النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10480 الإثنين 18 ديسمبر 2017 الموافق 30 ربيع الأول 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:54AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    2:30PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

هواجس الآراء

اليسار الرجعي (2- 5)

رابط مختصر
العدد 8512 الإثنين 30 يوليو 2012 الموافق 11 رمضان 1433

مما سبق نستدل على بعض جوانب الخلل في فكر اليسار الرجعي، الذي تخلى منذ البدء عن البعد الفلسفي للمنهج الماركسي، واخذ بالجوانب العملية لشروط الثورة الروسية، وعندما نعود لتجربة الجبهة الشعبية نجدها استنساخاً أعمى للتجربة اللينينية بمسمياتها، حتى في تسمية النشرة الحزبية الإيسكرا (الشرارة)، وبالتالي لم تؤسس حركة اليسار قواعد فكرية واعية تنطلق من واقعنا، مما تسبب في خلق هجين حزبي يقوم على الطاعة الحزبية غير المبنية على قناعات وإرادة الفرد، بقدر ما هو تنفيذ وامتثال أعمى لإرادة القيادة. إن هذه المعادلة انقلبت بشكل عجيب في بلادنا والبلاد العربية الأخرى، عندما انبعثت الروائح الدفينة في العقل الباطن، الذي فعل فعله في استحضار الانحيازات الرجعية، والميول الطائفية لشخصيات وقوى لا دينية، في اصطفافات مموهة بأبعادها السياسية وبخلفياتها الطائفية، وقد عملت العجائب بعد ان انشطر اليسار على خلفية مذهبية طائفية، وصار مطبوعاً بالرجعية اي اليسار الرجعي، لأن اليسار التقدمي من الصعب ان ينزلق نحو هاوية الطائفية والمذهبية، او ان يأخذ بقيم التعصب العرقي الى غير ذلك من عوامل التخلف، ومواقفه هذه هي التي اضفت عليه صفة التقدمية خلال العقود الماضية. إن هذا المنطق العدمي قد ألغى مصداقية اليسار بعد ان تخلى عن أدبياته ومناهجه الفكرية، حتى تلك المعايير البسيطة التي قامت عليه تحليلاته السياسية، فلم يعد لليسار مفهوماً عقائدياً بحجة الواقعية السياسية لتبرير عقلية التحول من إطار او حزب تقدمي له مآثره التاريخية التي لا يستطيع احدا إنكارها، وله الكثير من الشواهد في بلادنا والبلاد العربية، فمن يستطيع نكران أن عددا من المؤسسات العلمية والمؤسسات الاجتماعية والمدنية قامت بجهود الأحزاب اليسارية التقدمية، والكثير من الشخصيات الفكرية والمثقفة والعلمية من اطباء ومهندسين ومحامين واساتذة جامعات كانت بفعل القوى اليسارية، والآن وقد تحول اليسار الى حركة أقل ما يقال عنها كتلة صماء تراوح في مكانها، تحت شعارات سياسية عامة، وهنا لا بد من التأكيد أن الشعار لا يشكل برنامجاً سياسياً والبرنامج لا يشكل منهجاً فكرياً، فمن السهل صياغة الشعارات والبرامج، ولكنه من الصعب الاستدلال العلمي الذي يعيد اليسار لمناهجه العلمية ولحيويته التي تخرجه من خانة المهمشين. لقد نشأ هذا التراجع مع مغادرة اليسار لمناهجه الفكرية، والأخذ بالعموميات التي أدخلته في متاهات الهوية وما رافقها من تداعيات فكرية ومنهجية، أبرزها التخلي الكامل عن الفكر اليساري (الماركسي) تحت شعار (تعويم الأيدلوجيا) وهو مصطلح كان يهدف الى تدمير البنى الهيكلية والإيدلوجية لليسار البحريني والتي نعيش تداعياتها اليوم، وقد برز هذا التوجه مع قيام الثورة الإيرانية، حينها شهد اليسار خاصة اليسار المتطرف تصدعاً ايدلوجياً وبنيوياً، حسم حينها في اجتماع موسع باستفتاء كوادر هذا اليسار الذي تمثل في الجبهة الشعبية، وكان أول انقسام بين تيارين، تيار اخذ ببعض الخصوصيات الدينية متأثرا بكتابات الدكتور محمد عابد الجابري مثل (ثلاثية نقد العقل العربي) التي تعالج تكوين العقل العربي، وبنية العقل العربي، والعقل السياسي العربي وغيرها، وقد أحدثت حالة فكرية بين تيارين، تيار في حركة اليسار العربي التقدمي، الذي واجه افكار واطروحات الجابري بانتقادات شديدة منها كتاب (نقد نقد العقل العربي) للمفكر السوري جورج طرابيشي، وفي السياق ذاته انتقد المفكر التونسي فتحي التريكي ما ذهب اليه الجابري حول وجود عقل عربي وآخر غربي، كذلك انتشرت بين بعض قوى اليسار كتب المفكر الجزائري محمد اركون، خاصة كتابه (العلمنة والدين)، لذلك نجد اليسار في حالته الراهنة هو نتيجة لهذه التراكمات الطويلة، ليس باتجاه التفاعل الفكري بقدر الانحطاط الثقافي، وأبرز تجلياته الاصطفافات الطائفية المبطنة الراهنة، والذي يضعنا امام سؤال: ماذا يعني ان يكون اليساري نصيرا للطائفية بل ويكون طائفيا في مجال الفكر والممارسة؟ لذا اصبح اليسار الرجعى لا يقاس بانحيازه نحو مثاليات الواقع الاجتماعي وافرازاته، وانما مغادرته النهائية لفلسفته المادية التي تقوم في موضع التحليل السياسي بأن الواقع الاقتصادي يفسر الحياة السياسية، ولأن السياسة هي نتاج للحياة الاقتصادية، وهي الأساس الموضوعي للمنهج اليساري في (المادية التاريخية).

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا