النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10818 الأربعاء 21 نوفمبر 2018 الموافق 13 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

في رحيل جاسم القطامي

رابط مختصر
العدد 8494 الخميس 12 يوليو 2012 الموافق 22 شعبان 1433

فقدت الكويت برحيل الشخصية الوطنية جاسم عبدالعزيز القطامي رمزاً سياسياً اجتماعيا انسانيا رفيعاً، فقد كان من بُناة الحياة الديمقراطية وإرساء مؤسسات المجتمع المدني، ومن دعاة تطوير المجتمع الكويتي وتحديثه منذ بداية حياته العامة. كان «أبو محمد» رجلاً يجد فيه كل محافظ تقليدي وتقدمي حداثي بعض ما يريد، ورغم أنه بدأ بالتمرد على «أوامر الدولة» عندما كان مديرا للشرطة ما بين 1956، الا انه كان من ابرز المساهمين في بناء الدولة ودعمها. ورغم انه كان في صميم الحركة القومية داخل الكويت وخارجها، إلا انه ادرك فيما بعد ثغراتها، وامتنع عن مسايرة اندفاعاتها العقائدية بعد 1967، وانتبه الى خطورة دور المؤسسات في تثبيت الاهداف الوطنية والقومية، فبذل دعمه في تأسيس مركز دراسات الوحدة العربية، ودعا الى تعميق وتحديث اهداف هذه الوحدة، بما يتماشى مع الاعلان العالمي لحقوق الانسان والمفاهيم السياسية المعاصرة. ان شخصية بأهمية الراحل جاسم القطامي، بما له من مساهمات وأدوار وتاريخ واهتمامات، بحاجة ماسة الى لجنة تجمع كل ما يتعلق به وكل ذكريات رفاقه ومعاصريه، ومراجعة الصحف ومحاضر مجلس الامة، وغير ذلك. وقد لفت نظري بعض ما تحتويه أعداد «مجلة البعثة»، التي بدأ صدورها ابتداء من 1946 عن بيت الكويت بمصر، ورافق صدورها بدايات دراسة ونشاط «بومحمد»، حيث نرى في بعض ما فيها من نبذ ومقالات، ملامح ظلت مستمرة نامية في شخصية جاسم القطامي. فمن الاخبار المنشورة عام 1951 ما يلي: «حاز الزميل جاسم عبدالعزيز القطامي على بعض الميداليات الذهبية في بطولة «جامعة فؤاد الاول» لألعاب القوى، و«البعثة» تهنئ الزميل البطل بهذا الفوز الباهر، وترجو له دوام التقدم والنجاح». وأضافت المجلة، «لما فاز الزميل بألعاب القوى، اخذ الطلاب والاساتذة يهتفون له بعدة هتافات منها «فلتحيا الكويت» و«فليحيا بطل الكويت». (العدد 4، السنة 5، ابريل 1951، ص150). هل كانت هذه بدايات اهتمامه بالرياضة والاندية؟ عندما كان يدرس في «كلية البوليس الملكية» بالقاهرة، وهو المجال الذي عمل فيه بعد عودته الى الكويت كما هو معروف، كتب عام 1950 مقالا بعنوان «البوليس»، دعا فيه «البوليس الكويتي» الى الاهتمام بتطوير نفسه وأدواته وخدماته، لما تستدعيه «تطور الحياة الاجتماعية وكثرة انتشار المخترعات الحديثة». الا انه انتقد بعض تصرفات الشرطة. ودخل جاسم القطامي في مساجلة مع الكاتب الكويتي المعروف عبدالله احمد حسين، الذي بدأت كتاباته تظهر آنذاك في نفس المجلة. ودار النقاش حول تعليم الفتاة وحدوده، فكان الاستاذ عبدالله محافظا متوجسا بعض الشيء على الفتاة الكويتية في اجواء القاهرة التحررية، فـ»الحياة الزاخرة هناك هي الداء الذي أدعو الى ان تأخذ الفتاة الكويتية الحصانة ضده». وكان القطامي أقل تحفظا لأن الفتيات الكويتيات متعلمات، وقد اطلعن وقرأن الكثير عن الحياة المصرية في الجرائد والمجلات، أو من أحاديث مدرساتهن المصريات أو من الكتب. «كما أن أغلب العائلات الكويتية قد بدأت تربي بناتها تربية عصرية وان لم تكن متطرفة، ولا أغلو اذا قلت ان كثيرات منهن قد اشتركن في عدد كبير من المجلات المصرية ويعرفن الكثير عن مصر بل وأكثر من بعض الشباب الكويتي». كما رفض القطامي الحد من تعليم الفتيات والاقتصار على المجالات النسوية، وطالب بفتح أبواب التخصصات الرفيعة أمامهن، فنحن كما قال، «في حاجة الى طبيبات وممرضات يتخصصن في الامراض النسائية لينقذن حياة الآلاف من النساء الكويتيات اللاتي يفضلن الموت على ان يدعن الطبيب يفحصهن». (فبراير 1948، العدد 2، السنة 2). وكتب عام 1948 مقالا بعنوان «زواج بحار» ينتقد فيه عدم رؤية الخطيب للفتاة التي يخطبها. وكانت هذه العادة كما في مجتمعات اسلامية كثيرة، موجودة في المجتمع الكويتي الذي كانت تختلط فيه العادات القديمة بالجديدة. وكان منع رؤية الرجل للفتاة قبل الزواج، ربما وسيلة اجتماعية لتزويج الفتاة مهما كان مستوى جمالها وعيوبها، لان المجتمع آنذاك لم يكن يتحمل وجود فتاة غير متزوجة في سن الزواج. وكان هذا الاجراء فيما يبدو شائعا بين الطبقات الفقيرة بالذات. أما مقال جاسم القطامي فقد رسم صورة درامية مأساوية فقال: «وبعد معركة.. استطاع الشاب ان يكشف عن وجه زوجته فرأى - ويا لقبح ما رأى - فتاة أفقدها الجدري احدى عينيها بعد أن شوه وجهها، ذات أسنان كأنياب الأسد أو هي أشد. فما كان من الشاب الا أن أحس بقشعريرة مؤلمة من هول هذه الصدمة». (سبتمبر 1948، العدد 8، السنة 2). وفي مقال «يوميات بحار»، انتقد القطامي جشع بعض ربابنة الغوض ممن يصادرون بيت البحار عندما تتراكم عليه الديون: «وحين تسأل أو تحتج يقولون لك انه القانون؟ أي قانون هذا الذي ينص على تشريد مثل هذه الأسرة المسكينة.. أين الانسانية، أين الضمير؟». (اكتوبر 1948، ع9، السنة 2، ص 202). لم يخل أول دخول جاسم القطامي مصر من المشاكل، فقد كان من محبي اللهجة المصرية، ويتقن التعبير بها حتى لا يشك السامع في أنه من أهل مصر. وجاء في مجلة البعثة أن الفقيد كان يتقن اللهجة المصرية بأنواعها الشمالية والجنوبية، ويقلد ابن البلد والعمدة. وفي احدى المرات دبت الشكوك حول هويته في قلب موظف الجوازات بالقاهرة، فظنه بعض المصريين الهاربين من البلاد هربا من القانون. فأمر الضابط بإدخاله الى غرفة التحقيق، ولم يفرج عنه إلا بعد فحص وتحقيق! وكان ذلك عند قدومه الى مصر لأول مرة، للعام الدراسي 1947-1948، ملتحقا بالمدرسة الثانوية، كالكثير من الطلبة الكويتيين الذين رافقوه في تلك السنة. لقد فارق بومحمد الحياة وسط أحداث متلاحقة وتطورات عربية لم يكن أحد يتصورها الى ما قبل عام أو عامين، وقد عاصر ثورة 1952 في مصر وعايش على مدى ستين عاما آمال وآلام العالم العربي. وكم هو مؤلم أن تبدأ مع رحيلك كل هذه الأحداث، بعد طول انتظار.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا