النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10756 الخميس 20 سبتمبر 2018 الموافق 10 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

الــــــــــــدرة الفرنســــــــــــية

رابط مختصر
العدد 8601 السبت 27 أكتوبر 2012 الموافق 11 ذو الحجة 1433

ربط العالم الغربي بقوة بين قصص ألف ليلة وليلة والمجتمعات العربية والاسلامية. ولكن لماذا لم يشتهر العالم العربي، بعد ان زاد فيه عدد القراء والكتاب، والادباء والروائيين، بأثر ادبي شيق، يترجم الى لغات العالم، وتطالعه كل الشعوب؟ يقول د. محسن جاسم الموسوي في دراسة له عن ألف ليلة وليلة في الادب الانجليزي، انها تعد «من بين الكتب القليلة الفريدة في تأثيراتها في القراء، وفي حجم الاستقبال الذي صادفته والرواج الذي حظيت به». ونحن نجد اليوم ان للروس روايات عالمية «كالحرب والسلام» وكذلك للإنجليز والفرنسيين والاسبان والايطاليين مثل «قصة مدينتين»، «دون كيخوته» و«البؤساء» وغيرها. وإن كانت للأدب العربي من أعمال عصرية منافسة إلى حد ما، فربما تكون «ثلاثية» نجيب محفوظ، و«النبي».. لجبران خليل جبران، الشاعر والناشر والرسام اللبناني المهجري الكبير،. فهل يظهر عمل يضاهي في شهرته «البؤساء»؟ ونقف قليلاً مع هذه الأخيرة، التي يقول عنها محمد صالح القمودي، «نادرة هي الروايات التي حققت انتشاراً كالذي حققته رواية البؤساء للأديب الفرنسي الشهير فيكتور هوجو. لقد ترجمت الى كافة اللغات المكتوبة في المعمورة، ولم يعد احد بقادر اليوم على تقديم احصاء دقيق لطبعاتها المتلاحقة في كافة أرجاء الارض» «العربي، يناير1981». يقال ان معظم المؤلفات المؤثرة وضعت في المنافي والسجون، فقصة «روبنسون كروزو» الانجليزية وضعت في السجن، كما كتب «السير والتر رالي» كتابه عن «تاريخ العالم» في السجن، وترجم «مارتن لوثر» الانجيل عندما كان مسجوناً في قلعة «فارتبورغ». ولم يكن «فيكتور هوغو» استثناءً، فقد ألف روايته «البؤساء» وهو في المنفى. ويقال كذلك ان قدرة «هوغو» على العمل كانت تتضاعف اذا وقع في الحب، أو وصلته اخبار سيئة.. او عندما يفشل في احد اعماله! وأي عمل نجح كالبؤساء! ان البصيرة يقول هوغو، لن تعثر على «موضع يجمع بين الضوء الساطع والظلام الدامس مثل اعماق الانسان. ثمة مشهد اعظم من البحر، هو السماء، وثمة مشهد اروع من السماء هو اعماق الانسان». ولهذا، يقول القمودي: «اخترقت رواية البؤساء كافة الحواجز: من نقد ورقابة وحسد.. تربعت على رأس امهات الكتب الفرنسية. اما شخصياتها، فقد اصبحت اسطورية تغرس جذورها في اعماق الشعب الفرنسي، لقد نحتها الاديب الكبير من عذاب مواطنيه، وغسلها بدموعه الرحيمة.. حانياً عليها في خيرها وشرها». صدرت الرواية في بروكسل سنة 1862 خارج فرنسا. ولكن تأثيرها شمل المترف والمعوز، الامير والفقير، الحاكم والمحكوم، اليمين واليسار. لعب هوغو دوراً سياسياً خطيراً. فكان مؤيداً لابن نابليون ثم ناصر «لويس فيليب»، وقاوم سياسة نابليون الثالث، ونتيجة لذلك صدر قرار بنفيه. وظل في منفاه حتى عاد عام 1870، عندما انتخب في باريس عضواً بمجلس الامة، ودفن في «البانثيون»، مقبرة عظماء فرنسا، سنة 1885. اشتهر هوغو برواياته الخالدة مثل «احدب نوتردام»، الى جانب البؤساء. غير ان معظم معاصريه اعتبروه اعظم الشعراء ومن عجب ان اول من ترجم «البؤساء» الى العربية كان الشاعر حافظ ابراهيم، ويبدو انها ترجمة مختصرة، وذلك سنة 1903 في 154 صفحة، بينما الرواية في ترجمة عربية لاحقة تمتد خمسة مجلدات، انجزها الراحل منير بعلبكي. وكان الشاعر حافظ قريباً من الفقراء، وهو صاحب القصيدة التي يقول فيها عن غلاء الاسعار وتأثير ذلك علي غير القادرين «غدا القوت كالياقوت ـ حتى نوى الفقير الصياما». وكان حافظ ابراهيم ضابطاً في الجيش المصري بالسودان، ثم عاد الى مصر ولزم الشيخ محمد عبده وعاش في فلاكةٍ نسبية وفقر نحو عشر سنوات، الى ان تُعين بدار الكتب المصرية سنة 1911. «معجم المطبوعات، يوسف سركيس، 1928». ما ان قرأ ابن الشاعر الفرنسي فيكتور هوغو رواية البؤساء حتى حولها الى مسرحية في 16 مشهداً. غير ان حكومة نابليون الثالث آنذاك، منعت عرض المسرحية في فرنسا. وقد عرضت المسرحية في «بروكسيل»، اولاً، وانتظرت 15 سنة كي يُسمح لها بالعرض في باريس. وفي سنة 1957 اقتحمت مسرحية البؤساء مسرح «الكوميدي فرانسيز»، الشهير بوقاره وبمستواه الرفيع.. ثم الى شريط سينمائي. أقبل عامة الجمهور على الرواية دون النخبة.. وقد لاحظ الاديب «اراجون» سنة 1951، ان الطبعة الصينية من البؤساء قد اصدرت مليونها الخامس. وذكر «اندريه مالرو» انه عثر على الرواية في رحلاته المتعددة عبر القارات، في الهند وأفريقيا وفي امريكا اللاتينية! حجم البؤس في العديد من المجتمعات العربية لا يقاس. وهو بؤس مادي ومعنوي وسياسي واقتصادي. ولكن أين من يكتب رواية تنافس «البؤساء»؟!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا