x
x
  
العدد 10473 الإثنين 11 ديسمبر 2017 الموافق 23 ربيع الأول 1439
Al Ayam

مقالات - قضايا

العدد 8571 الخميس 27 سبتمبر 2012 الموافق 11 ذو القعدة 1433
 
 

لقد ساد اعتقاد خاطئ بأن الوحدة الوطنية تعني تعاون او تحالف بعض القوى او الجمعيات السياسية، كما وجدها آخرون حالة وجدانية معبرة عن الانسجام والتآلف الاجتماعي، واختزلها البعض في التوافق المذهبي والديني بين السنة والشيعة او بين المسلمين والمسحيين، تحت شعار اللحمة الوطنية، في حين ان الوحدة الوطنية مفهوم آخر نشأ في الغرب مع تطور الدولة القومية ومحاولات توحيدها في كيان الدولة الوطنية القومية، والتي كانت شعارا للثورة الفرنسية والأمريكية في حرب الاستقلال، ومع التطور الذي شهدته أوروبا تطور مفهوم الوحدة القومية ليصبح مفهوماً عاماً لوحدة الوطن وسيادته. الوحدة الوطنية تتحقق من خلال الانتماء الوطني الذي يسمو على جميع الانتماءات والولاءات الأخرى، ولكي تتحقق الوحدة الوطنية علينا الخروج من حالة ازدواجية الهوية والانتماء التي تقوم على تنشيط الهويات اللا وطنية كالهوية الطائفية والعنصرية، او تفعيل قيم البداوة والانتماءات القبلية والعشائرية على حساب الانتماء الوطني، وهي مهمة تختص بها مؤسسات الدولة التعليمية والإعلامية، إضافة لمؤسسات المجتمع المدني والجمعيات السياسية، فالوحدة الوطنية ليست حالة وجدانية مجردة، وإنما حقيقة تسمو على جميع الاعتبارات والخلافات السياسية والدينية من اجل التصدي لأي تهديد يهدف لتمزيق الوطن ووحدة اراضيه وسيادته، ولا بد من غرس معاني الوطنية والانتماء الوطني والهوية الوطنية في الوعي الاجتماعي منذ النشء حتى لا تكون مجرد شعارات واناشيد وموسيقى وغيرها. الوحدة الوطنية في الحالة البحرينية: الوحدة الوطنية شعار ومصطلح اتسع نطاق استخدامه، وصار هدفا للبعض يتداوله الناس في بلادنا على اختلاف انتماءاتهم وتوجهاتهم، وقد اخذت ابعادا قيمية واخلاقية بعيدا عن مسارها التاريخي، ومدى اهميتها في الحالة البحرينية، فقد ابتعدت كثيرا عن المعنى الحقيقي لمفهوم الوحدة الوطنية في سياقها الوطني العام، لذا نجد مصطلح الوحدة الوطنية اخذ في الحراك الشعبي مفهوما عاطفيا من خلال تداخل عدة مصطلحات في المعنى العام للوحدة الوطنية، فقد اخذ البعض بعبارات اللحمة الوطنية والمصالحة الوطنية من خلال بعض الجوانب المثالية في معالجة قضية الوحدة الوطنية، فنجد من يروج بعض العبارات البعيدة عن العمق السياسي للوحدة الوطنية، كأن يدخل في ثنائية لا دخل لها إطلاقاً في موضوعات الوحدة الوطنية، عندما نفاجأ ببعض النصائح الممزوجة بنوع من العاطفة الإخلاقية والنصائح بأننا مجتمع واحد تعايشنا مع بعضنا البعض ولم نكره بعضنا، وكأننا في حالة طقوسية من الوجدانيات، والمصقود هنا تعايش المذهبين السني والشيعي بدون مشاكل مذهبية، وكأن الوحدة الوطنية مشكلة مذهبية دينية بين السنة والشيعة وبدونها اي بدون تلك المشاكل الدينية تتحقق الوحدة الوطنية فقط بمجرد تخلي هذه المذاهب والإديان عما يعتقدونه من خلافاتهم التاريخية حول تفسيرهم ورؤيتهم الفقيهة للدين وللشريعة وللتاريخ، في حين الوحدة الوطنية تعني بل وتحتم تخلي الجميع من افراد وجماعات دينية وسياسية عن اختلافاتهم ومواقفهم وتبايناتهم من اجل قضية اسمى واهم من هذه الخلافات، وبهدف تكثيف جميع الطاقات والجهود لحماية الوطن من المخاطر التي تهدد وحدته وسيادته الوطنية، لذا نجد الكثير من البلدان تلجأ في الحالات الاستثنائية التي تعتقد ان امنها الوطني وسيادتها مهددة بمخاطر اجنبية او كوارث محلية الإعلان عن حكومات الوحدة الوطنية التي تشمل جميع الأحزاب والمذاهب الدينية المتباينة في تصوراتها وتوجهاتها لمواجهة مخاطر تستهدف الوطن سيادته ووحدة اراضيه، وفي سبيل الدفاع المشترك لمواجهة العدو المشترك من خلال الوحدة الوطنية، التي تتحول من شعار الى مبدأ، فالوحدة الوطنية على نقيض الخيانة الوطنية، وإذا كانت الوحدة الوطنية تفرض على الجميع التخلي عن الخصوصيات الحزبية والمذهبية والدينية عند لحظة الخطر والانصهار في بوتقة الوحدة الوطنية من اجل المصير المشترك، والذي هو الوطن وسيادته ووحدة اراضيه، إلا ان هذه الوحدة الوطنية تفقد مبرراتها عند غياب تلك المخاطر التي تهدد الوطن، حينها يصبح من حق كل طرف سياسي او ديني ان يستقل في آرائه وقناعاته سواء كانت ايديولوجية «عقائدية» او سياسية، وإلا اصبحت قضية حرية الرأي والتعبير وحرية العقيدة مجرد شعارات لا مكان لها في الواقع، وهذا ما يميز الوحدة الوطنية في ابعادها الإيجابية، عندما يحتم على القوى المتصارعة التخلى عن خلافاتها والأخذ بما يوحدها ضد كل ما يهدد وحدة وسيادة الوطن، وإلا دخلت في مجال الخيانة الوطنية، وضد المصلحة المشتركة، فالوحدة تقتضي التمسك بالهوية الوطنية، وتغليبها على جميع الإنتماءات والهويات الثانوية الأخرى، فالهوية الوطنية هي الأصل والنقيض للهويات والانتماءات الثنوية الأخرى التي تهدد وحدة الأرض والمجتمع، فالوحدة الوطنية كمفهوم سياسي تعني وطن واحد ودولة واحدة ذات سيادة لا تقبل التجزئة او التقسيم، وتعني علماً وجيشاً وشعباً واحدا. ولكن هذه الأمور لا تتحقق بمجرد التمنيات والعواطف وإنما من خلال التربية الوطنية التي تحتاج لمناهج تعليمية في المدارس والجامعات لتأهيل الطلبة على روح التسامح والتعايش المشترك ونبذ التنافر وثقافاته وادواته، وتكريس قيم ومبادئ الانتماء والولاء للوطن، وهي مسؤولية الجميع لإنقاذ الأجيال المشبعة بثقافات التنافر والأحقاد التي تعزز الانقسام المجتمعي، والذي قد ينعكس على طبيعة التوزيع السكاني وفق الانقسام المذهبي او الديني او العرقي، وهي عوامل تضر بالوحدة الوطنية، وتتسبب في هشاشة السيادة الوطنية لأنها تتيح المجال للتدخلات الخارجية وتوجيه السياسات الداخلية نتيجة لعدم قدرة الحكومات على معالجة مثل هذه الظواهر وتركها للتتفاقم وتتحول لصراعات وحروب اهلية نجد امثلتها بارزة في عدد من البلدان العربية التي اخذت في التمزق والانفصال، ومثل هذه الحالات لا يمكن معالجتها بالعنف والكراهية الدينية او العرقية، وإنما بالمساواة في الحقوق والواجبات، وخلق قيم المواطنة المسؤولة، ويتحقق ذلك فقط في النظام الديمقراطي.


زائر
عدد الأحرف المتبقية
   =   

تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة
  إقرأ في عدد اليوم
  الأيام "واتساب"

المواضيع الأكثر قراءة

هل تؤيّد ما ذهبت له دراسة حديثة بأن انتاجية الموظّف البحريني 42 دقيقة فقط في «اليوم الواحد»؟

تصفح موقع الايام الجديد