النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10817 الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 الموافق 12 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

الإسلاميون في السلطة

رابط مختصر
العدد 8593 الجمعة 19 أكتوبر 2012 الموافق 3 ذو الحجة 1433

وصل الإسلاميون إلى الحكم والسلطة وصاروا قادة بلاد الربيع العربي، لم يصلوا بانقلاب عسكري بل بإرادة شعوب تلك المنطقة عبر انتخابات عامة، ومن حقهم أن يحكموا ويحققوا وعودهم ويبرهنوا على أن برامجهم في الإصلاح والتنمية أفضل من برامج السابقين، عانا الإسلاميون كثيراً من تسلط الأنظمة السابقة وتعرضوا لمحن كبيرة لكنهم ثبتوا وصبروا وجاهدوا وآن لهم اليوم أن ينعموا بثمار جهودهم بالتمكين في الأرض مصداقاً للوعد الإلهي «وعد الله الذين آمنو وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم بعد خوفهم أمنا» لقد كانوا مستضعفين في الأرض، يعملون في الخفاء، ودار الزمان فانتصروا وأصبحوا يعملون في النور، يقول تعالى «وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها» إنها قوانين وسنن عليا وضعها الله تعالى في الكون وهي تحكم المجتمعات البشرية عبر تطوراتها الزمنية بالرغم منها وحتى بدون علمها أو إرادتها، يسمونها «مكر التاريخ» فمن كان يتصور أن المرشد العام للإخوان والذي كان منبوذاً ومهمشاً فيما مضى يدخل اليوم القصر الجمهوري مكرماً معززاً؟! أليس حكام هذا القصر هم من كانوا ينكلون به وبجماعته؟! يقول المرشد السابق عاكف عن ثورة 25 يناير إن الله تعالى هو الذي أقامها ونصرها بينما يرى المرشد الحالي بديع بأن الله تعالى انتقم للإخوان ممن ظلمهم فانتقم من عبدالناصر بحرب السويس 1956 وبهزيمة 1967 وانتقم من مبارك بثورة 25 يناير! لكن المولى عزوجل عادل في حكمه ولا يحابي أحداً فهل كان اغتيال المؤسس الشيخ حسن البنا انتقاماً إلهياً؟! والأولى أن نقول إن التمكين للإسلاميين اليوم إنما هو نوع من الابتلاء والاختبار والابتلاء يكون بالشر ويكون بالخير وهو أشد، الابتلاء بالسلطة هو أشد أنواع الابتلاءات إذ يمتحن فيها طلاب الإصلاح وأصحاب المبادئ والقيم، الاسلاميون اليوم وهم في السلطة في منطقة الربيع العربي، أمام امتحان عسير ومسؤولية مزدوجة فهم مسؤلون أمام الله عزوجل كما أنهم مسؤلون أمام الجماهير التي وثقت فيهم، إن مسؤولية الإسلاميين غير مسؤولية القوميين واليساريين فمسؤوليتهم مضاعفة: مسؤوليتهم أولاً امام الله تعالى باعتبارهم دعاة وحملة رسالة الإسلام وقد مكنهم المولى من الحكم لينظر كيف يعملون «ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون» إن مسؤولية الإسلاميين الكبيرة أمام الله تعالى تكمن في إقامة «العدل» والعدل مفهوم شامل وهو قوام تعاليم الإسلام كلها وعليه قامت السماوات والأرض فهل يتمكن الإسلاميون من إقامة العدل؟ أما مسؤوليتهم الأخرى فهي أمام شعوبهم التي منحتهم الفرصة التاريخية للحكم بعد عقود المعارضة الطويلة فهل ينجحون في إبراز كفاءتهم وأهليتهم ويكسبون ثقة الجماهير في الانتخابات القادمة؟ التحديات كبيرة والمسؤوليات معقدة وضخمة، ومنظور الحكم ورؤاه غير منظور المعارضة ورؤاها، الإسلاميون لديهم خبرة كبيرة في فنون المعارضة. في تنظيم التظاهرات الاحتجاجية وفي تهييج الجماهير وتحريضها وفي توظيف الدين والمساجد والفتاوى لخدمة أهدافها لكن تنقصهم الخبرة في فن إدارة الشأن العام وفي الحكم وفي إدارة الاختلاف السياسي بما يحقق التوافق الوطني، والحكم الناجح هو الذي يقوم على حسن إدارة الاختلاف في المجال السياسي، وقد اعترف خالد مشعل مؤخراً في مؤتمر «الإسلاميون ونظام الحكم الديموقراطي.. تجارب واتجاهات» الذي نظمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالدوحة 6-8 أكتوبر، بأن الحكم أعقد مما كان يتصور كما اعترف بصعوبة الجمع بين السلطة والمقاومة، وقال «خضنا التجربة ونتعلم منها وقد أخطأنا في أشياء وتنعلم من ذلك» وهذا هو المطلوب من الإسلاميين في الحكم: أن يعترفوا بأخطائهم وأن يتعلموا منها ومن تجارب الآخرين، وهذا يتطلب منهم القيام بما يأتي: 1 ـ. شجاعة القيام بعمليات النقد الذاتي لمجمل برامجهم وطروحاتهم وشعاراتهم وسلوكياتهم خلال فترة المعارضة الطويلة ثم الاعتراف بالأخطاء والعثرات ومحاولة الإفادة منها ومن الآخرين، هم اليوم يتحدثون عن احترام المواثيق والمعاهدات الدولية وكانوا في الماضي ضد العلاقة مع إسرائيل ويطالبون بإلغاء معاهدة كمب ديفيد أو تعديلها، وهم اليوم يحرصون على علاقات جيدة تكاد تقترب من التحالف بأمريكا والغرب وقد كانوا بالأمس يعادونها ويطالبون بمقاطعتها ويبثون كراهيتها، وهم اليوم يسعون للاقتراب من صندوق النقد الدولي بشروطه وفوائده وكانوا يرونه رباً محرماً، وهم اليوم لا يستنكفون عن قبول السلاح والمعونة الأمريكية وكانوا في الماضي يهاجمون نظام مبارك ويتهمونه بالتبعية والخنوع، هذا في تصوري مما يحمد لهم سواءً برروه بأحكام الضرورة أو فقه المرحلة وتوازناتها أو بالبراجماتية السياسية ورعاية المصالح الوطنية. 2 ـ شجاعة الاعتراف بأن الشعارات السابقة والحلول التنظيرية لمشكلات السياسة والاقتصاد لا تغني ولا تسمن من جوع، إذ لا توجد حلول دينية لمشكلات وقضايا اقتصادية وسياسية واجتماعية، نعم هناك توجهات دينية وأخلاقية لمثل هذه المشكلات لكن الحلول هي الحلول العلمية وهي لا تتغير باختلاف الأديان والمجتمعات، هناك حلول مستمدة من تجارب ومناهج الآخرين وقد نجحت وأثمرت وحققت تقدماً وإنجازاً لمجتمعاتها فعلينا الإفادة منها والكف عن تضييع الوقت والجهد والموارد في إعادة اختراع العجلة من جديد، فلا جديد عند الإسلاميين فيما يتعلق بالدولة المدنية والدساتير وأنظمة الحكم، لذلك عليهم الاعتراف بأن الدولة الوطنية القائمة منذ قرنين في المنطقة في ظل الأنظمة السابقة والحالية إنما كانت تحترم قيم الإسلام والأديان وتلتزم بمبادئ وتعاليم الشريعة وإن شابتها وخالطتها قصور ونواقص وفساد واستبداد، وأن التقويم الصحيح للمسار المدني الديموقراطي الطويل إنما يكون بتعميق التوجه الديموقراطي وتعزيز الدولة المدنية لا محاولة اصطناع دولة متوهمة لا سند لها في التاريخ الإسلامي. 3 ـ شجاعة مصارحة الشعب بحقائق الوضع الاقتصادي وهذا من حق الشعوب، فعلى سبيل المثال بالنسبة للمشكل الاقتصادي في مصر حيث 76% من الموارد تلتهمها المرتبات والدعم وأقساط الديون وفوائدها بينما معدلات البطالة والاستهلاك والتضخم السكاني في تصاعد، لا بد من مصارحة الجماهير بأن الاستمرار في سياسة الاستدانة والمنح والمساعدات والإحسانات لا يمكن أن تستمر كما أن طبع المزيد من الأوراق النقدية من غير إنتاج حقيقي وعمل دؤوب لا يمكن أن يحقق برنامج الإصلاح الاقتصادي، على الإسلاميين الاعتراف بأنهم لا يمكلون رؤية اقتصادية مغايرة عما يراه الخبراء أهل الاختصاص وعليهم الكف عن إضاعة الوقت والموارد في البحث عن برامج جديدة بحجة أن الاقتصاد الإسلامي غير الاقتصاد العالمي. 4 ـ شجاعة الاعتراف بأن مشاكل الحكم والسلطة أكبر وأعقد من أن يواجهها فصيل سياسي واحد ولذلك فإن الإسلاميين بحاجة إلى جهد مشترك عبر توافق وطني عام يتسع لكل التيارات من غير إقصاء أو تهميش أو احتكار، وهذا يتطلب منهم الكف عن سياسة الاستحواذ والهيمنة والزحف على مفاصل ومؤسسات الدولة عبر سياسة المغالبة لا سياسة المشاركة، في مصر اليوم مخاوف حقيقية من سياسة «الأخونة» الزاحفة على المناهج والقضاء والصحافة وكافة المناصب الرئيسية، وفي تونس هناك مطالبة برلمانية وشعبية بحل حزب النهضة وبخاصة بعد تسريب مقطع يحرض فيه «الغنوشي» الشباب السلفي ضد العلمانيين ويقول إنهم لازالوا يحكمون البلاد، في الوقت الذي يصرح في الإعلام بأن السلفيين يشكلون خطراً على تونس ويجب تشديد القبضة الأمنية عليهم بحجة أن مهاجمة السفارات هدفها وقف حوار أمريكا مع الإسلاميين، وفي الوقت نفسه الذي يتظاهر فيه أمام الغرب بالتسامح لدرجة السماح بالخمور ولبس البكيني! هناك أيضاً مخاوف في مصر من عودة النظام القمعي بعد أن أعد المستشار مكي وزير العدل مشروع قانون جديد للطوارئ ولكن بنسخة إخوانية! وقد رصدت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان زيادة في الإرهاب الفكري وسياسة تكميم الأفواه من بعد 15 يناير إلى اليوم وهناك أصوات محذرة اليوم في مصر من أن مستقبل الثقافة في مصر مظلم كما أن مكتسبات المرأة في تونس معرضة للانتكاس والضياع.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا