النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10782 الثلاثاء 16 أكتوبر 2018 الموافق 7 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:20AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

إلى طلبتي مع الحب!! (1)

رابط مختصر
العدد 8493 الأربعاء 11 يوليو 2012 الموافق 21 شعبان 1433

مهنة التعليم من المهن التي تُجذر لدى محترفها، إضافة إلى الجلد والصبر، محبة الآخرين. وأنا هنا وبحكم هذه المهنة، أشعر في هذه الفترة تحديدا بحنين إلى مخاطبة أبنائي الطلبة الذين أحببتهم وقضيت معهم أمتع سنوات العمر وأحلاها في كنف من العلاقة الحميمة بين معلم وطلبته. وحنيني هذا مبعثه شعور بأن افتراقي عنهم قد تمادى، ولا بد من مبادر يكسر زمن الصمت الذي طال واستطال، فلم أجد بدا من أن أكون أنا البادئ نزولا عند رغبة جامحة في إيصال رسائل أرى إيصالها في هذا المنعطف الخطير الذي يجتازه الوطن تجسيدا آخر لواجب الحب لطلبتي وفروض الولاء لوطني وعنوانا آخر من عناوين الوفاء لما اؤتمنت عليه مدرسا وبانيا للمناهج، أَوَليس التعليم في وجه من وجوهه ممارسة قصدية رمزية تضمن لقيم الآباء والأجداد السامية الاستمرار؟! أقول استهلالا في رسالتي هذه التي أقدر أنها شديدة الأهمية في هذا الظرف الحاسم: أعرف أن الذين تشرفت بتدريسهم ورفدت علاقتي معهم بمقومات الاحترام والمحبة قد تعدت أعمارهم الآن تخوم الخامسة والثلاثين عاما، وبعضهم يطرق أبواب الأربعين، ولذلك فإنني أخاطب رجالا رُشدا، وأحاور عقولا راجحة ومواطنين أكفاء تعتمد البحرين عليهم في أن يسهموا، كل بقسط وكل من موقعه، في مساعدتها على الخروج من النفق الذي وجدت نفسها فجأة في دامس ظلمته. لا أشك في أنكم تعرفون أعزائي أن مشهدية البحرين الاجتماعية الجميلة وفسيفساءها البشرية الرائع حسنها والفتان عبقها تعفيني من القول إنكم كنتم طلابا خليطا تنحدرون من كافة المكونات الاجتماعية لهذه الدوحة العظيمة، وكما تعرفون أن ذلك يضفي على المشهدية صخب ألوان بهيجة مهيجة على مزيد من المحبة محفزة إلى تلاحم اجتماعي ووجداني عجيب كنتم معه خير مصدق لمجاز الحديث النبوي الشريف في وصفه لتواد المؤمنين وتراحمهم وتلاحمهم «كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى». طلبتي أحبتي! ألتمس منكم عذرا إذا أطلت في توصيف ما كنتم عليه حقيقة فهيجت فيكم مشاعر الحنين إلى مقاعد الدراسة وأجوائها العطرة الشذية بكم الحب الذي كنتم تتقاسمونه، ولكني قدرت أن تكون الإشارة إلى ذلك في مستهل حديثي إليكم مهمة لأني أخاطب من أفترض أنهم فاعلون في المجتمع، كل في ضفته الطائفية، وكل بحسب انتماءاته الفكرية، وكل بعطائه لوطنه ومواطنيه أجمعين كيفما كان موقعه وأنى كانت رؤاه. أعلم جيدا وأنا المتخصص في التاريخ أن قدر الإنسان أن يتجه قدما إلى الأمام، وأدرك جيدا مثلما تعلمنا من دروس التاريخ أن الأمم والجماعات البشرية تبحث عن المستقبل في القابل من الأيام وهذا هو الأمر الطبيعي والمنطقي، ولكني أسمح لنفسي في هذه اللحظة خلاف ذلك لأكون ماضويا وأطلب منكم أن تعودوا بالزمن عشرين عاما فحسب عندما كنتم طلابا على أهبة أن تتخرجوا من الثانوية العامة فستجدون بأن البحرين التي تحلمون بها، وأنا أيضا معكم أحلم، تقع هناك ولكن إن بقينا حبيسي المذهب مكبلين بالمصالح الطائفية فإننا لن نبني هذه البحرين التي نحلم بها كلنا. يجب علينا، واسمحوا لي أن أستعمل كلمة «يجب» لأنني لم أتعودها مع أي منكم، أن نعود إلى القيم المجتمعية التي كانت تحكم علاقاتنا قبل عشرين عاما لننطلق معا من تلك اللحظة الجميلة باتجاه المستقبل، ولا يعد ذلك حنينا إلى الماضي بصفته ماضيا وشذوذا عن منطق التاريخ وحركته المطردة، بل هو تأسيس جديد يتخذ من إرث آبائنا قاعدة صلبة يبني عليها ما يراكم الوعي المواطني مع الحس التاريخي مراكمة أرى فيها المناعة الطبيعية الأسلم والأنجع التي تقي دوحتنا البحرين من سوس الطائفية اللعين الذي أثبت التاريخ أنه ما نخر بنيانا اجتماعيا أو كيانا سياسيا إلا وأتى عليه ليجعله أثرا بعد عين ويخلفه عبرة لمن شاء الاعتبار، ولعل ما جرى في رواندا وفي البوسنة والهرسك وفي بورما شواهد لا يشكك في مصداقية دروسها إلا «من رحم ربك». المسألة وما فيها، أعزائي، أننا في وطن لا يقبل القسمة على اثنين، لن تكون البحرين يوما لطائفة دون أخرى مهما سمعتم من هذا الكلام الغارق في ظلامه، البحرين للشيعي مثلما هي للسني ولليهودي مثلما هي للبهري، وعندما نقتلع من رؤوسنا المفردات العنصرية الدخيلة مثل «أصلي» و»مجنس» فساعتها ستبقى البحرين موئلا للتسامح والمحبة ومكانا مناسبا للعيش المشترك مثلما كانت أبدا. نحن نكمل بعضنا البعض، والبحرين من دون أحد منا لن تكون البحرين التي نرغب أن تكون. فهل يرغب أحد منكم في التنكر لعلاقاته مع صديقه الآخر؟! أعزائي إنكم تعلمون علم اليقين مدى الشرخ الذي حدث بعد الرابع عشر من فبراير وتشعرون ألمه لا ريب، ولا أشك قيد أنملة في أن لكل واحد منكم موقفه، فممن التقيتهم أو سمعت عنهم وجدت أن هناك من وقف ضد ما جرى جملة وتفصيلا، ومنكم من وقف مع ما حدث، بل إنه قد فرط في أشياء في نكران للذات، ولكل في ذلك أسبابه التي لا أعلمها، ولكنني أدفع بيقينية حكمي على أن أكثركم قد هرب إلى غطائه الطائفي لكي يحتمي من غول الطائفية المقيت الذي غزا مجتمعنا على حين غرة. يخامرني شعور بأن سؤالا يدور في رؤوسكم، وأنا الذي أعرفكم حق المعرفة، والسؤال إذا صدق ظني هو: «ما العمل والحال قد بلغت ما بلغته من السوء؟» ولكن لضيق المساحة أرجأ طرح هذا السؤال مع غيره من الأسئلة إلى حلقة ثانية مكملة لهذا المقال، ودمتم سالمين.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا