النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10818 الأربعاء 21 نوفمبر 2018 الموافق 13 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

ضيق الأفق وقصر النظر

رابط مختصر
العدد 8686 الأحد 20 يناير 2013 الموافق 8 ربيع الأول 1434

في معاجم اللغة يعني ضيق الأفق «انحسار، أو انكماش جهة أو ناحية النظر والتأمل». أما قصر النظر فهو «ضعف، أو اختلال البصر أو البصيرة». ويغلب على صاحب الأفق الضيق حصر نظرته للأمور في إطار محدود أحادي الجانب يمنعه من رؤية الصورة الشمولية للأوضاع، الأمر الذي يحرمه من تلمس جميع المعطيات، وتشخيص جميع العوامل الفاعلة، سلبا أو إيجاب، بشكل مباشر أو غير مباشر في تلك الأوضاع. ويعاني صاحب النظر القصير من لهثه وراء القضايا القريبة من ناظريه، دون ان يكلف نفسه عناء رؤية ما وراء الأكمة، مما يجرده هو الآخر من القدرة على رؤية، ومن ثم فهم، ما هو أبعد من أطراف أصابعه. في قاموس العمل السياسي كثيرا ما نجد ترادف التعبيرين، وفي أحيان كثيرة تكاملهما كي يشيران إلى «ضعف أو خلل في البصيرة، يؤدي إلى حصر التفكير، أو الرؤية في حدود ضيقة لا تتجاوز المكان والزمان، أو بعبارة أخرى: هو ضعف، أو خلل في البصيرة، يؤدي إلى رؤية القريب وما تحت القدمين فقط، دون النظر إلى البعيد». ويعين المرء على توسيع أفقه مجموعة من السلوكيات التي يمكن حصر الأهم منها في النقاط التالية: 1. شحذ الفكر، وتنشيطه في مساعي فهم ما يقوله الآخرون، وما يدعون له من أفكار. هذا الشحذ وذاك التنشيط، ينبغي أن يكونا مدفوعين برغبة صادقة في فهم ما يقوله أولئك الآخرون، دون اسقاطات مسبقة لما ينادون به. ليس المقصود هنا البدء من المربع الأول، لكن بالقدر ذاته لابد من أن تكون نقطة البداية محايدة راغبة في التفاعل مع الآخر، حتى ذلك المختلف «بفتح اللام» معه. 2. الاستماع للآخر وتحاشي نفيه، ومنحه الحق في الترويج لأفكاره، طالما تقيدت بمقاييس العقد الاجتماعي الذي تحدده قوانين الساحة السياسية التي يعمل فيها الطرفان المعني وأنظمته. فمن خلال ذلك الإنصات، تتم عملية التوسيع التدريجي للنظر، بما يضمن تعايش الأفكار المختلفة وازدهارها، فليس هناك من آفة تهاجم الفكر وتضيق آفاقه، مثل الاستفراد بالرأي والتشبث غير المنطقي به. 3. القبول بمبدأ الحوار مع الآخر، بعد الإنصات الإيجابي له، فإن كانت نقطة البداية هي الإنصات، فإن ثمرة ذلك الإنصات هي تبادل الأفكار. ففي الجلوس إلى طاولات الحوار وتبادل الأفكار تنزرع بذرة التفاعل الإيجابي الصالحة في نفوس المتصارعين، وتنزع عن أعينهم دونما استثناء الغشاوة التي كانت تخفي عنهم ما هو مشترك بينهم، وتهدم حيطان بنتها سنوات الجفوة التي كانت تحول بين سعي أي منهما للبحث عما هو مشترك بينهما. تناولت تلك النقاط ضيق الأفق، وألقت الأضواء على منطلقات توسيعه، أما بالنسبة لمحاربة آفة قصر النظر، فهناك أيضا مجموعة أخرى من السلوكيات التي يمكن حصر الأهم منها في النقاط التالية: 1. تجاوز التفصيلات الصغيرة، والتركيز على الكليات الكبيرة، فكثيرا ما يغرق القادة السياسيون في مستنقعات الاستحقاقات اليومية، وما أكثرها، وتغيب عن أنظارهم القضايا المصيرية الكبيرة التي قد تبدو هامشية في المنظور القصير، لكنها أساسية على مستوى برامج العمل الطويلة المدى. هنا يتحلى القائد المحنك بالقدرات المطلوبة التي تنجح في المزاوجة، وفق معادلة دقيقة بين ما هو آني لحظي، وآخر مستقبلي قادم. 2. تحاشي الوقوف عند ظواهر الأمور، والاكتفاء بمعاينة قشورها الخارجية، دون تجشم مشقة النظر بعمق في بواطنها. كل ذلك من أجل قطع الطرق القصيرة، وتحاشي ركوب بحور تلك الطويلة المدى. محصلة ذلك نشوة اغترار بالمظاهر، وعزف عالي الصوت بالمكاسب الصغيرة، والتضحية، وهذا هو الأسوأ، بالمكاسب الكبيرة التي تحتاج إلى المزيد من الجهود، ولا تستطيع الاستغناء عن الصبر على مكابدة الشدائد، ولفترات طويلة، وهو أمر لا يتم في غياب بعد النظر الذي نتحدث عنه. 3. محاربة العجز عن التمييز، بين ما هو ذاتي، وذلك الموضوعي، مما يقود إلى اختلاط أوراق المصالح الذاتية الخاصة، بالأهداف الوطنية العامة. ولا ينحصر ذلك العجز في المسائل الفردية، بل يتجاوزها كي يصل إلى المستويات الفئوية حينها، وبسبب قصر النظر الذي نتحدث عنه، تتراجع المصالح الوطنية الكلية، أمام المصالح الفئوية الجزئية، وتتقزم البرامج الوطنية، بعد أن تصبح ضحية سهلة لتلك المشروعات الفئوية. لا شك أن قصر النظر وضيق الأفق مرضان يكتسبان، وإن كان هناك لعوامل الوراثة من تأثير فهو بسيط، ويصعب القول بتحمله المسؤولية. فليس المستوى الذهني الفطري هو الذي يحدد ضيق تفكير الإنسان، ولا قصر نظره، فهي من الصفات المكتسبة التي يمكن للإنسان أن يحارها في داخله، وينمي نقيضها الصحيح في سلوكياته، ويحولها إلى جزء من شخصيته العامة. ومرة أخرى، لا يمكن تحقيق ذلك من خلال المبادرات الفردية ذاتها، بل ينبغي متى ما أريد محاربة أمراض قصر النظر وضيق الأفق، البدء في وضع أسس نظام اجتماعي/ سياسي يقوم أساسا على غرس بذور النظرة الطويلة الأمد، والأفق الواسع المدى في نفوس أبناء ذلك النظام. وهذا هدف لا يمكن تحقيقه في غياب نظام تعليمي/ تربوي متقدم، يبث في نفوس من يلج بحوره نزعة التمرد الإيجابي الباحث عن أفق واسع ونظر مديد.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا