x
x
  
العدد 10473 الإثنين 11 ديسمبر 2017 الموافق 23 ربيع الأول 1439
Al Ayam

مقالات - قضايا

العدد 8650 السبت 15 ديسمبر 2012 الموافق 2 صفر 1434
 
 

مرحلة ما قبل البترول: (الغوص): للوقوف على حقيقة هامة في التاريخ النقابي لعمال البحرين، علينا إدراك ما جرى خلال الفترة التي أعقبت اكتشاف البترول مباشرة عندما طالبوا فعلاً بالتنظيم النقابي في مرحلة مبكرة من نشوء التجمعات العمالية، وعلينا البحث في كيفية نشوء ثقافات الشعوب، مع الأخذ في الاعتبار أن جميع تلك الثقافات انعكاس حقيقي للبنى التحية، ولتراكمات تاريخية، فكيف نشأت الثقافة النقابية في مجتمع لايزال يعيش مرحلة متخلفة لم تتبلور بعد علاقاته وأنماطه الاقتصادية الأخرى، حيث كانت ثقافة الغوص بكل مكوناتها وعلاقاتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لاتزال سائدة، علماً أن الوعي بأهمية النقابة تنبع من المكونات التي تساهم في بلورة وتشكيل هذه الثقافة، بحيث تطبعها بطابعها الخاص وفقاً للظروف الاقتصادية والمصالح الطبقية والفئوية للقوى الاجتماعية التي تُعبِّر عنها، ولكن هذه الشروط لا تنطبق على مجتمعات الغواصين والبحارة في تلك المرحلة نتيجة الفقر والجهل وطبيعة العلاقات الاقتصادية البسيطة، حيث كان عمال الغوص أشبه بالأقنان في أوضاعهم وعلاقاتهم الاقتصادية، ويمكننا تصنيفهم الى عدة فئات حسب التقسيم الاجتماعي للعمل، من خلال تصنيف القوى العاملة في نظام الغوص، ولكي تتضح طبيعة العلاقات في هذا النظام يمكننا تصنيفهم حسب الحاجات الأساسية، فهناك فئة من الغواصين تملك حاجاتها الأساسية، وفئة ثانية لا تملك حاجاتها الضرورية على مدى العام، وفئة أخرى لا تملك قوت يومها، هذه الفئات كانت تمثل القاعدة الاجتماعية العريضة للمجتمع البحريني خلال مرحلة الحياة البحرية واقتصاد الغوص (تجارة اللؤلؤ) وكان هؤلاء يعيشون على الديون (التسكام أو التسقام: - هو المال الذي يدفعه النوخذة «صاحب العمل» للبحارة، وهو عبارة عن الدين المتوارث الذي لا يسقط بفعل الموت أو العجز)، هذا بالإضافة للخرجية ( كلمة فارسية تعني المصروف) التي تعطى كمصاريف شخصية للبحارة، وهي عبارة عن ديون إضافية. لقد كانت أعداد السفن التي أبحرت للغوص قبيل اكتشاف البترول بثلاث سنوات ( 1929 ) حوالي ( 538 ) سفينة تحمل أكثر من عشرين ألف بحار، وبعد تصدير البترول في عام( 1936 ) بلغ عدد السفن التي أبحرت للغوص ( 264 ) سفينة يعمل عليها اقل من ( 1000 ) بحار. إن هذه الأرقام تدلنا على حقيقة التحولات الاقتصادية التي طرأت على المجتمع البحريني، من حيث الانتقال لنمط اقتصادي جديد، قوامه صناعة البترول وآلاف العمال تحت سقف واحد ذات طبيعة اقتصادية رأسمالية في علاقاتها ونظم عملها وظروفها، ولكن هؤلاء العمال هم ذاتهم الغواصين الذين حملوا معهم تراث الغوص وثقافته ونمط حياته، لذا لم يكن في أذهان هؤلاء سوى معطيات الغوص ومسمياتها كمنظومة ثقافية لها قواعدها وشروطها ومسمياتها، فعندما نبحث في مكونات الوعي الاجتماعي لثقافة هؤلاء ومعطياتها نجدها بسيطة ولا تتصل إطلاقاً بطبيعة النظام الرأسمالي وثقافاته التي أفرزت قيم ومؤسسات جديدة لم يعرفها نظام الغوص، ولم تكن في وارد الغواصين الذين عاشوا نظام السخرة لمئات السنين، في بيئة بعيدة عن العلاقات الصناعية، فالغواص في نطاق عمله كان يتعامل مع أدوات بسيطة ضرورية لمهنة الغوص والتي تحمل مسميات أخرى غير الأدوات المستخدمة في صناعة البترول، فوسائل وأدوات الإنتاج البحرية لمرحلة العمل في مهنة الغوص تختلف تماماً عن وسائل وأدوات الإنتاج الصناعي، فهي التي شكلت المخزون الفعلي لثقافات نظام الغوص إضافة لعلاقاتها الإنتاجية التي تتقارب مع نظام السخرة، فعلى سبيل المثال كانت أدوات الغواص بسيطة وتتكون من: الديين: عبارة عن سلة شبكية مصنوعة من خيوط القنب او القطن يعلقها الغواص في رقبته ليضع فيها المحار. الزبيل: عبارة عن كتلة من الرصاص او الحجر لزيادة الثقل، يعلقها الغواص في اصابع رجليه لينزل سريعا إلى قاع البحر، ويتصل بهذا الوزن حبل متصل بمساعد الغواص (السيب) فوق السفينة ليرفعه لسطحها. السكين: يحمله الغواص تجنباً من هجمات الأسماك المفترسة. الفطام: قطعة على شكل الملقط او المشبك يسد بها الغواص أنفه. اليدا: حبل يستخدمه مساعد الغواص (السيب) لجر الغواص من قاع البحر إلى السفينة. إن هذه الأدوات البسيطة والمحدودة في مهنة الغوص لا تتصل إطلاقاً بالصناعات النفطية وادواتها المعقدة من آلات وطاقة، وتشعبات واسعة في تقسيمات العمل والإنتاج حسب طبيعة الصناعة والمهنة، مما اضطر بابكو الى تأسيس مدرسة خاصة للتعليم والتدريب المهني، واصبحت المسميات المهنية تختلف عن طابعها القديم في مهنة الغوص، كذلك أفرزت علاقات عمل وإنتاج جديدة راكمت ثقافة اخرى، وطبيعة استغلال تختلف عما كان سائدا في نظام الغوص، حيث افرز البترول مهنة العامل، وعلاقات العمل والإنتاج، وصارت هناك تراتبية مهنية حسب النظام الرأسمالي البسيط، دخلت من خلالها قوى أجنبية تتحكم في الثروة النفطية، وتستغل العامل المواطن، كذلك تحول مكان العمل من سطح السفن واعماق البحار الى مواقع عمل وتجمعات عمالية محددة، وصار العامل محكوماً بأجر يومي، ودخلت مع بدايات مهنة صناعات البترول كلمات ومصطلحات جديدة في المكون الثقافي واللغوي لشعب البحرين، والتي شكلت البدايات الأولى للمرحلة الانتقالية من اقتصاد البحر (الغوص) الى الاقتصاد الصناعي (الرأسمالي البسيط).


زائر
عدد الأحرف المتبقية
   =   

تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة
  إقرأ في عدد اليوم
  الأيام "واتساب"

المواضيع الأكثر قراءة

هل تؤيّد ما ذهبت له دراسة حديثة بأن انتاجية الموظّف البحريني 42 دقيقة فقط في «اليوم الواحد»؟

تصفح موقع الايام الجديد