النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10790 الأربعاء 24 أكتوبر 2018 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:38PM
  • المغرب
    5:04PM
  • العشاء
    6:34PM

كتاب الايام

التصـور الأخواني للرئيــس!

رابط مختصر
العدد 8502 الجمعة 20 يوليو 2012 الموافق غرة رمضان 1433

لم يكد الرئيس المصري محمد مرسي يجلس على الكرسي حتى اختار أن يبدأ حكمه بتحدي القضاء المصري، أصدر قراراً بعودة البرلمان المنحل وانعقاده من جديد، وكانت المحكمة الدستورية العليا وهي أعلى هيئة قضائية قد أصدرت في 14/6 حكماً بحل البرلمان لبطلان القانون الذي جرت على أساسه الانتخابات، لم يكن الرئيس موفقاً في هذا القرار لا سياسياً ولا قانونياً فالدخول في معارك مع القضاء خطأ جسيم غير لائق بإنسان متحضر فما بالك برئيس للبلاد! تاريخنا الإسلامي حافل بروائع لاحترام الحكام للقضاء حتى في أشد العصور تخلفاً، وفي الغالب أن هذا ليس خطأ الرئيس بل خطأ مستشاريه الذين زينوا له قراره فورطوه وما أكثر المتملقين! وعسى أن يكون الرئيس أكثر حذراً في قادم الأيام، كنت قد دعوت الله تعالى أن يعين الرئيس المصري في التحديات الكبرى وبالأخص التحدي الاقتصادي وتوفير فرص العمل لملايين الشباب العاطل وتنشيط دورة الانتاج والتصدير وعودة الناس إلى أعمالهم ومصانعهم وذكرت في المقالة السابقة أن النجاح الاقتصادي يتطلب شرطين: استقراراً داخلياً وعلاقات جيدة خارجياً وفوجئت بهذا القرار الذي يدفع لمزيد من عدم الاستقرار، إذ لا يمكن لشعب عريق متحضر كالشعب المصري في احترامه لقضائه النزيه والشامخ على مر العقود أن يسكت على إهدار حكم العدالة، ذلك غير متصور مهما حاول المخادعون والمضللون والمتلاعبون، إنه لأمر ساذج ومضحك القول بأن الرئيس يحترم القضاء لكنه فقط ألغى قرار المجلس العسكري بحل المجلس! حل المجلس أيها السادة العقلاء، حكم قضائي وليس قراراً عسكرياً، لا يمكن لهذا الشعب الذي رفض الاستبداد أن يقبل بالتجاوز على أحكام القضاء، حصن العدالة وقلعة الحريات، كما لم يكن لائقاً أن يعقد مجلس الشعب اجتماعه القصير واليتيم وهو يعلم بطلانه وبطلان قراره، هل كانوا يضحكون على أنفسهم أم على الآخرين؟! هؤلاء الذين حضروا فقدوا مصداقيتهم وأساءوا لأنفسهم إذ ليس مما يشرف تحدي القضاء! القضاء لم يكن في يوم من الأيام طرفاً في صراع سياسي أو في خصومة مع أية جهة أو مؤسسة وذلك بالرغم من كل الضغوط والتدخلات ومحاولات إرهاب القضاة والتعدي عليهم بفحش القول والإساءة والإيذاء، المجلس الباطل يعلم يقيناً أن قراره باللجوء إلى محكمة النقض غير ذي جدوى، لأنه: أولاً قرار منعدم ثانياً: حكم الدستورية لا معقب عليه ثالثاً: ممنوع على الأدنى الحكم على الأعلى رابعاً: النقض غير مخول بالطعن الدستوري، إذن لماذا اجتمعوا وقرروا؟! اجتمعوا ليناوروا ويخدعوا الرأي العام وليمارسوا ضغطاً على القضاء وليوهموا الناس بأن قرار الرئيس صحيح! وخاب مسعاهم وفشلوا فشلاً ذريعاً إذ رأوا تحدي الشعب لهم فقرروا تعليق جلساتهم إلى الأبد والمدهش أنهم عللوا اجتماعهم بانهم يحترمون القضاء ومبدأ الفصل بين السلطات لكنهم أرادوا مناقشة آلية تنفيذ الحكم! وهو عذر أقبح من ذنب، أي احترام للقضاء وأنتم تهاجمونه وتشوهونه وتتهمونه وترهبونه وتماطلون في تنفيذ أحكامه؟! اضطر الرئيس أخيراً للتراجع بعد أن قضت الدستورية بوقف قراره وألزمته بتنفيذ حكمها السابق ببطلان وانعدام البرلمان كما كان نادي القضاة قد امهلوا الرئيس 36 ساعة لإلغاء قراره وكان الرأي العام المصري كله بالمرصاد دفاعاً عن حصن العدالة، ورضخ رئيس الجمهورية معلناً احترامه لحكم القضاء وتقديره لقضاة مصر الشرفاء، إذن لماذا الدخول في معركة خاسرة منذ البداية؟ وما هي الدوافع التي جعلته يتخذ هذا القرار الخاطئ في بداية حكمه؟ وهل يجب عليه الاعتذار؟ تختلف تفسيرات المحللين في دوافع الرئيس لاتخاذ هذا القرار المسيء، هناك من يفسره بمعركة الصلاحيات بمعنى أن الرئيس أراد ان يثبت للملأ أن صلاحياته كاملة بدليل أنه يستطيع إلغاء قرار المجلس العسكري بحل البرلمان، لكن هل يعقل أن يغيب عنه وعن مستشاريه ان حل البرلمان لم يكن قراراً بل حكماً قضائياً صادراً من أعلى هيئة قضائية تعتبر أحكامها نهائية وتسري على كافة المؤسسات وعلى رئيس الجمهورية نفسه؟! فإذا كان الرئيس ومستشاروه يريدون تحدي المجلس العسكري وإعلانه الدستوري المكمل، فقد أخطأوا وضلوا السبيل، هناك تفسير آخر يرى ان الإخوان هم المهيمنون على البرلمان المنحل ولا يضمنون مثل هذه الهيمنة في الانتخابات القادمة لسبب بديهي وهو أن الشعب المصري لن يمكنهم في المرة القادمة من الاستحواذ على البرلمان في ظل استحواذهم على الرئاسة، فمن الطبيعي أن يحاول الإخوان بكل الطرق المشروعة وغير المشروعة من التحايل والمراوغة والمماطلة والإلتفاف على حكم الدستورية استبقاءً لهيمنتهم، قد يكون هذا التفسير صحيحاً حزئياً لكن محاولات عرقلة العدالة تضعف مصداقية هؤلاء سياسياً، هناك تفسير ثالث ينطلق من التصور العام للإسلاميين لنظام الخلافة في التاريخ الإسلامي ولصلاحيات الخليفة المسلم على مر العصور، فالإسلاميون عامة والإخوان خاصة، يتصورون الحاكم المسلم مطلق الصلاحيات، والخليفة في نظرهم هو امام المسلمين في الصلاة، وهو القاضي الأعلى على كافة القضاة وهو القائد الأعظم في الحروب والغزوات وهو الوكيل العام المتصرف في بيت المال يقسم ويوزع ويهب كيفما يشاء، وهو السلطان الذي لا ينازعه أحد في سلطته وإلا كان باغياً، وهذا التصور ينسجم تاريخياً مع ما كتبه الفقهاء القدامى وبخاصة فقهاء السياسة الشرعية في نظرتهم لسلطات الخليفة، ولما كان عليه الوضع السياسي على امتداد 14 قرناً، لقد صور الفقهاء الخليفة حاكماً يجمع كافة السلطات، ومنه تستمد بقية السلطات القضائية والعسكرية والإدارية، شرعيتها، فهو القطب الأعظم الذي يدور حوله الجميع وعليهم طاعته وعدم الخروج عليه، قد يكون مثل هذا التصور التاريخي لسلطات وصلاحيات الحاكم هو ما استبطنه هؤلاء الذين أوحوا وزينوا لرئيس الجمهورية أن يتخذ هذا القرار المتجاوز لصلاحياته، أعني هؤلاء المستشارين القانونيين المنتمين أو المتعاطفين مع جماعة الإخوان ممن لازال مهيمناً عليهم مذهب أن الحاكم المسلم هو القاضي الأعلى الذي يملك صلاحية إلغاء حكم القضاء بناءً على ما يراه من أوجه المصلحة العامة، وأخشى أن أقول إن هذا هو التصور الحقيقي الذي يستبطنه الإخوان لمنصب رئيس الجمهورية أو الحاكم وإن أظهروا علناً خلاف ذلك، لقد غاب عن هؤلاء أنهم إذ ارتضوا حكماً فلا يجوز لهم أن يرفضوا حكمه إذا لم يكن في صالحهم ويقبلوه إذا كان في صالحهم، ذلك تناقض معيب.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا