النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10811 الأربعاء 14 نوفمبر 2018 الموافق 6 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:33AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

الفتـــــاوى الفضائيــــــة

رابط مختصر
العدد 8523 الجمعة 10 أغسطس 2012 الموافق 22 رمضان 1433

مع صعود حركات الإسلام السياسي ووصولها إلى السلطة واستحواذها على مقاليد الأمور في مجتمعات عربية أصبحت الفتاوى تثير جدلاً عريضاً وبخاصة تلك التي تتناول قضايا الشأن العام سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وإعلامياً، أصبحت هذه الفتاوى تشغل المجتمعات وتستنزف جهودها عن قضاياها الرئيسية وقد ساهمت الفضائيات والمواقع الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي في مزيد من الصخب والجدل حولها، لقد تعاظم الدور السلبي لهذه الفتاوى بانتشار الفضائيات الدينية بحسب انتماءاتها المذهبية والسياسية فأصبحت لكل طائفة فضائية معبرة عن توجهاتها كما أصبح لها مفتيها الخاص وجمهورها الذي يستفتيها عبر مختلف وسائل الاتصال بأجر مادي يدفعه المستفتي مقابل اتصاله، وهكذا نشطت (سوق الفتاوى) وحققت مكاسب للفضائية والمفتي فضلاً عن النجومية والشهرة والاستحواذ على الجماهير، ومع اشتداد الطلب المجتمعي على الفتاوى برزت ظاهرة التنافس المحموم بين الفضائيات للاستحواذ على (نجوم الإفتاء) ضماناً لجمهور أوسع واعلانات تجارية أكثر ومن ثم ارتفعت أجور بعض نجوم الإفتاء الفضائي وأصبحوا يساومون ويحددون أجوراً فلكية، وهكذا أصبحت سوق الفتاوى تحقق مكاسب ضخمة وتحولت إلى سلعة خاضعة للعرض والطلب الجماهيري، الفتاوى عامة وعلى مر التاريخ الإسلامي كانت مصدر اثراء وخصوبة للفقه والفكر الإسلامي وكانت عاملاً رئيسياً في حيوية المجتمعات العربية والإسلامية وساهمت في حل الكثير من المشكلات والقضايا الطارئة والمستجدة لكن الفتاوى اليوم وعبر الفضائيات وبخاصة تلك المتعلقة بقضايا سياسية أو بنصرة مذهب على مذهب أو الطعن والتجريح والتشويه للمخالفين أو تلك التي حرضت الآلاف من الشباب لمقاتلة الأمريكيين في العراق فتسببت في مقتلهم ومقتل الأبرياء، ومثلها تلك التي حكمت بالردة والكفر على المثقفين والكتاب لمجرد انهم عبروا عن آراء لا تحظى بقبول بعض المفتين الذين نصبوا أنفسهم أوصياء على العقيدة والدين وكذلك الفتاوى التي روجت أثناء الانتخابات المصرية ودعت لعدم التصويت للقبطي والعلماني واللبرالي باعتباره آثماً، وفتاوى حرمت الزواج من فلول الحزب الوطني وغيرها من الفتاوى التي عمقت الانقسام والفرقة والطائفية وأفسدت ذات البين وتسببت في صراعات دامية وسقوط ضحايا كثر، هذه الفتاوى أصبحت اليوم مصدر تأزيم واشكاليات للمجتمعات والحكومات التي تبدو في حيرة من أمرها لا تعرف كيف تحتوي هذه الظاهرة المقلقة وكيف تحمي الشباب من انعكاساتها، لقد تضخم دور المفتي الفضائي وبات يعرف كل شيء ويفتي في كل شيء، فهو اقتصادي يعلم في شؤون البنوك والبورصة والتنمية وهو سياسي ينافس السياسيين بتصريحاته وتحليلاته السياسية وهو خبير في الشؤون الدولية يحدد من هو العدو ومن هو الصديق ويطالب بالمقاطعة الاقتصادية، ولا يتورع عن الخوض في ميادين الطب والعلاج وهو العليم بقضايا المرأة والفن والثقافة والتربية والتاريخ، يتدخل في اختصاصات الجميع ويغضب ويثور إذا تصدى له أحد بالرد، إن أزمة الفتاوى المعاصرة جزء من أزمة الخطاب الديني والتعليم الديني عامة، ولا يمكن معالجة الأمر إلا بعلاج المناهج الدينية نفسها في مضامينها وبنيتها وآلياتها، وهذا العلاج يتلخص في الانتفاح على البعد الإنساني وعلى الثقافات المعاصرة وعلى أفكار المجددين المستنيرين من المصلحين، أما العلاجات التي لجأت لها بعض الحكومات لضبط الفتاوى المنفلتة كوضع ضوابط معينة مثل: تجريم الإفتاء بدون رخصة وقصر الفتاوى على الثقات المؤهلين والمؤسسات الدينية والمجامع الفقهية لمنع التضارب في الفتاوى وحماية المجتمع من البلبلة، ومثل اقتراح بتأسيس جهاز رقابي على الفضائيات يتولى مراجعة الفتاوى المذاعة أو إنشاء مجلس للإفتاء الخ.. فأتصور أن كل هذه الاقتراحات غير مجدية وغير عملية فنحن لا نستطيع أن نؤمم الفتاوى في عالم أصبح مفتوحاً ولا أن نصادر حرية الناس في من يستفتونه كما لا نستطيع أن نفرض على الفضائيات مفتين نرتضيهم لا ترى فيهم تلك الفضائيات ما يحقق أهدافها في الاستحواذ على الجماهير، كما أننا لا نستطيع تكميم أفواه العلماء، والفتاوى في النهاية مجرد آراء شخصية منسوبة للشريعة ولا إلزام فيها، ومن حق الناس أن يأخذوا بها او يتركوها، على أن تعدد الفتاوى لا حرج فيه فهو من مظاهر السعة والحرية الفكرية وتعدد الخيارات أمام الناس رحمة، لذلك لا أرى العلاج في المنع والمصادرة والرقابة والتأميم والتكميم فضرر هذه الأمور أكبر من نفعها، كما ان ضرر بعض الفتاوى المنفلتة أو المسيسة أو المحرضة يمكن دفعه بفتاوى أخرى مضادة من جهات معتبرة، لكن العلاج يكون برفع وعي الناس وتبصيرهم وتوجيههم إلى تحمل مسؤولياتهم عن اتخاذ قراراتهم، وتعويدهم التفكير المستقل في أمور حياتهم بدون الحاجة إلى المفتي إلا في الأمور الفقهية الدقيقة، إن مجتمعاتنا أدمنت الفتاوى واستسهلت الاتصال بالفضائيات في كل صغيرة وكبيرة من أمورها وكثير من الناس لا يريد تحمل مسؤوليات قراراته، كما لا يفعّل طاقاته الفكرية في ايجاد حلول لمشكلاته، ومن أسباب ذلك أن البيئة العامة مشحونة بكثير من التحذيرات والممنوعات والحرمات والتخويفات من اقدام المرء على امر خشية الوقوع في الحرام فلابد من الاستناد إلى فتوى عالم حتى يحمي المرء نفسه من الوقوع في الحرام، ولذلك شاع عند العامة (حطها في رقبة عالم واطلع منها سالم) يتكئون عليه لتبرير وتسوير العطالة الفكرية السائدة لدى كثير من الناس، علينا الارتقاء بالوعي العام ليدركوا ان المسؤولية في الإسلام فردية مصداقاً لقوله تعالى: (وكلّهم آتيه يوم القيامة فرداً)، ولن تغني الفتوى عنهم شيئاً، ما حاجة الناس إلى الفتاوى في كل صغيرة وكبيرة من أمورهم وقد جاء الإسلام بالقاعدة الذهبية القائلة (الأصل في الأشياء الإباحة) بمعنى أن القاعدة العامة التي تحكم النظم والمعاملات والتصرفات والعلاقات والتنظيمات والمطعومات هي: الإباحة والحل، فلذلك لا يحتاج الناس إلى سؤال العلماء في كل هذه الأمور، وقد وضّح الإسلام أمور الحال والحرام في قوله صلى الله عليه وسلم: (الحلال بين والحرام بين)، بل وجعل من المسلم نفسه مفتياً لنفسه بأن أعطاه المعيار الذي لا يخطأ إذا جعل (ضمير المسلم) هو المفتي في قوله صلى الله عليه وسلم: (استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك)، كما أنه صلى الله عليه وسلم وضح لنا قاعدة الحرام وحددها بشكل دقيق، حين قال: (والإثم ما حاك في الصدر وخشيت ان يطلع عليه الناس)، إذن ما حاجة مجتمعاتنا إلى تهافتها على الفضائيات طلباً للفتوى مع أن ما يقارب من 90% من شؤون المجتمعات قائمة على الحل والإباحة؟! وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم للمسلمين: «أنتم أعلم بأمور دنياكم»، أي أعلم من المفتين في مختلف قضايا المجتمع، وبطبيعة الحال نحن لا نريد التعميم في الحكم فهناك فتاوى يومية صادرة من جهات الإفتاء الرسمية تتعلق بأمور العبادات والمعاملات كالصلاة والصيام والزكاة والحج والزواج والطلاق والميراث الخ.. والحاجة إليها مستمرة وهو أمر محمود ومطلوب ولا يثير جدلاً ولا اشكالية ولكن حديثنا إنما يتعلق بتلك الفتاوى المثيرة للصخب والصادرة من مشايخ نجوم الفضائيات والمواقع الإلكترونية وتتدخل في أمور سياسية واقتصادية واجتماعية وفكرية وتلبسها ثوباً شرعياً.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا