النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10759 الأحد 23 سبتمبر 2018 الموافق 13 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

أدبـــاء فــي معركـة السفــور 2 – 2

رابط مختصر
العدد 8580 السبت 6 أكتوبر 2012 الموافق 20 ذو القعدة 1433

وفي العراق، عدّ «جميل صدقي الزهاوي» السفور قضية اجتماعية مهمة يتوقف عليها تقدم المجتمع المسلم، وان هذا التقدم سيظل ناقصاً ما لم تشارك فيه المرأة، ومشاركتها لا تكون الا بسفورها، اي الكشف عن وجهها في حياتها العامة. ويذكر الكاتب الاسلامي «أنور الجندي» في كتابه عن الفكر العربي المعاصر، القاهرة 1961، «ان الزهاوي عندما جاء الى مصر كانت معه زوجته المحجبة التي لم تخرج معه في طريق واحد». (ص 624)…! وللزهاوي اشعار كثيرة في تأييد السفور وتحرر المرأة، من بينها: قال: هل بالسفور نفع يرجى؟ قلتُ خير من الحجاب السفورُ كيف يسمو إلى الحضارة شعب منهُ نصفٌ عن نصفه مستورُ؟ وجعل «الرصافي» حجاب المرأة سبباً من الاسباب التي أبقت العراقيين تحت حكم الغرباء (اي الاتراك) لانهم تربّوا في حُجور نساء عوملن معاملة العبيد، فربين اجيالا رضعت الذل وشبّت عليه، وهان عليهم تحمل جور الساسة الغرباء حين هانت نساؤهم، قال: ألم ترهم أمسوا عبيداً لانهم على الذل شبوا في حجور إماء؟ ولا بد هنا من وقفة تعريفية لكل من السفور والحجاب. فليس للمصطلحين اليوم نفس الدلالة التي كانت لهما في بداية القرن العشرين. فالحجاب مثلاً، الذي هاجمه قاسم امين وتيار تحرير المرأة، لم يكن حجاب اليوم الذي انتشر في الكويت ومصر وغيرهما منذ عام 1970، والذي هو عبارة عن قطعة قماش تغطي الشعر والرقبة وربما اطراف وجه المرأة. بل كان الحجاب في العالم الاسلامي نظاماً كاملاً من تغطية جسم المرأة ووجهها بالقماش الاسود او لون قاتم، كما رأينا في افغانستان مثلاً، مع الحرص الشديد على العزل بين الجنسين، والابقاء على المرأة بالذات محجوبة محبوسة في المنزل لا يراها احد، ولا تخرج منه الا لضرورة قصوى، وبالتالي كان الحجاب يعزل المرأة عن الحياة العامة بشكل شبه تام. ويصف «رفعت باشا» نساء مكة في أوائل القرن العشرين عند خروجهن بقوله: «ويخرجن الى الاسواق بإملاءات واسعة سوداوات في الاكثر، وبرقع كثيف فيه ثقبان صغيران في محاذاة العينين». ويصف «العظم» نساء صنعاء بأنهن «يحتجبن من أخمص اقدامهن حتى اعلى رؤوسهن، ولا يميز المرء بين وجه المرأة وظهرها اذا كانت ماشية الا من حركتها، لان حجابها يغطيها غطاء تاماً». وفي بعض مدن حضرموت وصلت المبالغة في الحجاب الى حد ان المرأة لا تتصل حتى بالمرأة التي تستقي لها الماء، وانما تعلق القربة في دهليز الدار، وتخرج، فتجيء ربة الدار وتأخذها لتفرغ ما فيها وتعيدها لتأخذها الاخرى بدورها، وتضع قربة اخرى محلها وهكذا. (د. الزناتي، نظم العرب، جـ2، ص 403) وبالطبع لم تلتزم كل مدن العالم الاسلامي بحجاب متشدد كهذا، واختلف حجاب الطبقات الفقيرة عن حجاب نساء الطبقات الرفيعة والثرية، واختلف كذلك مدى الحجاب بين المدينة والقرية الريفية ومضارب القبائل البدوية في الصحراء. وكان الحجاب بهذا الشكل عبئاً حقيقياً يثقل كاهل المرأة ويعيق ابسط حركة لها خارج المنزل ويتناقض بشكل صارخ مع مستلزمات الحياة الحديثة في المدن بالذات، حيث بدأت التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وبدأ الحراك الاجتماعي والسفر الى الخارج وانتشار التعليم. اما «السفور» فكان يقصد به كشف المرأة عن وجهها في الحياة العامة، دون ان يقصد بهذا الكشف والإسفار تقصير الثياب مثلاً او حتى كشف الشعر والرقبة، وبهذا المعنى، فان كل «المحجبات» اليوم في الكويت ومصر وايران والاردن، هن في الواقع «سافرات»، حيث انهن يتعاملن مع المجتمع، ويذهبن الى الجامعة والجامع، والى المدرسة والمطعم سافرات، اي دون ان يغطين وجوههن. ونساء اليوم، لا يدركن حقيقة معنى «نظام الحجاب»، والعزلة الاجتماعية الشديدة الكاملة، التي عاشها معظم نساء العالم الاسلامي حتى فترة قريبة. فالكثيرات منهن اليوم يترددن على الاسواق، ويقدن السيارات، ويذهبن الى المدارس والجامعات والمطاعم والوزارات، ويمارسن أحياناً رياضة المشي.. وهن منقبات! وكانت هذه كلها من المستحيلات في زمن «محجبات» قاسم أمين.. رحمه الله! كتب قاسم امين في كتابه تحرير المرأة، القاهرة 1899، يقول: «ربما يتوهم ناظر انني ارى الآن رفع الحجاب بالمرة، لكن الحقيقة غير ذلك، فانني لا ازال ادافع عن الحجاب واعتبره اصلاً من اصول الآداب التي يلزم التمسك بها، غير اني اطلب ان يكون منطبقاً على ما جاء في الشريعة الاسلامية.. والذي اراه في هذا الموضوع هو ان الغربيين قد غلوا في إباحة التكشف للنساء الى درجة يصعب معها ان تتصوّن المرأة من التعرض لمثارات الشهوة، ولا ترضاه عاطفة الحياء، وقد تغالينا نحن في طلب التحجب والتحرج من ظهور النساء لأعين الرجال حتى صيّرنا المرأة اداة من الادوات او متاعا من المقتنيات، وحرمناها من كل المزايا العقلية والادبية التي اعدت لها بمقتضى الفطرة الانسانية، وبين هذين الطرفين وسط سنبيِّنُه، هو الحجاب الشرعي، وهو الذي ندعو إليه». (الاعمال الكاملة، ص 350). وفي العام التالي، كتب في كتابه اللاحق «المرأة الجديدة» يقول شارحاً مستقبل العائلة المصرية والاسلامية كما كان يحلم به، وشاكياً مما ناله من المتشددين والمحافظين: «اذا اراد المصريون ان يصلحوا احوالهم فعليهم ان يبتدئوا في الاصلاح من أوله. يجب عليهم ان يعتقدوا بان لا رجاء في ان يكونوا امة حية ذات شأن بين الامم الراقية ومقام في عالم التمدن الانساني، قبل ان تكون بيوتهم وعائلاتهم وسطاً صالحاً لاعداد رجال متصفين بتلك الصفات التي يتوقف عليها النجاح، ولا رجاء في ان تصير البيوت والعائلات ذلك الوسط الصالح الا اذا تربت النساء وشاركن الرجال في افكارهم وآمالهم وآلامهم ان لم يشاركنهم في جميع اعمالهم. هذه الحقيقة مع بساطتها وبداهتها قد اعتبرها الناس، يوم جاهرنا بها في العام الماضي، ضربا من الهذيان، وحكَم الفقهاء بأنها خرق في الاسلام، وعدّها الكثير من متخرجي المدارس مبالغة في تقليد الغربيين، بل انتهى بعضهم الى القول انها جناية على الوطن والدين. واوهموا فيما كتبوا ان تحرير المرأة الشرقية امنية من اماني الامم المسيحية تريد بها هدم الدين الاسلامي، ومن يعضدها من المسلمين ليس منهم، الى غير ذلك من الاوهام التي يصغي اليها البسطاء ويتلذذ باعتقادها الجهلاء لعدم ادراكهم منافعهم الحقيقية. ونحن لا نريد ان نرد عليهم الا بكلمة واحدة وهي: ان الاوروبيين اذا كانوا يقصدون الإضرار بنا فما عليهم الا ان يتركونا لا نفسنا، فانهم لا يجدون وسيلة اوفى بغرضهم فينا من حالتنا الحاضرة». ص 512 . يالروعة المنطق!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا