النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10812 الخميس 15 نوفمبر 2018 الموافق 7 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:34AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

عمى الألوان السياسي

رابط مختصر
العدد 8683 الخميس 17 يناير 2013 الموافق 5 ربيع الأول 1434

عمى الألوان العضوي، مصدره تشوه في أعصاب العين يؤدي إلى فقدان صاحبها القدرة على التمييز بين بعض الألوان، الأمر الذي يحرمه ليس من القدرة على متعة تلمس جماليتها، بل يعرض صاحبه أيضا للخطر، عندما يفقد، على سبيل المثال إمكانية التمييز بين اللونين الأخضر والأحمر في إشارات المرور الضوئية. الخطورة هنا، ان المصاب لا يعرض حياته هو فقط للخطر، وإنما، وهذا هو الأسوأ، يعرض حياة الآخرين، ممن لا يعرفون إصابته بذلك المرض للخطر أيضا. المحصلة النهائية خسائر محتومة يذهب ضحيتها الأبرياء، وتقع مسؤوليتها على من لا يدرك إصابته بذلك العمى، او يرفض الاعتراف بإصابته به. هناك نوع آخر من أنواع عمى الألوان، وهو عمى الألوان السياسي الذي يتفشى في سلوك قيادات العمل السياسي في بعض البلدان، وفي مرحلة معينة من تاريخ ذلك البلد. أعراض ذلك المرض الخبيث، هو فقدان قادة العمل السياسي أولئك القدرة على التمييز بين ألوان طيف الواقع السياسي الذي يعيشونه. حينها تتساوى عندهم درجة الألوان، إلى درجة تقترب من توحدها في لون واحد، يجبرهم على التقوقع في شعار واحد فقط، يجردهم من اكتساب المرونة التي لا تستغني عنها أي حركة سياسية. تتحول القوة السياسية المصابة بذلك النوع من المرض إلى جسد ضعيف أسير لشعار واحد ضيق الأفق ينهك قواها، ويحظر عليها، وبقرار ذاتي، الإتيان بأية حركة إبداعية تساعدها على الخروج من ذلك الأسر، أو حتى تجاوز دائرته. التاريخ مليء بالأحداث التي تكشف عن إصابة قيادة سياسية ما بمثل هذا النوع من الأمراض. ففي العام 2000، أصيبت قيادة الكيان الصهيوني بعمى ألوان سياسي مدمر، عندما فشلت المؤسسة الحاكمة حينها في اكتشاف اللون المميز الجديد الذي اكتسبته الانتفاضة الفلسطينية الذي أصبغته عليها «اتفاقيات أوسلو»، التي وقعت عليها إسرائيل، الأمر الذي أباح للقضية الفلسطينية انتزاع تعاطف العالم معها، وبالقدر ذاته أفقد إسرائيل حينها نسبة عالية من زخم التأييد العالمي الذي كانت تحظى به. نتيجة ذلك العمى السياسي الصهيوني، كان تصعيد إجراءات البطش تجاه الشعب الفلسطيني، بدلا من التعامل السياسي المتحضر مع تلك الانتفاضة. عمى الألوان السياسي كان السبب الأساس وراء استمرار المؤسسة الصهيونية في ذلك السلوك البربري، الذي لم يكن قادرا على تزويدها بالقدرة على تلمس التطور النوعي في واقع حركة التحرر الوطني الفلسطينية. ما يحز في النفس، ان العمى السياسي الذي نتحدث عنه، كان حينها متفشيا أيضا في صفوف بعض أفراد القيادة الفلسطينية التي لم تستطع هي الأخرى أن تستكشف طيف الألوان الجديد الذي اكتسبته القضية الفلسطينية من جانب، وبعض معالم التحول الطفيف في صلب المؤسسة الصهيونية من جانب آخر، وتعمل على تجيير كل ذلك لصالح الانتفاضة، وقلب موازين الصراع، ولو لفترة محددة قصيرة لصالحها، من أجل تحقيق بعض المكاسب السياسية تشكل محطة انتقالية تسبق تصعيد النضال من أجل تحقيق مكاسب أخرى. ولذلك وجدناها تصر، بسبب عمى الألوان السياسي التي كانت تعاني منه تلك القيادات، لتحميل الانتفاضة ما لا طاقة لها به، الأمر الذي شجع اريل شارون على رفع درجة البطش، فسارع إلى تشييد ما عرف حينها بجدار الضم والفصل العنصري الذي صنفه البعض حينها على أنه « صيغة مستحدثة لتنفيذ أشكال من الترانسفير الداخلي بغية تمرير مشروع الحفاظ على كتل استيطانية تتساوق مع تطهير خطوط الانسحاب الاسرائيلي أحادي الجانب، من الفلسطينيين». عمى الألوان السياسي الذي نحذر منه، أصيبت به بعض قيادات العمل السياسي العربي في مطلع التسعينات من القرن الماضي عندما رفع صدام حسين، لتبرير غزوه للكويت شعار «تبا للمستحيل والله أكبر»، متجاهلا ألوان الوضع السياسي الكويتي، الذي لم ير منه سوى تلك المساحة اللونية الضيقة المعبرة عن صغر حجم الكويت سكانيا، وتفوقه عليها عسكريا. محصلة ذلك العمى الألوان السياسي، تحصده اليوم العراق، ومعها المنطقة العربية برمتها، من تدخل أمريكي في شؤون العراق الداخلية، وتسلل سياسي إيراني يدمر نسيج العراق الاجتماعي، ويمزق وحدته الوطنية، وشلل يحرم العراق من مساهمات حقيقية في المشروعات العربية، بعد أن أهدرت قدراته الاقتصادية وقلصت إمكاناته البشرية. وكما هو الحال في عمى الألوان العضوي، الذي تتعدد أنواعه، فهناك المتوارث، وهناك الأكثر شيوعا والناجم عن خلل في الشبكية أو العصب البصري، وأحيانا جراء اختلالات معينة في مساحات معينة من الدماغ، نجد أيضا أن عمى الألوان السياسي، تعود أسبابه إلى عوامل وراثية بسبب تقوقع بعض القوى السياسية في مناهج فكرية توارثتها من مدارس قديمة بالية لم تعد ملائمة لفهم الواقع السياسي القائم، مما يفقد تلك القوى القدرة على رؤية ألوان تضاريس ساحتها السياسية بالوضوح المطلوب الذي يؤهلها لفهم ذلك الواقع أولا، والتعامل معه بحرفية عالية ثانيا، ووضع الحلول السليمة المناسبة لتطويره ثالثا. لكن هناك أيضا عمى الأولان السياسي المكتسب الذي تصاب به بعض القوى السياسية التي لا تمتلك الذهنية السياسية الديناميكية المرنة التي تبيح لها رؤية ألوان تضاريس ساحتها السياسية، فلا ترى فيها سوى لون واحد تبني رؤيتها السياسية على أساساته. في اختصار لم يعد من المبرر ولا المقبول أيضا، أن يستمر العمى السياسي مسيطرا على القوى السياسية العربية، التي ستقودنا جميعا، مالم تبادر إلى العلاج، أمام حالة مشابهة لتلك التي وصفها الأديب البرتغالي جوزيه سارا ماغو، في روايته «العمى»، الذي أصيب به سائق سيارة عند اقترابه من إشارة المرور الضوئية، لكن الأمر لم يقف عند ذلك الحد فقد انتقلت عدوى الإصابة بالعمى لكل من اقترب من تلك الإشارة الضوئية حتى باتت ظاهرة متفشية في صفوف جميع سكان تلك المدينة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا