها العامة، فلا تقول شيئاً وتفعل عكسه، ولا تعد الناس وعوداً ولا تحققها، الإخوان خلال سنة الحكم، قدموا العشرات من الوعود والعهود ثم نقضوها أو لم يحققوها، رفعوا شعار المشاركة لا المغالبة، ونكصوا عنه، صرحوا بقبولهم للآخر وإيمانهم بالديموقراطية وتداول السلطة، وتراجعوا فور بلوغهم السلطة، تظاهروا باحترامهم أحكام القضاء ثم تدخلوا في القضاء وأرهبوا القضاة وحاصروا دور العدالة، إن أسوأ الآفات التي يصاب بها الحركات الإسلامية، هو (ضعف المصداقية) واحتزازها في نفوس الجماهير، ولذلك أتفق من ما ذهب إليه د.وحيد عبدالمجيد في مقالته القيمة (انتفاضة مصرية ضد سياسة لا أخلاقية) الاتحاد الإماراتية، إذ يقول (لم يكن ممكناً أن يخرج الملايين لسحب الثقة من رئيس بعد عام على انتخابه، إلا لثقتهم في أن سلطة هذا الرئيس وجماعة الإخوان، تفتقد الحد الأدنى من المقوات الأخلاقية التي يتعذر أي إصلاح في غيابه) ويضيف -أيضاً- (لقد ظلوا على مدى عقود يزعمون السعي إلى بناء الإنسان الصالح أخلاقياً وروحياً، قبل انكشافهم حين لن يتمكنوا من تجنب شر السلطة ونقمتها على من لا يمتلك المناعة الكافية). ثانياً: التفسير الخاطئ للتفويض الشعبي: ضن الإخوان أن التفويض الشعبي الممنوح لهم عبر الصندوق الانتخابي، يعطيهم الحق المطلق في الإنفراد بالقرار والاستفراد بالسلطة والزحف على مؤسسات الدولة، عبر سياسة (التمكين السريع) والاستحواذ على كافة مفاصل الدولة ومناصبها العليا وإقصاء القوى الوطنية والشبابية التي قامت بالثورة، أصدر الرئيس مرسي (إعلاناً دستورياً) حصن قراراته ضد نظر القضاء كما حصن الجمعية التأسيسية للدستور ومجلس الشورى، ومرر دستوراً لا يليق بمكانة ودور مصر الحضاري العريق، فرض على القضاء نائباً عاماً غير شرعي، وحاصر أتباعه المكتبة الدستورية العليا وأراد تمرير قانون للسلطة القضائية بهدف عزل 4 آلاف قاض، وفرض على الثقافة وزيراً مكروهاً، لقد أفزعوا الجميع واستعدوهم، ولم يكن بوسع الشعب ومؤسسات الدولة المدنية العريقة تحمل خطة الإخوان الإقصائية، الهادفة لسياسة (الأخونة) فكان الصدام حتمياً وسريعاً طبقاً لعبدالمنعم سعيد، وإلى مقالة قادمة لاستكمال بقية الدروس المستفادة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا