النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10817 الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 الموافق 12 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

تجريم خطاب الكراهية

رابط مختصر
العدد 8530 الجمعة 17 أغسطس 2012 الموافق 29 رمضان 1433

ناشدت فعاليات سياسية ودينية سمو أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد اصدار مرسوم يجرم خطاب الكراهية بعد تصاعد النعرات القبلية والطائفية حفاظا على وحدة واستقرار المجتمع، وأكد سمو الأمير لوفد قبيلة مطير أنه لن يسمح بالمساس بأي فئة في المجتمع وأن الإساءة لن تمر مرور الكرام وأن القانون سيطبق على الجميع، تأتي هذه الاحداث على خلفية ما نسب إلى النائب السابق جويهل من إساءة لقبيلة مطير نشرت على حسابه في تويتر، ومع أن المذكور أنكر ما نسب إليه إلا أنه سلم نفسه لسلطات التحقيق، ومن جهته قال د.عبدالله الغانم استاذ العلوم السياسية: إن خطاب الكراهية يقوم على التمييز الطائفي أو العرقي أو الفكري ويضرب اللحمة الوطنية ويجب تشديد العقوبة حتى تكون رادعة للمتجاوزين، ولم يكد ينجلي غبار هذا الحدث حتى أطلت فتنة جديدة حيث أقدم أحدهم على شتم سبطي الرسول صلى الله عليه وسلم الحسن والحسين رضي الله عنهما وعلى تويتر أيضاً مما أثار حفيظة المجتمع الكويتي وبادر الديوان الأميري باستنكار هذا الفعل الشنيع وأصدر توجيهاته بمحاسبة المسيئ، وليست المرة الأولى التي يساء فيها إلى أحد المذاهب فقد قضت محكمة الاستئناف مايو 2012 بحبس الكاتب محمد المليفي اثر نشره مقالاً على تويتر يتضمن تحقير المذهب الشيعي وهو كاتب يثير بعض كتاباته ما يصل حد الاستفزاز وأذكر أنه نشر في 17 ديسمبر 2006 مقالاً بعنوان مستفز «نعم يا ابراهيم..هكذا ذبح الرسول 700 رجل في ليلة واحدة كما تذبح النعاج» يقصد ما حل بيهود بني قريظة، ومع ذلك صرح من سجنه مؤخراً أنه لم يقصد إلا هداية الناس وارشادهم! في المقابل تفاخر الهارب من العدالة ياسر حبيب في مقطع فيديو على اليوتيوب بأنه كان وراء اشعال المشاكل الطائفية في الكويت متحدياً بأنه لا أحد يستطيع الوقوف ضد مد التشيع! منتقداً مصر التي تسعى بحسب زعمه لوضع مادة في الدستور توقف المد الشيعي، لقد سهلت وسائل التواصل الاجتماعي التعرض للناس فلا احد يسلم من التغريدات المسيئة، لا قبيلة ولا طائفة ولا مثقف أو عالم أو سياسي أو حاكم ولكن ما هو حاصل في الكويت حاصل مثله وأكثر في سائر مجتمعاتنا على تفاوت في النسب، في مصر يشكو المسيحيون من تنامي خطابات الكراهية التي أدت إلى تهجير 120 أسرة مسيحية من قريتهم خوفاً من الاعتداء عليهم كما أن الشيعة المصريين يعانون من الخطاب التحريضي ضدهم، الصراعات الدامية وأشكال العنف الأعمى ما هي إلا تجسيدات لخطاب الكراهية الذي يغذي التعصب والعداء للآخر وهو الذي يدفع المغيرين على القبور والأضرحة في مالي إلى تدميرها كما دمرت طالبان تمثال بوذا في باميان، وهو وراء مسلحي بوكوحرام في هجماتهم على كنائس نيجيريا، المجازر المتنقلة في العراق والتي لا تحترم قدسية الشهر الفضيل هي أحد تجليات خطاب الكراهية في بلاد المسلمين وخارجها، آلاف المسلمين في ميانمار ذهبوا ضحايا مذابح خطاب الكراهية في بورما وسط صمت عالمي مريب وحتى بنجلادش المسلمة شاركت في محاصرة اللاجئين ومنعت المساعدات! وفي تقرير الحريات الدينية للخارجية الأمريكية: أن مشاعر العداء للسامية وللمسلمين تنامت في أوروبا وبخاصة القوانين التي تمنع ارتداء النقاب في فرنسا وبلجيكا وهناك قلق على مصير الأقليات: البهائية والصوفية في ايران و المسيحيين في مصر والمسلمين في بلدان عدة والبوذيين التبتيين والمسيحيين والمسلمين الايغور في الصين، لا نجد تفسيراً لإحراق مسجد في ميسوري أو تعليلاً للمجزرة التي ارتكبها الطبيب النفسي نضال حسن في فورتهود نوفمبر2009 إلا مشاعر الكراهية العميقة التي تعد المحرض الأكبر لإرتكاب مجزرة اورورا من قبل الشاب الأمريكي هولمز وبريفك النرويجي في مذبحته لبني وطنه! خطاب الكراهية خطاب أعمى وإلا ما تفسير اقدام انتحاريين لمجلس عزاء في اليمن وفي بغداد وتفجير عشرات المعزين الأبرياء؟! في محاكمات الارهابيين في السعودية طالب عدد من المتهمين بمقاضاة من أفتوا لهم بالجهاد وحرضوهم على القتل و التدمير بإعتبارهم مسؤولين في جرائمهم، التساؤلات المطروحة: لماذا يستمر خطاب الكراهية ويتصاعد؟ وما مسؤولية مؤسساتنا الدينية والتعليمية والثقافية والإعلامية؟ وما مسؤولية المحرضين؟ وكيف نتصدى لخطاب الكراهية؟ إن صدور قانون بتجريم خطاب الكراهية بكافة أشكاله وتفعيله وترجمته على أرض الواقع، لا شك أنه يحد من انتشاره، كما أن العمل على تنقية المناهج التعليمية من شوائب التطرف والتعصب والكراهية والفكر التآمري والنظرة الدونية للمرأة مما يساعد على تغيير البيئة الثقافية والإجتماعية والسياسية التي تشكل الوجدان والعقول للتواصل مع الآخرين واحترام الاختلاف بين البشر، كما أن تعزيز البعد الإنساني في التكوين النفسي للدعاة والخطباء يجعلهم أكثر تسامحاً وتقبلاً للآخرين وأكثر تفهماً للضعف البشري وإعذاراً للمخالفين والخطاة، لقد أحسنت وزارة الشؤون الإسلامية بالسعودية إذ وجهت تنبيهاً إلى أئمة المساجد وحذرت من الدعاء بالهلاك على اليهود والنصارى على وجه التعميم، وفي سلطنة عمان حذر الإدعاء العام من تزايد التعليقات المسيئة عبر المنتديات الحوراية ومواقع التواصل الاجتماعي التي تتضمن عبارات الشتم والقذف والإساءة للناس وبث الإشاعات التي تتنافى وقيم وأخلاقيات المجتمع العماني وتتعارض مع تعاليم الدين الحنيف، وأكد الإدعاء العام إلقاء القبض على بعض المسيئين. إن الحروب تبدأ بكلمة وتتحول الكلمة إلى رصاصة أو قنبلة موقوتة، وأختم المقالة بدعاء إنساني رائع جاء في مقالة رائعة للكاتب الكويتي د. حامد الحمود بعنوان «يوم أحد في كنيسة» يصف فيها الكاتب عودته في إجازة إلى ولاية وسكونسن الأمريكية التي كان يدرس فيها، يقول الكاتب أنه رأى الناس يدخلون إلى كنيسة فتبعهم ودخل من باب الفضول والاستطلاع واستمع إلى القس الذي كان يلقي موعظته بهذا الدعاء: يا إلهي اجعلني قناة لتحقيق السلام، وعندما تكون هناك كراهية، مكني من زرع المحبة، واغفرلي عندما أكون سبباً في جرح الآخرين، وعندما يكون هناك شك ليكن هناك إيمان، إجعلني يا إلهي قناة لتحقيق السلام، وعندما يكون هناك يأس من الحياة ليكن هناك أمل، وعندما يكون هناك حزن، حوله بهجة وفرح، وهبني ما أبحث عنه وإزرع محبتي في قلوب الناس، لكي احبهم من دواخل روحي، وعندما أموت ابعثني مع الطيبين، يستطرد الكاتب ليقول أن الصلاة والخطبة والأناشيد الدينية في الكنيسة يتفق مضمونها مع ما تهدف إليه الأديان جميعاً وهذه الأدعية ما هي إلا مناجاة وتضرع وطلب المغفرة من الخالق شبيهة بالمناجاة التي نجدها في أشعار المتصوفة المسلمين، يتساءل الكاتب: الكنائس في الماضي هي التي دعت إلى شن الحروب الصليبية لمدة 200 سنة خلال الفترة 1095-1291، والكاثوليك هم أنفسهم قتلوا ونكلوا بطوائف مسيحية عديدة فما الذي غير رجال الدين المسيحيين نحو الإنفتاح الإنساني على الآخرين؟! ما الذي غير هذا القس في هذه المدينة الأمريكية الصغيرة وما الذي تحول لكي تتقبل الكنيسة أن يدخلها المسلمون؟! لا شك أن الذي تغير هو البيئة الثقافية والاجتماعية والسياسية التي تشكل وعي الناس وعقولهم بما في ذلك رجال الدين، إذ لم يكن أمامهم خيار آخر إلا أن يتغيروا ليستمر تأثيرهم على الرعية، هذه البيئة الثقافية والاجتماعية لم يصنعها قرار سياسي ولا اكتشاف حقول نفطية وانما صنعها تراكم خبرات ومعاناة انسانية على مدى قرون ساهم فيها سياسيون وفلاسفة وعلماء وموسيقيون وغيرهم، ما اجمل هذا الدعاء الإنساني علاجاً ناجعاً لثقافة الكراهية!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا