النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10756 الخميس 20 سبتمبر 2018 الموافق 10 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

تذكروا عائلات فريجكم

رابط مختصر
العدد 8759 الأربعاء 3 ابريل 2013 الموافق 22 جمادي الأولى 1434

يا أبا عبدالله، ويا أبا محمد، ويا أبا خالد، ويا أبا إبراهيم ويا أبا جعفر، ويا أبا إسماعيل؛ تذكروا عائلات فريجكم، بل مدينتكم، أو قريتكم، اشحذوا ذاكرتكم، ارجعوا إلى الوراء قليلاً، تصوروا أيامكم عندما كنتم تقومون من أذان الفجر للصلاة، ثم تتوجهون إلى الخباز؛ لشراء الخبز و»النخي»، أو «الباقلاء» أو «اللوبا»، وتفترشون الأرض لتتناولوا فطور الصباح مع القهوة والتمر أو الرطب، ويستعد الأولاد للذهاب إلى المدرسة مشياً على الأقدام، بينما يتأهب الوالد أو الجد لطلب الرزق الحلال وتشمر الوالدة أو الجدة عن ساعدها لتقوم بواجبات البيت من تنظيف، وغسيل وطباخ. وتذكروا تلك العصارى؛ حيث يجتمع رجال الفريج لييتبادلوا الأحاديث فيما بينهم ويرووا قصص أيام الغوص والسفر، ويتندروا على المواقف التي تعرضوا لها وقد يذهبون إلى القهاوي لشرب «الشاي» أو «البارد»، ويلعبون «الدامة»، أو «الدمينو» أو «الكيرم»، ويتمتعون بالمباريات بينهم ويتندرون على بعضهم، وقد يظهرون بطولاتهم المتخيلة. عيشوا لحظات كانت النساء يجتمعن في الضحاوي، ويتبادلن الأحاديث ويرضعن أطفال بعضهن بعضاً. وتصوروا الفتيات وهن يلعبن «الخبصة» و»السكينة» و»اللقفة» عيشوا معي كل ذلك، ولكن من حقكم أن تقولوا: ان كل ذلك قد مضى وانقضى، وأصبح في ذمة التاريخ الاجتماعي والثقافي والموروث الجمعي ويطلق عليه علمياً الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية. هذه المظاهر اختفت في حياتنا وبقى بعضها أثراً بعد عين؛ ولكن لا يمكن أن ننسى أو يتوارى عن ذهننا ويغيب عن بالنا أسماء العائلات البحرينية التي سكنت هذه الفرجان والحواري، فأبناؤهم وأحفادهم لازالوا موجودين وإن تفرقت بهم السبل، وأصبحوا في مدن جديدة، أو قرى جديدة، أو بقى منهم البعض في نفس الأماكن، أو بقت مساكنهم وآثارهم تدل عليهم.. صحيح أننا نصاب بالحسرة على ضياع معالم وروح الفرجان القديمة، ولكن الحنين إلى الأماكن القديمة لا يزول أو ينمحي من الذاكرة، وهناك محاولات جادة لإعادة الروح إلى بعض هذه الأماكن ولا نملك إلا أن نحييها ونشد على أيدي المخلصين والغيورين على المحافظة على البقية الباقية منها؛ لتبقى شاهداً على ماض عريق بكل تجلياته وقيمه ومضامينه الإنسانية. تذكروا العائلات التي تعرفونها، وتذكروا المهن التي مارسوها، وتذكروا مواقفهم وشيمهم وأنفتهم، وعزة أنفسهم وأريحيتهم؛ وشعورهم بجيرانهم وغيرتهم على وطنهم. تذكروا بساطة حياتهم وشعورهم بالآخرين، تذكروا سماحة ممارستهم لعقيدتهم ومذاهبهم، ومحافظتهم على عاداتهم وتقاليدهم وأعرافهم. وكلما التقيت برجال مجتمعنا في المجالس المنتشرة الآن في مدننا وقرانا أجد من يتحدث عن الفريج الذي عاش فيه، وأندهش لأعداد العائلات التي كانت تسكن في منطقة محدودة جداً من المساحة وإذا بك تستمع إلى ذكر عدد كبير من العائلات قد تطول عندك القائمة عندما تحصيها وتذكرها؛ بيوتها متجاورة وأبوابها مفتوحة؛ وتستغرب أكثر عندما يروي لك بأن المشاكل بينهم لا تكاد تذكر لأن النية، كما يقول محدثنا؛ كانت صافية، والقلوب عامرة بالإيمان والنفوس رضية. عندما طلب مني الحديث في جمعية تاريخ وآثار البحرين عن ذكرياتي في الأماكن التي عشت فيها وكانت هي لي بمثابة مرابع الطفولة والصبا والشباب في الحد، والجسرة والبديع، وجدت نفسي أمام قوائم كثيرة من أسماء العائلات البحرينية التي سكنت هذه المناطق، وكلما تذكرت اسماً واستعنت بمن أعرفهم من الزملاء ورفاق الدرب، ذكروا لي أسماء إضافية يعجز المرء أن يتذكرها دون أن يستعين بالتدوين. رجال ونساء كانوا علامات مضيئة في الوطن؛ عائلات تشابكت وتلاحمت بالدم والنسب والقربى، لم يقتصر وجودهم في الأماكن التي ذكرتها بل كانوا متواجدين في كل مدن وقرى البحرين، ربطت بينهم القرابة، والمصالح المشتركة والمنافع الدنيوية، ولكنهم تمسكوا بدينهم ووطنهم وحموا بلادهم، ونصروا بعضهم بعضاً ووقفوا رجالاً في المواقف التي تطلبت منهم أن يقفوها وهم مرفوعي الرأس، أعزاء صانوا كرامتهم وحموا ذمارهم وأخذوا بيد بعضهم بعضاً نحو مراقي العزة والنخوة فبنوا وطنهم وتفانوا في رفعة شأنه وعلو مكانته. وعلى الخير والمحبة نلتقي

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا