النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10811 الأربعاء 14 نوفمبر 2018 الموافق 6 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:33AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

كراهيات جماعــية منفلتـة

رابط مختصر
العدد 8565 الجمعة 21 سبتمبر 2012 الموافق 5 ذو القعدة 1433

اجتاح الغضب الإسلامي الساطع والمدمر العواصم والمدن العربية والإسلامية احتجاجاً على الفيلم المسيء إلى رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وتحول هذا الغضب إلى تظاهرات عنيفة عمت العالم الإسلامي وتطور بعضها إلى اعتداءات على السفارات والقنصليات والمدارس الأمريكية والغربية ومطاعم الوجبات السريعة، تم تدمير وإحراق العديد من الممتلكات والأعلام الأمريكية والإسرائيلية والغربية ورفع أعلام القاعدة السوداء واضطرت قوات الأمن للتدخل بكثافة وأدت إلى مواجهات دامية أسفرت عن العشرات من القتلى والجرحى وكان ذروة المأساة الهجوم على القنصلية الأمريكية ببنغازي ومقتل السفير الأمريكي الأكثر تعاطفاً وتأييداً للثورة ستيفنز اختناقاً مع 3 من معاونيه، نددت المظاهرات بإسرائيل وأمريكا وهاجمت الرئيس الأمريكي وأحرقت صوره وطالبت بإعدام مخرج الفيلم وطرد سفراء أمريكا وتوالت ردود الفعل المنددة بالفيلم المسيء، معتبرة إياه استفزازاً لمشاعر مليار ونصف مسلم وإساءة لحرية التعبير وتوالت الإدانات العربية والإسلامية والدولية ضد الفيلم المسيء وضد أعمال العنف والقتل والهجوم على السفارات باعتبارها مسيئة لسمعة الإسلام ولرسالته عليه الصلاة والسلام وليست من نصرة الرسول، طبقاً لبيان الهيئة العالمية للتعريف بالرسول الكريم وبيان مجلس التعاون، ووصف الأمين العام للأمم المتحدة الفيلم بأنه مثير للاشمئزاز داعياً إلى الهدوء والتعقل، كما أدان الفاتيكان الاستفزازات بحق المسلمين وكذلك أعمال العنف الناتجة عنها، ورغم أن إسرائيل تبرأت من الفيلم ووصفته بأنه: تعصب لا يطاق وأعلنت وزيرة الخارجية الامريكية رفض بلادها للفيلم ووصفته بأنه: مقرف ومدان إلا أن ذلك لم يشفع لهما لدى الجماهير الغاضبة التي رأت في الفيلم مخططاً صهيونياً أمريكياً للإساءة للإسلام وتأجيج الكراهية بين المسلمين والمسيحيين وتفتيت المنطقة! الآن ما دلالات هذه الاحتجاجات التي أشعلت العواصم العربية؟! 1. تأتي هذه الأحداث متزامنة مع الذكرى الحادية عشرة للعدوان القاعدي على أمريكا، وفي هذه المناسبة ينشط الطرفان المتعاديان: المتطرفون عندنا والمتطرفون عندهم على استغلالها وتوظيفها لخدمة اهدافهم السياسية وإثبات وجودهما جماهيرياً وإعلامياً، ولعلنا نتذكر أن القس المتعصب جونز من فلوريدا أثار موجة غضب في العالم الإسلامي عندما أحرق نسخاً من القرآن الكريم في الذكرى التاسعة لهجمات سبتمبر وانتهز الظواهري هذه المناسبة ليقول: ان القاعدة حققت مهمتها الأساسية وهي تحريض الأمة ضد أمريكا! 2. سلسلة الإساءات لقرآننا العظيم ولرسولنا الكريم وللمسلمين دائمة ومتكررة وبخاصة بعد اعتداءات سبتمبر 2001 بسبب تصاعد شعبية ونفوذ اليمين الغربي المتطرف الذي وظف أعمال العنف والإرهاب وحماقات بعض المسلمين في الساحة الأوروبية لتشويه ديننا والإساءة للجاليات واستفزاز مشاعرهم وتأجيج الكراهية ضدهم ويأتي في هذا السياق العديد من الإساءات: الرسوم المسيئة في الدنمارك، تدنيس المساجد في فرنسا، الفيلم المسيء في هولندا، حظر المآذن في سويسرا، حرق المصحف في فلوريدا واستضافت bbc سياسياً بريطانياً متطرفاً قبل سنوات «غريفن» وصف الإسلام بأنه شرير ولم يخف كراهيته للمسلمين واليهود والهنود والسود والمهاجرين ونادى بإغراق القوارب التي تقل المهاجرين ومن تعذر إعادتهم اقترح رميهم من على متن طائرة فوق أفريقيا، وقبل أسابيع عرض فيلم عن تاريخ الإسلام يقول عنه عبدالرحمن الراشد: أنه أكثر سوءاً من فيلم اليوتيوب الرخيص إنتاجاً وموضوعاً. 3. إن ردود الفعل الإسلامية هذه المرة أكثر شدة واتساعاً مقارنة بالمرات السابقة، كما يلاحظ مشاركة الكنائس المصرية للمسلمين في وقفاتهم الاحتجاجية ضد الفيلم المسيء مستنكرة الإساءة للمعتقدات وللرسول عليه الصلاة والسلام، ويعلل البعض اتساع موجة الإحتجاجات وشدة عنفها إلى 3 عوامل: اتساع هامش الحرية في الربيع العربي، توافر السلاح بأيدي الجماهير، ظهور الإسلاميين وتصدرهم الساحة. 4. الملحظ الهام هذه المرة، أن التيارات السلفية المتشددة هي التي تنظم الاحتجاجات وتحرض الجماهير وتقودها وهي المحرك الأبرز والأنشط فيها، وذلك بخلاف حركة الاحتجاجات السابقة ضد الإساءات الغربية والتي كان يحركها ويقودها رموز ونشطاء الإسلام السياسي، ما تفسير ذلك؟! تفسير ذلك واضح فالإسلام السياسي اليوم يحكم وهو في السلطة بينما التيار السلفي في المعارضة وليس من مصلحة الإسلام السياسي تأجيج المشاعر ضد أمريكا والغرب لأن المصلحة الاقتصادية لدول الربيع العربي في ظل حكم الإسلام السياسي تتطلب تعاوناً وتحالفاً مع الغرب وأمريكا بخلاف السلفيين المتشددين الذين هم في المعارضة ومن مصلحتهم إضعاف حكم الإخوان وتعكير الأجواء وتأجيج المشاعر ضد أمريكا والغرب، لذلك نجد أن ردود الفعل الإخواني اليوم تتسم بضبط النفس والدعوة إلى التهدئة وإيثار الحكمة والاتزان بل حرص زعماء وقيادات الإخوان في مصر وفي الخليج على تبرئة الإدارة الأمريكية والقول بأنها لا تتحمل مسؤولية الفيلم المسيء، كما حرصوا على ترديد: ولا تزر وازرة وزر أخرى، وتبرأ الرئيس مرسي من الهجمات على سفارات أمريكا وقدم التعازي في مقتل السفير الأمريكي مؤكداً: أن قتل الأبرياء والعدوان يرفضهما الإسلام وحرمة النفس عند الله تعالى أكبر من حرمة الكعبة. ولهذا بعد أن دعا الإخوان لمليونية لنصرة الرسول سحبوا دعوتهم واكتفوا بمشاركة رمزية، وصرح رمز إخواني كبير بعد أن برأ أمريكا بقوله «ردنا يجب أن يكون حضارياً»! سبحان ربي! يا مقلب القلوب والمواقف! هذا ما كنا نقوله عبر العشرات من المقالات الصحفية والمقابلات التليفزيونية من أن أضرار المقاطعة للبضائع الأمريكية تفوق فوائدها وأنه لا مصلحة لنا في معاداة أمريكا ودفع شبابنا لقتالها والإضرار بمصالحها فكان الإخوان يقيمون الدنيا ولا يقعدونها تجاه أي إساءة غربية أو أمريكية من أحمق موتور، كنا ننادي بالحكمة والتعقل وردود الفعل الحضارية فكانوا يتهموننا بالخيانة والعمالة! سبحان مقلب الأحوال فهاهم اليوم ينادون بالرد الحضاري! اليوم إخوان الاردن وحدهم ينادون بالمقاطعة، لماذا؟ لأنهم ليسوا في الحكم! ترى من المغزى العميق والكامن وراء هذه المواقف المتغيرة؟ مغزاه أن اختلاف الموقع السياسي لكل من الإخوان والسلف: سلطة ومعارضة، هو ما يفسر اختلاف ردود الفعل الإخواني عن السلفي تجاه الفيلم المسيء لا الشعارات المعلنة ولا المبادئ والنصوص الحاكمة. 5. إن «ثقافة الكراهية» هي المحرك الأبرز في دفع هؤلاء الموتورين لإنتاج هذا الفيلم للإساءة للمسلمين بدافع الحقد والكراهية اللتين لا تترسخان في نفسية مريضة، إن ثقافة الكراهية لا تختص بمجتمع أو جنس ولا تقتصر على أتباع دين معين وإنما تختلف درجاتها وأشكالها من مجتمع إلى آخر كما تختلف المجتمعات في أساليب مواجهتها والحد من اضرارها فكلما كان المجتمع أكثر انفتاحاً على الثقافات الإنسانية وأكثر قبولاً للآخر كان أقدر على المعالجة، وعندما تنتشر ثقافة الكراهية بين جماعة فإنها تشكل «كراهيات جماعية منفلتة» في المقابل عندنا: فهؤلاء الذين اعتدوا على السفارات والقنصليات والمدارس والمطاعم وأتلفوا ودمروا وأحرقوا وتسببوا في قتل الأبرياء وسقوط الجرحى وأحرقوا أعلاماً ورفعوا أعلام القاعدة كما قتلوا السفير الأمريكي الصديق للثورة الليبية ومن معه، كل هؤلاء أيضاً، قد حركتهم ودفعتهم كراهيات جماعية عمياء ومنفلتة، وإن عللوا بأنها رد فعل للإساءة للإسلام لأن رد الفعل في الإسلام يجب أن يتقيد بالضوابط الشرعية المعروفة لدى الجميع فلا يمكن تبرير الإساءة بالإساءة شرعاً. 6. ما حصل يثبت بجلاء فشل وإخفاق كافة جهود ومحاولات ولقاءات ومؤتمرات الحوار بين الحضارات والثقافات والأديان على امتداد 10 سنوات، فقد أصبحنا اليوم في عصر الكراهيات الجماعية المنفلتة والمتبادلة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا