النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10814 السبت 17 نوفمبر 2018 الموافق 9 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:27AM
  • المغرب
    4:48AM
  • العشاء
    6:18AM

كتاب الايام

«وطن حر وشعب سعيد»

رابط مختصر
العدد 8681 الثلاثاء 15 يناير 2013 الموافق 3 ربيع الأول 1434

بين الحين والآخر، وعلى وجه الخصوص عند منعطفات التغيير الحادة التي يواجهها أي مجتمع يطمح للنمو والتقدم، يستجيب المواطن الصالح، لنزعات داخلية تحثه على القيام بقراءة موضوعية للذات لتقويم ما قدمه وأقدم عليه، خلال مرحلة معينة. تطوف بمخيلة المرء عند تلك اللحظة صور كثيرة يتداخل فيها الذاتي الشخصي، مع، وهذا هو الأهم، الموضوعي الوطني. وكثيرا ما يفشل الإنسان منا، عندما يبدأ تلك الوقفة مع الذات، في تحاشي انزلاقه نحو إسقاط شيء من الرومانسية الفردية، فوق صورة معالم العلاقة التي تربط بينه وبين وطنه، وهو مدخل، على الرغم من تقدير البعض منا له، لكنه، في حقيقة الأمر، يبقى مجتزأ، ولا يستطيع التأسيس لعلاقة سليمة، تحمل مقومات الاستمرار الراسخة، وتعزيز قدرات نمو العلاقات الصحيحة المثمرة، بين الوطن وذلك المواطن. فـتقويم «حب الوطن»، بل وحتى عشقه، محكوم بقوانين مادية ملموسة تتكامل مع تلك العاطفية، وتغذيها، ومن ثم تمد هذه الأخيرة بما تحتاجه من طاقة تعينها على البقاء والصمود. تستمد تلك القوانين عناصر فعلها الصحيح الذي يؤسس لتلك العلاقة المثمرة التي نتحدث عنها من خلال الممارسات الإنسانية المدرجة كالتالي: 1. الانتماء، والانتماء لوطن معين، ليس كما يتوهم البعض منا، لا يعدو كونه إعلانا لفظيا عن الخضوع لمساحة جغرافية محددة المعالم، أو رقعة سياسية معلومة السيادة، وإنما هو أيضا، بالإضافة إلى ذلك، تصريح علني، يفصح فيه المواطن عن التزامه بثقافة تلك المساحة، وحضارة الرقعة التي تستند لها تلك الثقافة. وبقدر ما يتفانى الإنسان للدفاع عن تلك الحضارة، بقدر ما يضع ذلك على الدولة التي تسير الأمور فوق تلك الرقعة الجغرافية مسؤولية تزويد مواطنيها بمعين لا ينضب مما يحتاجونه ويؤهلهم للدفاع عنها في المحافل الدولية على الصعيد الخارجي، والساحات الوطنية على المستوى الداخلي. بشكل عام، الانتماء للوطن قضية تتداخل فيها الجغرافيا مع التاريخ في إطار حضاري ثقافي متكامل، يتقاسم مسؤولية ممارسته الدولة والمواطن على حد سواء. 2. الولاء، والولاء للوطن هو الآخر ليس خنوعا مفروضا، ولا طريقا سالكة في اتجاه واحد يبذل المواطن كي يقطعها إلى النهاية، كل ما في وسعه للدفاع عن ذلك الوطن، وإنما هي طريق في اتجاهين متكاملين، يسير فيه المواطن في الاتجاه الأول لإثبات الولاء، وتسلكه الدولة في الاتجاه المعاكس، من أجل توفير أرقى الخدمات الداخلية، وتأمين أفضل أشكال الحماية الخارجية. المقصود هنا هي تلك العلاقة المادية، التي لا تخلو بطبيعة الحال من مسحات عاطفية لا تستغني عنها تلك المادية، بل تتفاعل إيجابيا معها، من أجل هدف نبيل واحد يؤمن غرس الولاء في نفس المواطن من جهة، واحتضان الوطن له من جهة ثانية. في اختصار الولاء للوطن، قيمة معنوية مادية مزدوجة تتجاوز حدود الأرض، وتتسع لما هو أشمل من الجغرافيا. 3. المواطنة، وهي الأخرى ليست مجرد الإقامة على أرض الوطن، ولا الوثيقة الرسمية التي تثبت الانتماء له، أنها أكثر شمولية من ذلك بكثير. فالمواطنة بمعناها الشامل المتكامل هي التي تقوم، كما تعرفها الكثير من مدارس الفكر الاجتماعي على «العضوية الكاملة والمتساوية في المجتمع بما يترتب عليها من حقوق وواجبات، وهو ما يعني أن كافة أبناء الشعب الذين يعيشون فوق تراب الوطن سواسية بدون أدنى تمييز قائم على أي معايير تحكمية مثل الدين أو الجنس أو اللون أو المستوى الاقتصادي أو الانتماء السياسي والموقف الفكري، ويرتب التمتع بالمواطنة سلسلة من الحقوق والواجبات ترتكز على أربع قيم محورية هي: قيمة المساواة، وقيمة الحرية، وقيمة المشاركة، والمسئولية الاجتماعي». في ضوء ذلك تصبح المواطنة معادلة ثابتة تستند إلى حزمة قوانين مادية تنظم العلاقة بين المجتمع بقيمه ومفاهيمه، والمواطن بسلوكه وأخلاقياته. 4. الحرية الفردية، التي ينظمها عقد اجتماعي معاصر. وهنا تبرز ضرورة التمييز بين من يمارس، بوعي وإصرار، تلك الحرية اللامسوؤلة التي تقترب من الفوضى، والأخرى التي تلتزم بحدود الاعتراف بالآخر، وتقيد نفسها، طواعية، وضمن إطار ذلك العقد الاجتماعي، بمقاييس التعايش السلمي بين أفراد مجتمع واحد، يختلفون في العرق، ويتميزون في الدين، ويتباينون في الأصول المذهبية. هذا الخيط الرفيع الذي يفصل، بشكل واضح وجلي بين الفوضى الهدامة والحرية البناءة، هو الذي يميز بين المجتمعات، ومن ثم الأوطان الإنسانية، وغيرها من التي لا تنتمي للمجتمعات البشرية. مثل هذه التعددية الراقية، التي تحتضن الحرية الواعية المسؤولة، هي التي تشكل صمامات أمان استقرار المجتمعات المتحضرة، ومن ثم تضمن استمرار تطورها. 5. القبول بالمساءلة (Accountability)، والمقصود بها هنا تلك الدرجة العالية من السلوك الذاتي المرتكز على قوانين صارمة، قادرة، متى ما جرى تطبيقها على وضع الأمور في نصابها، بما يضمن محاسبة الجميع، وعلى قدم المساواة، دونما أي تمييز بين فرد وآخر، لكن كل في موقعه، ووفقا لمسؤوليته، وبناء على ما يقوم به من أعمال. يتم كل ذلك على أرضية مقاييس وطنية، بعيدة عن الإسقاطات الذاتية، ومتحاشية للقضايا الشخصية، فهذه الأخيرة لا تصمد أمام رياح التغيير، ولا تلبث أن تتحول إلى معايير باهتة، متى ما وضعت أمام المعايير الوطنية التي نتحدث عن مقاييسها. 6. المساهمة البناءة العامة، والمساهمة هنا غير محصورة في حدود الأنا الفردية، أو نطاق الأسرة الضيقة، أو إطار القبيلة المغلق، أو حتى المناطقية المسيجة، أنها تغطي ذلك الفضاء الأكثر اتساعا، والمتعارف عليه باسم الوطن، ومن ثم تتحول المساهمة في البناء إلى تأسيس أركان وطن حر يعيش فوق ترابه شعب سعيد، تتضافر جهود أفراده ومؤسساته من أجل أن يستنشقوا جميعا نسائم تلك الحرية، ويتمتعوا جميعا دونما أي تميز، بفوائد خيراتها السياسية والاجتماعية. وطالما لا يمكن لشعب تعيس أن يتولى الدفاع عن وطن حر، فمن مسؤولية الدولة أن تؤمن عناصر إشاعة السعادة في صفوف مواطنيها، كي يهبوا لبناء وطن قادر على الدفاع عن حريته، ليست السياسية فحسب، وإنما الاقتصادية أيضا. ومن خلال ذلك التفاعل بين الحرية والسعادة، يشارك الجميع في وضع أسس ذلك الوطن الذي نتحدث عنه، ويسعى المواطن الصالح للعيش فوق ربوعه. الأمانة الفكرية تقتضي الإشارة إلى أن «وطن حر وشعب سعيد» هو شعار من صياغة الحزب الشيوعي العراقي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا