النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10811 الأربعاء 14 نوفمبر 2018 الموافق 6 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:33AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

يوم طاح بن عصيدان في الجليب

رابط مختصر
العدد 8612 الأربعاء 7 نوفمبر 2012 الموافق 22 ذو الحجة 1433

حكاية يعود تاريخها إلى الثلاثينات، بطلها أحد أبناء البادية يدعى «بن عصيدان» جاء إلى قرية الجسرة، وكعادة أهل البادية يوفون لأصدقائهم، ويقومون بواجب الزيارة لهم حينما يغشون في البلاد التي يحلون فيها ويرفعون الكلفة، فالبساطة شعارهم ويعتبرون المنازل التي تستضيفهم منازلهم وكانت تربط جدي لأبي يرحمه الله محمد بن صالح الذوادي صداقة قديمة مع «بن عصيدان» وجاء إلى بيتنا في الجسرة، والجد «يخرف» الرطب من النخلة التي استطاع الوصول إلى «عذوقها» من خلال «الكر»، وابن عصيدان يخاطب الجد، وينظر إليه وهو يتراجع القهقرى أي «ريوس» لتكتمل عنده الصورة، إلى أن قادته قدماه ليقع في «الجليب» الذي خلفه دون أن يلتفت إلى ما وراءه، صارخاً «بقمة رأسه»: «ألحق عليّ يا محمد» ومن حسن حظه أن الجليب يومها لم يكن «غزيراً»، ولكن الماء الذي فيه يكفي ليبقيه سالماً ولا يصاب بأذى، غير أن المفاجأة كانت مؤلمة لأبن عصيدان الذي بدأ يستجمع قواه ويتعوذ من الشيطان الرجيم ويطلب بيضتين ليكسرهما على حافة الجليب ليتقي الشر، ويفتدى وقوعه، ويحمد الله على سلامته. ذكرتني هذه الحكاية بمواقفنا في الحياة فنحن نسير إلى الأمام دون أن نحسب حساباً لما هو ربما يصادفنا في طريقنا، فلا نضع الإحتمالات، ولا ندرس السيناريوهات ولا نستعد الإستعداد اللازم والمطلوب وكأننا نمشي على البركة، والأدهي أننا أحياناً نمشي إلى الخلف دون أن نعلم ما يخفيه لنا الطريق الذي خلفنا من مفاجآت. إذا كان المطلوب منا أن ندرس المستقبل ونعد الأمر عدته، سواء على مستوانا الشخصي أو الأسري أو المجتمعي، فإننا بذات القدر والمسؤولية مطلوب منا أن نشحذ الهمم ونبذل الجهود المتكاتفة والمتعاونة من أجل النهوض بالوطن، والعمل بكل جد واجتهاد في الإعتماد على قدراتنا وإمكانياتنا وأبنائنا في صنع المستقبل، كما أننا بذات القدر يجب علينا أن لا ننسى ما خلفنا وما تركناه خلف ظهورنا، لا من أجل أن يقعدنا ويثبط عزائمنا وإنما لندرس إيجابياته وسلبياته ونتعظ بما فيه من أمور لا نود أن تتكرر في مستقبل أيامنا. ضمتنا جلسة مصارحة مع بعض الأصدقاء والأهل والمعارف، وتناولنا ما نحن عليه من إتكالية في إنجاز بعض أعمالنا ومستلزماتنا البيتية والمعيشية، فعلى سبيل المثال لا تجد اليوم بحرينياً يقوم بتسليك الكهرباء المنزلية أو يصلح الأعطاب الطارئة، رغم وجود مهندسين كهربائيين بحرينيين، ولا تجد سباكاً «باي فيتر pipe fitter» بحريني يقوم بتركيب الأدوات الصحية، ولا تجد «استاد بناي» بحريني أو عامل بناء بحريني، رغم العمران الذي تشهده بلادنا ووجود مهندسين معماريين بحرينيين والأمر أن لا تجد الآن نجاراً بحرينياً ناعماً أو خشناً يقوم بأعمال النجارة وإن كان يملك البعض منا ورش نجارة في المدن والقرى، فقد تركنا كل هذه الأعمال اليدوية والفنية المربحة الآن في زماننا إلى أيدي أجنبية كل خبرتهم وفهمهم استقوها من الأعمال عندنا في البحرين. ولو رجعنا إلى الوراء لوجدنا الكهربائي البحريني، والسباك البحريني والنجار البحريني والبناء البحريني واللحام البحريني بل إننا كنا نقوم بكل هذه الأعمال ونحن طلبة في العطلة الصيفية على أيدي عمال وفنيين بحرينيين مهرة بل إننا لو ذهبنا اليوم إلى أسواقنا المركزية في المنامة أو المحرق، أو سوق اللحم أو سوق السمك ناهيك عن محلات البقالة في المدن والقرى فلن تجد من تخاطبه من أبناء وطنك وستضطر إلى التعامل مع الوافدين، رغم أن المالك قد يكون بحرينياً، فأين تلك الأيام التي لا تشتري أنت البضاعة فقط من صاحب المحل، وإنما تربطك بالبائع علاقة أخوة ومحبة، وقد تشتري منه نقداً أو قد تشتري منه بالسلف وتصبح لك الحظوة باعتبارك «عميل» لك إحترامك وتقديرك ومعزتك، أما الآن فما تشتريه لا يكون إلا نقداً وليست لك بمن تشتري منه أية صلة أو رابطة، وربما تعرف أسمه وربما تعتقد أن ذلك ليس مهماً. ما هذه هي البحرين التي نعهدها ونريدها، فلم يكن المواطن فينا إتكالياً، ولم تكن الأجيال التي نعرفها ونسمع بها تعيش على الهامش بل إن هذا الوطن بنى بسواعد أبنائه وبجهودهم وعرقهم وعمل أيديهم وعصارة فكرهم وعقلهم، والمستقبل كما نقرأ ونعرف لأي أمة لا يقوم إلا بما ينهض به أبناء الوطن الذين عليهم مسؤولية البناء والنماء والتطوير والحرص على الإجادة والتميز والإتقان، ولا نريد أن نتراجع إلى الوراء ونجد أنفسنا وقد أصبحنا مثل ابن عصيدان في الجليب ونصرخ «الحق عليّ ...ألحق عليّ...!!! وعلى الخير والمحبة نلتقي

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا