النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10754 الثلاثاء 18 سبتمبر 2018 الموافق 9 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    3:01PM
  • المغرب
    5:42PM
  • العشاء
    7:12PM

كتاب الايام

حـــــــول عــــــبر التاريـــــخ

رابط مختصر
العدد 8702 الثلاثاء 5 فبراير 2013 الموافق 24 ربيع الأول 1434

الموقف من دروس التاريخ وتجاربه يثير الحيرة، فكثيرا ما يتكرر الحديث عن ضرورة أخذ العبر من هذه الدروس للبناء على إيجابياتها وعدم تكرار الأخطاء تجنبا للخسائر والمآسي الانسانية، لكن الواقع يفاجئنا على الدوام، فنرى استخفافا غير محدود بمنطق العقل وبما يبدو من البديهيات. فالرئيس الفرنسي الذي وصلت شعبيته في بلاده الى أدنى مستوى، قرر الدخول في مغامرات خارجية بالانخراط في الحرب مباشرة في مالي، بحجة مكافحة الارهاب، ليدخل فرنسا الى المستنقع الأفريقي دون ضمانات من أنه سيكون قادرا على الخروج منه بالسهولة التي تورط فيه. ينبغي التوقف عند ظاهرة المد الإرهابي الأصولي في شمال وغرب أفريقيا باعتبارها رديفاً للسياسات المغامرة لبعض القوى الكبرى. فاذا كانت القاعدة و ذراعها الأفغاني طالبان تمركزتا في نطاق جغرافي محدود نسبيا في أفغانستان، وبصورة أقل في باكستان، فان الغزو الأمريكي الأطلسي لأفغانستان، ثم الحرب على العراق أسهم في تحويل الإرهاب الى ظاهرة نمت خلاياها على مستوى دول الشرق الأوسط، وأوجدت لها قواعد في العديد من الدول كالعراق والجزائر واليمن، ولم تنج دولة، بغض النظر عن نظامها السياسي من هذا الارتداد الكاسح للإرهاب المنظم المغلف برداء الدين والمذهب. وحين نتحدث عن دروس التاريخ فإنما لمحاولة فهم المغزى من القرار الفرنسي باستحضار القرار الأمريكي في المسالة الأفغانية الذي أدى الى تقوية الإرهاب واتساع رقعة نشاطه، وكلف الأمريكيين آلاف القتلى والجرحى والمعاقين جسدياً ونفسياً، فضلا عن تكلفة مالية قاربت 3 تريليونات دولار أنهكت الاقتصاد الأمريكي وجرته الى حافة الهاوية، ناهيك عن الخسائر التي لا تحصى لأفغانستان وباكستان دولة وشعبا. منذ أيام كشف رئيس الوزراء الإيطالي السابق برلسكوني عن بعض خفايا الحرب على ليبيا، متهما فرنسا مباشرة بإسقاط نظام القذافي وتصفيته، مؤكداً بأن ما حدث لم يكن ثورة بل حربا خارجية قادتها فرنسا ضد دولة عضو في الأمم المتحدة ودون تفويض دولي للهيمنة على مصادر الطاقة فيها. ما يهمنا في تأكيد هذه الحقيقة، التي صورها الإعلام ثورة ربيعية على غير الحقيقة، هو أنه في الوقت الذي كانت فيه قوات فرنسا وحلفائها في الناتو ومن خارجه، تدك البنى التحتية الليبية، وتنشر الدمار والموت في شوارع المدن وأحيائها، كانت مخابراتها تنقل جوا و بحرا عناصر القاعدة والإسلام السياسي الى بني غازي، وتشكل منهم الميلشيات ومجالس السلطة في بلد غيّب فيه الاستبداد الأحزاب السياسية الوطنية ومنظمات المجتمع المدني. تحرك الإسلام السياسي بكفاءة مستندا الى الدعم الخارجي، فأعاد ترتيب بيته وتنظيم صفوفه، ووضع يده على مستودعات الأسلحة الهائلة و بدأ توزيعها و إرسالها الى الدول المجاورة شرقا وغربا وجنوبا إلى مصر وتونس والجزائر والغرب الأفريقي والى سوريا بالبحر عن طريق لبنان وتركيا. لم يكن السلاح وحده يرسل الى الخارج، بل والمقاتلون الذين تدربوا ويتدربون في ليبيا وحربها التي لم تنته. من ليبيا تحديدا تحرك الإرهاب بترسانته الحربية صوب الغرب الأفريقي وبدأ في انشاء إماراته في بعض مناطقها. هل غابت عن السياسيين والعسكريين الفرنسيين وحلفائهم هذه الحقائق فتكون مغامرتهم الجديدة في مالي مجرد فعل ساذج؟ لعل الجواب هنا يكمن في الاقتصاد، المحرك الأول للسياسة والحرب معاً. فالأزمة الاقتصادية التي تعصف بفرنسا والغرب عموما، كما الولايات المتحدة الامريكية، تغري بعض القادة والدوائر المالية التي تمثلها الى البحث عن الطريق الأسهل، في نظرهم، لحل مشاكلهم الاقتصادية بالعودة الى سياسة الغزو والاستحواذ على مقدرات الغير عن طريق الغزو المباشر بحجة مكافحة الإرهاب الذي أوجدوه وغذوه ونشروه في كل مكان، كي يتذرعوا به لتفتيت الدول والقفز على سيادتها ومن ثم السيطرة على مقدراتها، بغض النظر عن النتائج الكارثية على المدى المنظور والبعيد. المصلحة الاقتصادية وروح الهيمنة والاستحواذ تعمي البصيرة ولا تلتفت الى عبر التاريخ ودروسه. ها هي القيادة المصرية، و في سعيها لأخونة الدولة وتثبيت سلطتها المطلقة، تعود إلى أسوأ ممارسات الحكم السابق، بل وتتجاوزها بمنح الرئيس سلطات مطلقة، وتزوير إرادة الشعب، ومحاربة المعارضة والرأي الآخر، ومواصلة السير بالسياسات الاقتصادية والاجتماعية التي كانت سببا في الإطاحة بالرئيس. قد نتحايل على الزمن وعلى بعض العقول إلا أن التاريخ لا يرحم، فله أحكامه وله مجراه.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا