النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10755 الأربعاء 19 سبتمبر 2018 الموافق 9 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    3:00AM
  • المغرب
    5:40AM
  • العشاء
    7:10AM

كتاب الايام

أحاديث ونوادر.. من ديوانيات الكويت

رابط مختصر
العدد 8636 السبت 1 ديسمبر 2012 الموافق 17 محرم 1434

كاد أحد الدبلوماسيين الروس أن يفقد حياته خلال زيارته لأحد دواوين الكويت قبل سنوات! وكان صاحب «الديوانية»، الأستاذ عادل العبد المغني، يعمل آنذاك في وزارة الخارجية. ولو توفي الدبلوماسي في منزله لكان في ذلك عواقب واحراجات لصاحب الديوانية والحكومة الكويتية، إلى جانب المأساة الشخصية للدبلوماسي المتوفى. كان الدبلوماسي مستمتعاً بحضور «الديوانية»، وهي بعض مجالس الكويت المعروفة لاستقبال الضيوف والتحاور والتشاور والترحيب بالضيوف. وعندما أراد الدبلوماسي الخروج شاهد شجرة «بمبر» في الحديقة، وهي شجرة معروفة بثمرها اللزج. وسأل عنها فأبلغه صاحب الديوانية أن ثمارها طيبة، واقتطف له واحدة فوضعها الدبلوماسي الروسي في فمه وأكلها. ولكن الثمرة لصقت في حلقه، وغص بها، وانقطع نفسه أو كاد، وسقط على الأرض. ووقع المضيف في ورطة كبيرة حيث يكاد الضيف يلفظ أنفاسه الأخيرة بسبب ثمرة بمبرة. ولكن تم تحريكه، ولحسن الحظ، وبعد جهد جهيد استطاع الروسي استنشاق الهواء وعادت الروح إليه.. ونجا من موت محتم! تزرع شجرة البمبر أو البنبر في الكويت والدول العربية بكثرة، ولمادتها اللزجة شهرة سلبية حتى في الأمثال الشعبية حيث يقال عن الزائر الثقيل «فلان مثل البمبرة»! وتسمى في الدول العربية بأسماء تؤكد هذه الصفة. منها مثلاً «مُخيَّط»، و»مخاطة»، و»دبق». وتقول المراجع النباتية عن الشجرة وثمرها، إنها «أكثر ما تستعمل في اقتناص الطيور، إذ تدهن فروع الأشجار بالمادة اللزجة الموجودة بالثمار، وتسمى الدبق، فمتى وقف الطيور عليها لصقت أرجلها بها وتعذر عليها الطيران.. وتميل الوطاويط – الخفافيش - إلى أكل ثمار البنبر مما يجعل زراعته بجوار المساكن أمراً غير مرغوب فيه». (نباتات البر واشجار الزينة في الكويت، مصطفى ديب وخليل السالم، 1974، ص 306). هذه إحدى الحكايات والنوادر التي جمعها الأديب الكويتي حمد المحسن الحمد في الجزء الثاني من كتابه «حديث الديوانية» الذي نشره مؤخراً هذا العام 2012. وكنا قد تحدثنا في مقال سابق، 2011/7/10، عن الجزء الأول منه، وأشدنا بالجهد المبذول في هذا الجانب من التوثيق الأدبي والتاريخي والاجتماعي حيث تضم المكتبة العربية الكثير من كتب النوادر والحكايات عبر التاريخ، لعل أشهرها كتاب «المستطرف في كل فن مستظرف» للأبشيهي. في الثلاثينيات والأربعينيات، يقول الأستاذ الحمد، افتتحت أولى المدارس النظامية للبنين والبنات في الكويت، واستُقدم مدرسون ومدرسات من الدول العربية من فلسطين ومصر والشام وغيرها للعمل في المدارس وتدريس بعض المواد التي لم تكن تدرس في الكتاتيب. وكانت بعض مفردات لهجة المدرسين والمدرسات العرب غير معروفة لدى التلاميذ والتلميذات الكويتيين، وليس لهم معرفة بها لاختلاف اللهجات. وينقل الأستاذ الحمد عن د. خالد عبدالكريم جمعة، صاحب مكتبة دار العروبة بالكويت، حكاية طريفة عن تلميذة كويتية قالت لها مدرسة مصرية الجنسية: «روحي جيبي الغرض الفلاني». فراحت التلميذة تمشي لجلب الغرض المطلوب، ولكن المدرسة تذكرت شيئاً ما فقالت للتلميذة: «استني»، بمعنى انتظري، ولكن التلميذة زادت سرعتها بالمشي، وكلما قالت المدرسة للتلميذة استني، زادت التلميذة بالمشي مسرعة، واستغربت المدرسة وزادت حيرتها! والحقيقة، يوضح المؤلف «الحمد»، أن كلمة «استني» بلهجة أهل مصر تعني «انتظري»، أما بلهجة أهل الكويت فكلمة «استنْ» تعني «أسرع» أو «أركض بسرعة ولا تتوقف». فكان ذلك الموقف حادثاً طريفاً بين المدرسة والتلميذة. والكلمة في اللهجة الكويتية من الفصيح، وهي ليست عامية في الواقع: جاء في قاموس «لسان العرب»: تسنَّنَ الرجلُ في عَدْوِه واستَنّ: مضى على وجهه. ويقال: استنَّت الدابة على وجه الأرض. ويقال: سنَّ الإبِلَ سَنّاً، أي ساقها سوقاً سريعاً، وقيل السَنُّ: السير الشديد. وتشبه «سالفة الكستنا»، وهي من حكايات الديوانية في الكتاب، الحكاية السابقة بعض الشيء. وهي تتعلق بالأستاذ صالح النصر الله، وهو مدرس وشاعر معروف عمل مدرساً للغة العربية في مدارس الكويت في الخمسينيات، وكان آنذاك يُدرَّس المنهج السوري في المدارس. وكان ضمن منهج اللغة العربية فقرة تقول: «المرأة تشوي الكستنا». وكان الأستاذ صالح لا يعرف ما الكستنا، وهي ثمرة البلوط المعروفة في سوريا ولبنان وغيرها، غير أنها لم تكن معروفة في الكويت. وكان قلق الأستاذ من أن يقوم أحد التلاميذ ويسأله: ما الكستنا يا أستاذ؟ حيث إنه لا يعرفها. وفعلاً حدث ما كان بالحسبان مما يتخوف منه، حيث رفع أحد التلاميذ إصبعه وسأل: «ما هي الكستنا يا أستاذ»؟ لهذا وقع الأستاذ صالح في حيرة، ولم يجد من جواب إلا أن يقول: «يعني المرأة تشوي الكستنا... معناه هذا شيء يؤكل.. ما يحتاج تفكير».. ولم يكمل، ومرّ الموقف مرور الكرام. وفي الستينيات، ما بعد عام 1960، كان الأستاذ صالح يتجول في سوق الخضار، أو «الشبرة» كما تُسمى في الكويت، فسمع أحد الباعة يصيح بصوت مرتفع ويقول «الكستنا.. الكستنا».. وهنا ذهب إلى البائع في عجل، وشاهد الأستاذ صالح «الكستنا» لأول مرة وفرح، وراح يتفحصها وقال بصوت مرتفع وهو يرفع حبة الكستنا إلى أعلى «المرأة تشوي الكستنا، فيما احتار البائع في هذا المشتري! ومن نوادر الكتاب قصة مماثلة عن الزيتون، إذ كان الناس في الكويت يعرفون التين الذي ورد ذكره في القرآن الكريم، ويستلذون بما فيه من حلاوة، حيث كانوا يستوردونه من دول كالعراق وإيران، وقد صدمت مرارة الزيتون وملوحته ونواته القاسية الكويتيين عندما تذوقوه للمرة الأولى. ومن الشخصيات الكويتية المعروفة الفلكي البارز د. صالح العجيري صاحب الدراية الواسعة بالعلوم الفلكية والتقاويم والنجوم وله اهتمامات لا تحصى، حيث احتفل اصدقاؤه ومحبوه قبل أشهر بدخوله عامة الثاني والتسعين، ولا نزال جميعاً في الكويت فخورين بعلمه وذاكرته وحضوره، كما لايزال د. العجيري، أبو محمد، من أقرب شخصيات البرامج التلفزيونية الى قلوب المشاهدين! وفي كتاب د. الحمد «حديث الديوانية» رواية عن د. العجيري يقول راويها: «كان عمري لا يتجاوز 29 سنة، وكنت اعمل ضمن الهجانة، وكان ذلك عام 1962م، وخرجت في أحد الأيام مع سيارة شرطة نستطلع الاوضاع قرب الحدود، وكان ذلك شمال المطلاع. وبينما نحن نتجول في المساء شاهدنا سيارة متوقفة في الصحراء بعيداً عن الطريق الرئيسي بمسافة 300 متر، وأنوارها مضاءة، وكان وقوفها في الليل يثير الشكوك، فقد تكون لأحد المهربين. اقتربنا من السيارة واكتشفنا عدم وجود السائق، وهنا تيقن لنا ان احدهم شاهدنا وهرب. ولكن انتظرنا لربع ساعة حتى جاء رجل يسير نحونا، وعندما اقترب افاد بانه صاحب السيارة وأنه يُدعى صالح العجيري، وقال انه ابتعد لمسافة ليشاهد نجم الثريا في السماء! أثار ذلك استغرابنا وقلنا له: ولم تركن اضواء السيارة تعمل؟ فقال: حتى استدل عليها بالليل واعود لها. وتركناه لحال سبيله، ولم نكن نعرف آنذاك العجيري الفلكي المشهور، وانما عرفناه فيما بعد عندما سمعنا حديثه في الاذاعة». وينقل الكتاب عن أحد بحارة الكويت من أهل السفر والغوص، ذكرياته في السفر والغربة: «كنت في الغربة على سواحل الهند أو في شرقي أفريقيا أو في عرض البحر على ظهر سفينة، ولكن عندما استلقي وأشاهد القمر أشعر بسعادة غامرة وأقول «القمر يشوف الكويت ويشوف أهلي كأني شايفهم». وهذا تواصل منطقي قبل عصر الأقمار الصناعية الدوارة! ولا يتصور الكثير من الكويتيين والخليجيين أن بعض الآباء والأجداد كانوا يشتغلون في الهند في مهن متواضعة. ومن روايات الكتاب أن رجلاً كبير السن كان جالساً في مزرعة لأولاده في إحدى مدن نجد، ربما في ستينات القرن الماضي وبداية الاستعانة بالعمالة الآسيوية في المنطقة. وحدث في ذلك اليوم أن رأى أشخاصاً أغراباً سمر البشرة عددهم لا يتجاوز ثلاثة، يدخلون المزرعة. فنادى أحد الأولاد يستفسر مَنْ هؤلاء، أو كما في لهجة أهل نجد «هذا ولا وِشْهُم»؟ فابتسم الابن وقال: عمال جدد جبناهم للمزرعة. فردّ الجد: «منين، وش جنسهم»؟ فرد الابن: عمال هنود استقدمناهم من الهند للعمل بالمزرعة. «فصعق الرجل الكبير بالسن الذي عركته السنون وهو يجلس القرفصاء، ووضع كلتي يديه على رأسه وراح ينظر للأرض بتعجب وقال: الله الأكبر.. أوَّل - أي في الماضي - كنا نروح لديرتهم نشتغل وندور الرزق، الحين يجون يشتغلون عندنا.. يا سبحان الله الدنيا تدور». ومن المعلومات التاريخية الواردة في الكتاب، أن بعض سيدات العائلة الحاكمة كن أولى السائقات للسيارات في الكويت. ويقول الكاتب إن الشيخة «بدرية السعود الصباح» تذكر أنها «في عام 1948 تعلمت قيادة السيارة، حيث كانت أول كويتية تقود سيارة في الكويت، وقد لاقت معارضة شديدة من أحد اخوتها، وفي أحد الأيام وبينما كانت تقود السيارة لحقها أخوها ليمنعها، ولكنها استمرت في القيادة، وكانت تذهب بها إلى المستشفى الأميركاني وتنتقل بها إلى السالمية في النهار فقط داخل الكويت». ومن قصص العين والحسد يروى الكاتب عن أحدهم: «اعتاد اهل الكويت قبل النفط ان يكون بناء البيت من طابق واحد ومن الطين أو الاسمنت. ولكن في اواخر الاربعينيات قام رجل ثري بالبدء ببناء بيت من طابقين، وكان يرفض ان يدخل أحد البيت أثناء البناء خشية الحسد، حسب اعتقاده، واستمر هكذا. ولكن الرجل توفي قبل أن يكتمل بناء البيت ولم يسكنه! فصار مضرب الأمثال في غدر الزمان. ومن قصص الكتاب حكاية «أبو فيصل» كبير السن المتقاعد، الذي قرر الزواج بفتاة صغيرة، غير أن زوجته التي لم تبد الامتعاض والاستياء مباشرة قالت له كلمات ذات مغزى صرفته عن خطته. قالت، وهي المرأة العجوز: «أنا ما عندي مانع، لكن شوف، انت بتاخذ بنت صغيرة، والبنت الصغيرة تبي عناية ورعاية، وانت تعرف نفسك مو مثل اول شباب كما أعرفك، وبك امراض من السكر وغيره وتبي واحد يرعاك، وهل بنت الناس بتجابلك وإلا بتقول أمام ربعها وقومها ابتلشت بها الشايب، وتنفضح بين جماعتك وقومك وانت عزيز بينهم ومرفوع الراس. لكن تزوج، الله يهنيك». يقول أبو فيصل: راجعت الأمر بالليل.. وعدلت عن الموضوع برمته ولم أتزوج.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا