النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10814 السبت 17 نوفمبر 2018 الموافق 9 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:27AM
  • المغرب
    4:48AM
  • العشاء
    6:18AM

كتاب الايام

المدينة العربية «صورة لانتكاسة الحداثة»

رابط مختصر
العدد 8846 السبت 29 يونيو 2013 الموافق 20 شعبان 1434

كتب - د. سليمان العسكري رئيس التحرير العربي الكويتية: في عدد مارس / اذار 2013 عن «المدينة العربية.. صورة لانتكاسة الحداثة»، ويهدف هذا المقال الى استعراض الاسس التي ادت الى هذه الانتكاسة ومحاولة الوقوف على تلك الاشكالية قبل الانتفاضات العربية المتصاعدة وما بعدها. يقول العسكري: حين يتأمل المرء كثيراً مما يحدث اليوم في عالمنا العربي قبل الثورات العربية وما بعدها يشعر ان هناك غياباً شبه تام لقيم المدنية أو ثقافة المدينة بما تعنيه من سعي للحداثة وإعلاء قيم الاختلاف والتسامح وقبول الآخر الوطني لصالح زحف جلي لقيم مغايرة تماماً تأتي من الريف والصحراء بكل ما تعنيه من عقليات محافظة وحنين جارف الى الماضي ونفور من الحداثة وتسييد للقيم والعلاقات العائلية والقبلية.. وهنا يتحدث عن تراجعات ملحوظة جعلت الكثير من المدن العربية تتطور وتتمدن شكلاً وعلى مستوى المضمون اصحبت اسيرة لقيم متخلفة!! ومن الشواهد على ذلك يرى أن كثيراً من مدننا العربية الجماهيرية العريضة تستخدم احدث السيارات وتستخدم أحدث تكنولوجيا الاتصال سواء تمثلت في الهواتف المحمولة بالتطبيقات الالكترونية الجديدة أو في الحواسب الشخصية المتنوعة، بينما التفكير والسلوك والقيم الشخصية لا نرى انعكاساً لقيم الحداثة والتمدن مما يؤثر سلباً وبشكل واضح على مجتمعاتنا العربية وربما بلا استثناء. ومن هنا يتطرق العسكري الى الريف والصحراء لاعتبارهما منظومة من العادات والقيم والاعراف التي تسبق المدينة التي تقوم على المؤسسات والقوانين والمبادئ الوطنية، وهي منظومة تأسست في ظروف طبيعة الحياة اليومية في الريف كمجتمعات زراعية أو الصحراء وروابط القبيلة. وهنا ايضا يعتقد ان جانباً كبيراً من اسباب هذه الازمة أو الاشكالية يعود الى غياب التنمية المحلية في الريف العربي، في حين اغلب الدول العربية تركز موضوع التنمية والتحديث على المدن الكبرى ومع زيادة اعداد المهاجرين الى المدن تزايدت اعباؤها في ظل انعدام وسائل التخطيط العمراني الحديثة ما تسبب في النهاية في خلق ظاهرة اقامة الضواحي الأهلية العشوائية على يد النازحين والمهاجرين من الساعين للبحث عن الرزق حول المدن الكبرى، الامر الذي ادى الى كوارث عدة نشهد اليوم الكثير من تبعياتها مثل شيوع مظاهر التمرد على القانون واستخدام العنف من قبل هؤلاء الخارجين على القانون والكثير من المشردين والفقراء وفاقدي فرص التعليم. وفي مقابل ذلك يرى ان هناك العديد من المتغيرات الاجتماعية التي يمكن ملاحظتها في دول عربية عديدة اليوم اصبحت سمة شاسعة اثر زيادة نسبة ترييف المدن العربية وتتعلق بظاهرة الاختلافات الطائفية أو ارتفاع نبرة القوى الرجعية التي تود ان تفرض رؤية واحدة على سلوك الافراد وادعاء امتلاكها لهذا التصور بوصفة مرجعية اخلاقية مستمدة من الريف أو مرجعية دينية مستمدة من الدين وأدت هذه الظاهرة الى شيوع حالة من الاستقطاب بين اتباع الطوائف المختلفة أو الاديان المختلفة من سكان الدولة الواحدة في الدول العربية وشيوع نبرات التخوين المتبادل او اقصاء كل طرف للآخر بل وحتى وصولاً للتكفير المتبادل بدعوى امتلاك كل طرف للحقيقة التي لا يمتلكها غيره، حيث ان المدينة حين تريّفت فقدت احد ابرز وأهم ملامح خصوصيتها وهي قدرتها على احتضان الاختلافات العقائدية والطائفية والمذهبية. ويرى العسكري ان ابرز مثال على ذلك حين نتأمل اليوم ما تحولت إليه عملية التغيير التي حدثت بسبب ثورة التونسيين والمصريين والليبيين على النظم العسكرية التي اسقطوها نجد ان النتائج التي وصلوا إليها تختلف كثيراً عن المحفّزات التي قامت لأجلها تلك الثورات والتي كانت تطالب بالحرية والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفقر بشعارات وطنية وبحماس جيل جديد يرى ان القيم المدنية هي السبيل الوحيد لاستعادة اوطانهم لمكاناتها التي ارادوا بالثورات ان يحققوها لكن المدهش ان الفصيل السياسي الممثل بالقوى ذات الطابع المحافظ المغالي في تراثيته والتي استثمرت ذلك الترييف على مدى عقود من غفلة الحكومات الدكتاتورية هي التي تسلمت السلطة وتحاول جاهدة ان استطاعت ان تفرض تلك القيم غير المدينية على الحكم والمجتمع. وتوضيحاً لذلك يقول: خلال الفترة التي تولت فيها تلك القوى الحكم أو السلطة انكشفت المظاهر الريفية التي تتغلغل في ذهنيات تلك الجماعات مجسدة في غياب اهمية وجوهرية فكرة المؤسسات في ثقافة الحكم وخاصة فكرة القانون والاعتراف بالآخر وحماية حقه كاملاً في المشاركة وغياب أي معرفة بوسائل الادارة وفقاً للمناهج العلمية الحديثة، اضافة الى شيوع العديد من الافكار التي عبر فيها هذا الفصيل عن افكار الكثير من المنتمين اليه من رجعية وغياب لمفاهيم العمل السياسي على اساس التعددية الحزبية، اضافة الى امتلاك نظرة دونية عازلة تجاه المرأة كما يَشيع في المجتمعات الريفية بشكل عام، وبالتالي فإن التحدي الكبير التي تعيشه اي حكومة في الدول العربية تسعى لتحديث مجتمعاتها وتحقيق التنمية يتمثل في توجيه الجهد الاكبر لوقف زحف الهجرات الريفية للمدن من خلال الارتقاء بخطط تنمية القرى والمجتمعات الريفية وتحسين سبل الحياة بها وتوفير فرص عمل جيدة لسكانها وفرص تعليم جديدة لأبنائها ورفع مستوى الوعي العام لهم وخلق توازن حقيقي بين المدنية والريف من خلال توحيد فرص التعليم والمناهج والصحة والوظائف والسكن لتصبح المدينة مرة اخرى قاطرة للريف وقائدة لتطويره.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا