النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10817 الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 الموافق 12 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

حوار بين خالد السعدون وعلي بن يوسف فخرو

رابط مختصر
العدد 8661 الأربعاء 26 ديسمبر 2012 الموافق 13 صفر 1434

في مثل هذه الأيام لا أدري لماذا ألحت علي الذاكرة أن أستذكر الرجال الذين يحق لنا فعلا أن نشير إليهم بالبنان، وأن نستحضر مواقفهم الإنسانية وقيمهم المجتمعية، وتركهم للأجيال المقبلة الدروس والعبر المستفادة. خالد السعدون رجل أعمال كويتي جاء إلى البحرين مع والده في زمن كانت مهنة الغوص على اللؤلؤ حرفة أهل الخليج العربي، وكان عشق البحرين وأهلها أخذ عقله ولبه، فاستقر به المقام فيما بعد. وبعد رحلة عطاء وبذل وروح عصامية وجد في البحرين وأهلها الترحاب، ويدخل في قلوب الناس حكاما ومحكومين، أو راعيا ورعية، ويلمس فيهم الأهل، والأصدقاء، والأحبة ويعيش بهم ومعهم النخوة والحمية، ولأنه شعر وكأنه مواطن بحريني؛ فقد استثمر وكانت له تجارة وبيت في أرض المحبة والوفاء؛ وارتبط بهذه الأرض قلبا ووجدانا وشعر وكأنه السفير الشعبي للكويت في البحرين قبل وبعد وجود السفير الدبلوماسي الكويتي ليتناغم العطاء الحكومي الكويتي مع العطاء الشعبي. أما علي بن يوسف فخرو، فهو سليل أسرة بحرينية عريقة امتهنت التجارة، فعاش بوشوقي كل تفاصيلها ومعطياتها وانغمس في قيمها وتقاليدها وأعرافها, وثقة من تجار البحرين ورجالها انتخب رئيسا لغرفة تجارة وصناعة البحرين كآخر تكليف وطني تقلده وتصدى إليه، فأخلص له، وبذل الكثير من أجل أن يكون للغرفة صوت مسموع، ولأن يكون للتجار دور في ركب الاقتصاد الوطني، ويسهم في دعم التعاون الاقتصادي والتجاري مع دول الخليج العربي، ويكون للغرفة تواجدا على الساحة العربية بين منظومة الغرف التجارية العربية. ولكون علي بن يوسف فخرو اجتماعيا بامتياز وبطلعته البهية وتصميمه وإصراره وصرامته استطاع أن يخلق من الغرفة التجارية عنصر جذب لكل عمل خيري واجتماعي، وأن يربط بين التجارة والمسؤولية المجتمعية؛ ففي عهده شهدنا حضورا للغرفة التجارية على مختلف الأصعدة. علي بن يوسف فخرو ولمن يعرفه عن قرب، يجد فيه الوفاء، والإخلاص، والتواصل مع الناس في أفراحهم وأحزانهم، يجد فيه الصدق، وقول الحق، والحب للبحرين وأهلها، يعامل الناس بأقدارهم، حتى عندما اشتد عليه الزمن، لم يتأخر عن تلبية حاجات المجتمع البحريني من التواصل فكان «حفيزه» مفتوحا، ومجلسه في بيته عامرا, وأتذكر أنه مرض وأدخل مستشفى الإرسالية الأمريكية وعلمت بمرضه وزرته، فقال: «لا أدري من أخبركم فلم أرد أن أشق على الناس»، فقلت له: «ان الناس تعلم ان لأبي شوقي حقا عليهم». كان هذا علي بن يوسف فخرو الإنسان، المواطن البحريني الذي لم يفرق بين مكونات هذا المجتمع, ولم تصرفه تجارته ومصالحه عن مصلحة بلاده وخير أبناء وطنه، وكان صوتا قويا ومسموعا في الدفاع عن وطنه في الخارج، وكان يسعى لأن تكون البحرين مقصد التجارة والاستثمار؛ لأنه يعلم أن أجداده وآباءه ورجال البحرين كان هذا هاجسهم وديدنهم وآمالهم وتطلعاتهم. ربطت بين خالد السعدون وعلي بن يوسف فخرو صداقة قوية تنم عن صدق المشاعر بين رجال الكويت الذين نعرفهم ورجال البحرين الذين عشنا بينهم, وكان الاثنان مثالا صادقا وأمينا للعلاقات بين الأشقاء في خليجنا العربي، وهناك أمثلة وشواهد حفظها تاريخنا الماضي والحاضر تحتاج منا أن نعيد التذكير بها، وأن نقتدي آثارها. علي بن يوسف فخرو كان يهوى جمع «السبح» وكذلك كان خالد السعدون، وكل واحد منهما يعتبر مرجعا في معرفة الأحجار الكريمة التي تصنع منها «السبح»، و كانت بينهما منافسة على من يستطيع أن يخطف «مسباح» الآخر في اسلوب لا يخلو من دعابة، وخفة دم، وقتل للروتين. وكان المرحوم خالد السعدون رجل الخير والعطاء والكرم؛ فمنزله كما يحلو للعم علي بن يوسف فخرو أن يصفه بالخان، لأن خالد السعدون وضع في منزله غرفا للنوم زودها بكل المستلزمات ليكون بيته سكنا لكل قادم من الكويت إلى البحرين، وهي على فكرة أسلوب تعارف عليه أهل الخليج العربي فزوار الأهل والأحباب لا يكون إلا في البيوت، و لم يعرفوا الفنادق والشقق الفندقية؛ فكان خالد السعدون حريصا على هذه التقاليد، وكان علي بن يوسف فخرو ضيفا دائما على موائد السعدون العامرة، لا يمر وزير أو مسؤول كويتي ويعلم به خالد السعدون إلا أولم له ودعا الناس للترحيب والاجتماع به، وكان علي بن يوسف فخرو يتندر على قائمة الطعام «المنيو» المقررة في كل عزومة ومن النوادر الجميلة أن أمير الكويت الراحل المغفور له الشيخ جابر الأحمد الصباح كان في زيارة للبحرين ولكون برنامج زيارة الأمير الراحل كانت مكتظة؛ فقد التمس خالد السعدون أن تتاح له الفرصة ولو على فطور «ريوق» فقبل أمير الكويت الراحل وما كان تأدبا يستطيع أن يرفض لخالد السعدون طلبا، فجاء أمير الكويت صباحا إلى منزل السعدون بالرفاع وإذا بوليمة عامرة وملتزمة بنفس القائمة المعتادة من الخراف واللحوم بأنواعها والأطباق التي لا تؤكل عادة إلا في الغداء أو العشاء، ولكنه الكرم الذي اعتاد عليه خالد السعدون، فكانت هذه الوليمة قد دخلت تاريخ الولائم العربية. خالد السعدون، وعلي بن يوسف فخرو، رجلان جسدا صور التلاحم، والتراحم، والمودة بين أبناء الخليج العربي الواحد، في حديثهما على ما تشوبه أحيانا من جدية في الطرح، ومناقشة القضايا العقارية والاستثمارية والتجارية بكل صدق وأمانة وشفافية إلا أنك تجد فيه البسمة والتعليق الطريف، في أريحية وعتاب المحبين، لا تكشيرة، ولا تعليق «مؤذٍ»، ولا تعد لاذع جارح، ولا استشفاء بالآخر وتحقير من رأيه وفكرة أو مصادرة ما يطرحه ولو كان مخالفا. رفض خالد السعدون أن نجري معه حوارا إذاعيا أو تلفزيونيا أو صحفيا، وأتذكر أنني تظاهرت يوما بالتسجيل، فما كان منه, كعادته في الرفض, إلا أن قال لي أما أن توقف ذلك أو تغادرنا من غير مطرود؛ فضاعت علينا فرص تسجيل شاهد على العصر، ولكن هذا لا ينفي تلك الشذرات والقصص التي كان يرويها لجلسائه شفاهة. أما علي بن يوسف فخرو؛ فقد كان منفتحا على الإعلام؛ وسجلت له أحاديث ذكريات كثيرة واستضفته في برنامجي الوثائقي التسجيلي الذي أعدته الأخت شيخة شاهين المضاحكة عن المغفور له بإذن الله تعالى سمو الشيخ سلمان بن حمد بن عيسى بن علي آل خليفة حاكم البحرين وتوابعها طيب الله ثراه. فقد كان بوشوقي مرجعا ليس في تاريخ التجارة والاقتصاد البحريني، بل كان مرجعا في تاريخ البحرين ورجالها. رحم الله خالد السعدون، ورحم الله علي بن يوسف فخرو وأدخلهما في جنانه ورضوان نعيمه فقد كانا عاشقين للبحرين وأهلها، عرفا الصغير والكبير وقاما بواجباتهما الاجتماعية، وجسدا صور التلاحم والتعاون والتكاتف، وأرسيا قيم التسامح والقلب المفتوح والحب الذي يصنع المعجزات والتعلق بالوطن أرضا وشعبا وولاء, ووفاء, وبذلاً, وعطاء. وعلى الخير والمحبة نلتقي

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا