النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10841 الجمعة 14 ديسمبر 2018 الموافق 7 ربيع الآخر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:51AM
  • الظهر
    11:32AM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:47PM
  • العشاء
    6:17PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

كيـــف نتصــالـــــــــــــح؟!

رابط مختصر
العدد 8509 الجمعة 27 يوليو 2012 الموافق 8 رمضان 1433

كان يستمع إلى حديث يروي قصة أسرة مزدوجة المذهب (أليست تسمية جميلة يا معشر المذهبيين وتمثل صورة مصغرة لمجتمعنا البحريني الرائع؟!) وقد ساءه ما انتهت إليه تلك الأسرة من تفكك روابطها وذوبانها في أسيد الطائفية المقيتة فاشتعلت فيها خلافات عاصفة كانت انعكاسا «فوتوكوبيا» لعلاقات آلمت البحرين وآذتها نتيجة للاصطفافات الطائفية التي حدثت في «الدوار» سيئ الصيت. صرف صاحبنا، هذا الذي نروي بعضا من تفاصيل علاقته الأسرية هنا ونضفي عليها بعضا من خيالنا لإعطاء الحدث مسحة درامية، وقتا طويلا راكبا موجة الطائفية العاتية التي أحدثها زلزال «الدوار» منتشيا بما اعتبره في لحظة ضعف وطني انتصارا لطائفته على الطوائف الأخرى. وبصفته رب أسرة مزدوجة المذهب أيضا اختلطت لديه المشاعر وطغت عاطفته الإنسانية على أي مشاعر أخرى طارئة، وغلّب حسه الوطني على أي إملاءات فوقية تصدر، أنى كان مصدرها ومن أي سلطة كانت دينية أم حزبية؛ ما رآه خطأ في سلوكه البيتي ليبدأ حياة تستحقها أسرته التي أقامها على بنيان شاهق من الحب والاحترام تعذر معها هدمه. هو متزوج من امرأة يسّرت له ظروفا اجتماعية منفتحة على أصول من القيم الاجتماعية الراقية الالتقاء بها، وعجّل من ارتباطهما التقاءهما الفكري الليبرالي التحرري الذي تلقياه في بلد كان يعيش إرهاصات الدولة المدنية القائمة على أسس المواطنة والديمقراطية منذ ثلاثينيات القرن المنصرم! ولم يكن عند ذاك للمذهب أو للطائفة أي تأثير في العلاقات بين البحرينيين بعضهم ببعض، ولم يكن المذهب موجِها لخيارات الناس أبدا. لدى صاحبنا من هذه الزيجة بنت وولد كانا محل محبة ورعاية طوال سنوات مديدة من عمر هذه الزيجة، وأجمل ما كان يجمع هذين الابنين هو أن الانتماء إلى أي مذهب من المذاهب الدينية لا يعني لهما شيئا.. إلا أن زلزال «الدوار» وارتداداته التي شوهت سطح العلاقات البينية وليس عمقها، أحدث خللا عضويا في بنيان هذه الأسرة أثر بشكل عميق في روح العلاقات بين أفراد هذه الأسرة؛ حتى وصلت الخلافات بين الزوجين على الأبناء.. في صحوة ضميرية أدرك صاحبنا المنحدر السحيق الذي تهوى إليه العلاقات داخل هذه الأسرة، فقرر ذات يوم بعد طويل تفكير وتدبر لما صار أن يغير ويتغير من أجل ابنيه أولا، وإنقاذا لكيان الأسرة ثانيا، ووفاءً للحب الذي تعاهد عليه مع زوجته ثالثا.. وفعل. رجع في ذات مساء، وعلى غير عادته إلى المنزل باكرا تدفعه رغبة عارمة في مفاجئة زوجته التي يفتقدها منذ زمن.. وهي معه! دلف المنزل وذهب مباشرة إلى المطبخ إلى حيث يتوقع وجودها في مثل هذا الوقت وقد تعمد بألا يشعر أحد من ابنيه بدخوله.. أقبل على زوجته قائلا لها: «كل عام وأنت بخير حبيبتي» وقدم لها هدية انقطع عن تقديمها وكف عن أن يعيرها الاهتمام منذ زمن. باغتت الأسئلة عينا الزوجة وازدحمت علامات التعجب على محياها من هذا السلوك الذي بدا غريبا من بعد طول انقطاع، وفتشت عن سبب لهذه المفاجأة، فلم تجد. قرأ الرجل علامات تعجبها وعثر على إجابات عن كل تلك الأسئلة التي أثارتها تعابيرها. قال لها في نبرة مختلطة المشاعر ضاقت اختناقا بعبرات المصارحة الجريئة من بعد ما ينيف على عام كامل شح فيها تبادل التحايا: «المناسبة يا حبيبتي أنت تتذكرينها جيدا وأكثر مني وهي عيد زواجنا الذي مر عليه بالتمام عشرين عاما..» وأضاف «كما أنني بهذه المناسبة أدعوك إلى عشاء خارج المنزل وأعرف أنك لن ترفضي دعوتي.. أليس كذلك؟» لم ينتظر الرجل وقتا حتى قالت له والسعادة تغمرها: «طبعا لن أرفض.. وكم كنت تواقة لسماع هذه الدعوة منك منذ تلك الأحداث التي كادت تدك مشاعرنا تمهيدا لدك أركان المجتمع القائمة منذ نشأة هذا الوطن الجميل.. غير أن ما يدعو إلى المفاجأة هو توقيت هذه الدعوة والهدية معا» قال لها: «سوف نتكلم معا بخصوص المفاجأة، ولكن في المطعم، أما الآن فعليك مهمة اختيار المطعم الذي تحبين بعد أن تقنعي الأبناء بالبقاء في البيت لتتهيأ لنا حرية التعبير عن مشاعرنا». استقل الاثنان السيارة وانطلقا تاركين الأبناء في المنزل ليتفرغا إلى بعضهما البعض.. ليتفرغ الزوج، أولا: للبوح الصريح عن سعادته وحبه المتجدد لزوجته، وليوضح لها، ثانيا، الخطأ الذي وقع فيه تحت تأثير إعلام كذاب ورجال سياسة وسوء تضافرت قواهم جميعها من أجل الغدر بالمجتمع البحريني وتحابه فسخروا لذلك كل القنوات الطائفية وتلاعبوا بالأخبار والوقائع وجملوا الباطل وزينوا الإرهاب؛ حتى امتلأ رأسه ورأس أمثاله من أهل البحرين الطيبين المتحابين وانقلب كيانه شأن غيره من مواطنيه.. ثم ثالثا، لتتهيأ هي لإعادة ترتيب أسئلتها في وسط المشاعر الفياضة التي اجتاحتها في هذه اللحظة المستجدة لترميم ما دمره «الدوار»، ولتقول له أيضا إن «الدوار» قد أثر فيها مثل ما أثر فيه ولكنه لم يغير من مشاعر الحب تجاهه قيد ذرة. ولما وصلا إلى المطعم اختارا زاوية فيه بدت مهملة ما أثار فضول الزوجة لتسأل زوجها السؤال الأول: «أمعقول أن يكون هذا المطعم بهذا العدد المحدود من الزوار، وهو الذي كان دائما يعج بالزبائن والزائرين؟» وبعد أن أجابها عن هذا السؤال قائلا: أعتقد بأن أحد الأسباب لذلك هو الانقسام الشديد الذي أثارته الأحداث في الشارع؛ مما كان له عميق الأثر في تنامي الرغبة في الانعزال..»، وتبادلا الرأي ومزجا الحب بالسياسة مزجا جعلهما يفكران بقلب واحد في مشاكل بيتهما كلها فأدركا أن التمترس المذهبي مفسد للود مذهب لريح التآلف، وأن قوة بيتهما كانت في اجتماعهما على شريعة الحب والوفاء لانتماء واحد جمعهما رغم اختلافات المذهب، فأحييا جذوة الحب وقادهما سلطان العشق إلى التفكير في حال بيتهما الأكبر، وأيقنا أن ما حل مشكلة البيت الأصغر كفيل بحل مشكلات البيت الأكبر، وأن تحويل التباين في المواقف إلى عامل قوة سبيل مثلى لإعادة المياه إلى مجاريها في مجتمع صدّعته وقائع الدوار ونفثات ذوي الأطماع. لقد نجحت هذه الأسرة بالحب وحده في تجاوز آلام التصدع وأهواله، وأسفر النقاش بين طرفيها الرئيسيين عن عودة المياه إلى مجاريها سيالة عذبة دافقة بأحلام الحب والأمل في غد أفضل. فهلا وجدنا نحن في سيرة هذين الزوجين المتحابين أسوة وقدوة حسنة نمنع بها عن مجتمعنا كيد الحاقدين الطماعين، وسبيل اهتداء إلى طريقة نناقش فيها مشكلاتنا الوطنية بعيدا عن العنف الممارس في الشوارع!!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا