النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10762 الأربعاء 26 سبتمبر 2018 الموافق 16 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:55PM
  • المغرب
    5:30PM
  • العشاء
    7:00PM

كتاب الايام

وثائق نابليون.. في مصر 2 - 2

رابط مختصر
العدد 8585 الخميس 11 أكتوبر 2012 الموافق 25 ذو القعدة 1433

قام الأديب المصري المعروف جمال الغيطاني قبل عامين بإلقاء محاضرة شيقة في «مكتبة البابطين المركزية للشعر العربي» بالكويت، نشرت أخبارها الصحافة، القبس 2008/3/8. ولم تكن محاضرة الغيطاني عن الشعر أو النثر الأدبي، بل عن كتاب «وصف مصر»، حيث أعرب عن سروره البالغ لوجود نسخة نادرة من الكتاب في مكتبة البابطين العامرة، كان قد اقتناها شقيق الأستاذ عبدالعزيز، عبدالكريم البابطين. وقد برأ الغيطاني نابليون من تهمة كسر أنف «أبو الهول» ولحيته، وبيّن أن الذي فعل ذلك هو رجل رأى في المنام أنه يحطم التمثال، فأمضى شهراً في محاولاته التي لم تسفر إلا عن كسر الأنف واللحية! ودعا الغيطاني الجمهور، كما جاء في الصحيفة، لزيارة مصر، وبأنه سيتبرع بأن يكون دليلهم وقال: «من أراد ذلك فسوف أترك رقم هاتفي». ولكن لم يعلن عن المبلغ الذي اقتنى به عبدالكريم البابطين الكتاب. ومما يجدر ذكره أن كتاب «وصف مصر» قد ترجم الى العربية عام 1969 من قبل الاستاذ «زهير الشايب» في 12 مجلداً بعناوين منها «المصريون المحدثون»، «دراسات عن المدن والأقاليم المصرية» «الزراعة، الصناعات والحرف، التجارة»، «الموازين والنقود»، «الموسيقى والغناء عند المصريين»، «مدينة القاهرة» الخ. وشملت الترجمة مجلدين للوحات الموسوعة بالأسود والأبيض. ولاشك ان اعادة استنساخ الكتاب، كما اقترح الاستاذ الغيطاني، وبخاصة مجلدات الصور، لاتزال ضرورية. كانت حملة نابليون على مصر وموسوعة «وصف مصر» موضع اهتمام الباحثين على امتداد أكثر من قرنين. ومن الكتب التي صدرت في فرنسا كتاب «علماء بونابرت» عام 2001، للباحث الفرنسي روبرت سول Sole. والذي عرضته صحيفة الحياة في عددها الصادر يوم 2001/9/9. كان الحافز الأول لحملة بونابرت على مصر، كما جاء في المقال، من طبيعة استراتيجية، أي «قطع طريق الهند على المنافسة الكبرى لفرنسا.. إنجلترا». وكانت الحملة تلبي كذلك الطموح الشخصي لنابليون الذي كان يحلم بأن يكرر مأثرة الاسكندر المقدوني في غزو المشرقين الأدنى والأقصى. وكان من حوافز نابليون كذلك محاولة «ايقاظ مصر من سباتها وانتشالها من وهدة تأخرها واعادة تحضيرها من طريق زرق عروقها المتكلسة بدينامية علوم الحداثة وفنونها ومنجزاتها». ولهذا، فإن جيش الحملة النابليونية المؤلف من نحو خمسين ألف رجل، لم يضم ضباطاً وجنوداً فحسب، بل كذلك علماء، ومن مختلف الاختصاصات: في الميكانيكا والمساحة والجيولوجيا والآثار والكيمياء والطباعة والطب والهندسة والرسم الصناعي والتاريخ الطبيعي، الخ. كان عدد هؤلاء العلماء نحواً من مئة وسبعين، منهم مشاهير كالكيميائي «برتوليه» والرياضي «مونج». وقد أصدر نابليون بعد شهر من احتلال القاهرة قراراً بتشكيل «معهد مصر» على غرار «معهد فرنسا» العلمي الشهير ليقوم بمهمة «نشر الأنوار في مصر» و»دراسة وقائعها الطبيعية والصناعية والتاريخية». وقد تعاقب على رئاسة «معهد مصر» سبعة علماء، بمن فيهم نابليون نفسه، وعقد على مدى العامين اللذين دامتهما الحملة 62 جلسة، قُرئت ونوقشت فيها مئات التقارير والمذكرات، التي كانت بمثابة المادة الأولية التي تتألف منها محتويات كتاب «وصف مصر». في 6 فبراير 1802، بعد ستة أشهر من ترحيل الفرنسيين من مصر على متن المراكب الإنكليزية، تقول صحيفة «الحياة»، أصدر وزير الداخلية الفرنسي، الكيميائي المشهور «جان شابتال»، قراراً بتشكيل لجنة من ثمانية أعضاء لنشر «وصف مصر». وقد وُضعت تحت تصرف اللجنة طاقات مالية وتقنية خارقة للمألوف، وحُشد لطبعها 270 رساماً وطباعاً، وأُنشئ برسمها معمل خاص للورق لا مثيل له في كل أوروبا، وطُورت كذلك تقنية خاصة لصب صفائح الطباعة النحاسية بحجم كبير يزيد على المتر طولاً وعلى ثلاثة أرباع المتر عرضاً. وقد صدرت المجلدات العشرون من «وصف مصر» في عام 1810 مهداة إلى نابليون - الذي صار امبراطوراً، بمقدمة استغرقت المجلد الأول بتمامه عن مصر «أغنى متحف في الكون»، مع إشادة بالحضارة المصرية القديمة بوصفها «أول حضارة للعقل في التاريخ». ولم تدخل المقدمة في عراقة وقدم تاريخ مصر مراعاة للتصور السائد حينذاك عن خلق العالم الذي كانت الكنيسة تردّه إلى أربعة آلاف سنة فقط قبل الميلاد. وفي عام 1821 صدرت طبعة جديدة من الموسوعة في ستة وعشرين مجلداً مهداة هذه المرة إلى الملك لويس الثامن عشر. وقد بلغ اجمالي حجم الموسوعة 7200 صفحة من النصوص وثلاثة آلاف من الرسوم، إضافة إلى خريطة مفصلة لمصر وفلسطين استغرقت 47 صفحة كاملة. وقد تناولت الموسوعة بالطبع مصر الفرعونية، ولكن هذا القسم فقد كثيراً من أهميته نظراً إلى أن العلماء حرروا مذكراتهم عن التاريخ الفرعوني قبل أن يتوصل «شامبليون» إلى قراءة حجر رشيد، وفك لغز الكتابة الهيروغليفية. ولا أحد يعلم كم كان سيكون حجم الموسوعة لو أن علماء الحملة كانوا يعرفون هذه اللغة! لم تتعدَ النسخ المطبوعة من «وصف مصر» الألف نسخة من الطبعة الأولى، والألفين من الطبعة الثانية، وصحيح أن الموسوعة كتبت بالفرنسية وبرسم النخبة العلمية الفرنسية إلا أنها أثرت في تكوين النخبة المثقفة المصرية الحديثة. فقد كان أول من اطلع عليها «رفاعة رافع الطهطاوي» وسائر أعضاء البعثة المصرية عام 1826، وأشاد بها رائد الوطنية المصرية «مصطفى كامل»، كما أشاد بالدور الذي لعبته «فرنسا الكريمة بإيقاظها مصر من سباتها العميق». ولهذا قيل: «لقد جاء نابليون إلى مصر مع المدافع والمطبعة. ولقد ذهبت المدافع وبقيت المطبعة».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا