النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10760 الإثنين 24 سبتمبر 2018 الموافق 13 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

معضلة القوى الوطنية التقدمية

رابط مختصر
العدد 8487 الخميس 5 يوليو 2012 الموافق 15 شعبان 1433

من أهم ملامح الانتفاضات التي عمت العديد من الاقطار العربية افتقارها الى القيادة السياسية الجامعة القادرة على قيادة الحدث والمنسجمة مع فحوى الحراك وأهدافه السياسية والاجتماعية. فجوهر المطالب التي التفت حولها الملايين من الناس يتصل بالعدالة السياسية والاجتماعية، والانتقال من حكم الحزب الواحد والجمهورية الوراثية الى نظام أكثر عدلا يلبي طموحات المواطنين في العيش الكريم والتوزيع العادل للثروة والتداول السلمي الديمقراطي للسلطة. ومن الطبيعي ان تكون القوى الحاملة لهذه المطالب بهذا الجوهر هي القوى السياسية التقدمية والوطنية المؤسَّسة من خارج الاطار الديني والمذهبي والمسؤولة موضوعيا عن قيادة الشارع بمكوناته وفئاته الاجتماعية ذات المصلحة في التغيير، الا أن ذلك لم يتحقق وبدت هذه القوى عاجزة عن أن تفي بهذه المسؤولية التاريخية، بل وأصبح بعضها في ذيل التطورات، يلهث باحثا عن دور ما بالمساومة على مبادئه مع القوى التي تصدرت المشهد وتقف على النقيض من فكره وأيديولوجيته. إن واقع القوى الديمقراطية التقدمية على امتداد المساحة العربية يعبر عن مأزق بنيوي وفكري عميق. ولكي لا نتجنى على هذه القوى التي تصدت لمهمات النضال الاجتماعي والسياسي التحرري والتحديثي منذ عشرينيات القرن الماضي، لا بد من الاشارة الى الاضطهاد والقمع الدموي والسياسي الذي تعرضت له هذه القوى على أيدي المستعمر والأنظمة القمعية المتوالية ومن القوميين الشوفينيين في مراحل مختلفة من تاريخ المنطقة، وكانت غالبيتها تعمل في ظروف السرية المعقدة، وتعرضَ أبناؤها للاعتقالات والملاحقة والتشرد في المنافي والتشهير وفتاوى الردّة. ليست هناك دولة عربية لم تضطهد الوطنيين والتقدميين، بل وكان التنسيق الأمني في الغالب هو لملاحقة هذه القوى، وغلق الحدود أمامها واختطاف عناصرها واغتيالهم. الدول الغربية التي ترفع عقيرتها اليوم دفاعا عن الحرية كانت طرفا أساسيا في حملة الاضطهاد هذه مباشرة وعبر خبرائها في الأجهزة الأمنية، وكانت توصد الأبواب أمام التقدميين العرب في حين أنها احتضنت أبوحمزة المصري وقيادات السلف والإخوان، وأولئك الذين تلطخت أيديهم بدم الضحايا في السجون والمعتقلات. وتسابقت الأنظمة الى احتضان الاسلام السياسي ودعمه ماديا وسياسيا في مواجهة قوى التقدم التي رأت فيها تهديدا لفسادها وسطوتها الاقتصادية والسياسية وتواطؤها مع الاحتكارات الأجنبية. هذه السياسة الخرقاء فتحت الطريق الى تغلغل الفكر التكفيري الاقصائي حيث وُظفت وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية في خدمة هذا التيار من خلال البرامج الدينية، كما استبيحت المنابر الدينية والمدارس لنشر فتاوى الجهل والارتداد الاجتماعي، وأضحت المرأة والجنس الشغل الشاغل للعقول التي تولت توجيه الدعوة الدينية والمجتمعية. في هذا الانفلات غير المسبوق لهذا التيار كانت قوى الاسلام السياسي تنشط في حشد الاعضاء والمناصرين بعد أن تهيأت الأنفس, بالتزامن مع رشوة الناس البسطاء والمدقعين ببعض الفتات من المواد التموينية وبعض الخدمات التي كانت تموَّل من واردات الاشتراكات والتبرعات والهبات ومردود النشاط الاقتصادي للبنوك والمؤسسات المالية والتجارية المملوكة لتنظيمات الاسلام السياسي في البلاد العربية والاجنبية بما فيها الديمقراطيات العلمانية الأوروبية. لم يكن للقوى الديقراطية التقدمية أن تنتعش في هذا الواقع الذي أريد منه تغييب الوعي الوطني والاجتماعي ومحاربة كل مظاهر الحضارة والزج بمجتمعاتنا الى الوراء باسم الدين الذي تمت مصادرته وتوظيفه في مواجهة الزمن والانسان. غير أن هذه الحقيقة هي جانب من المشكلة وليست كلها. فالقوى المعنية بالتغيير تتحمل مسؤولية ذاتية عن ما وصلت اليه من ضعف وتشرذم وضياع البوصلة عند الكثيرين منها، فلم تعد قادرة على مواكبة المنعطف التاريخي الذي نحن بصدده أو التاثير الحقيقي في مجرياته وتوجهاته، واتسمت تحركاتها بالبلبة والتناقض. في المثال المصري كان للتقدمين دور مؤثر في الميادين وتنظيم الحراك اليومي, ولكنها افتقدت الى الرؤية الاستراتيجية في البناء على هذا الحراك لتطويره وتحصينه من القوى التي عارضته في بدايته ودخلت في مناورات مع النظام ثم قفزت الى الميدان بعد تغير موازين القوى لصالح الانتفاضة. انعكس افتقاد الرؤية هذا في تحديد الخصوم والحلفاء، ولم تشفع حركة الجماهير في زعزعة عقدة الانقسامات العقيمة في البيت الوطني والتقدمي الواحد، ولم تفتح مخاطر انزلاق الحراك وانقسام الوطن المصري عيون قادة التنظيمات السياسية التقدمية وعقولها نحو توحيد الصف الوطني وتشكيل جبهة وطنية ديمقراطية تضمن الانتقال السلمي الى نظام سياسي واجتماعي يلبي أهداف الحراك وطموحات الغالبية الساحقة من الشعب المصري. في الانتخابات الرئاسية قدم اليسار ثلاثة مرشحين في حين أن المرشح الرابع المحسوب على التيار القومي التقدمي كان أوفر حظا وكان لزاما الالتفاف حوله لقطع الطريق على مرشح الإخوان والسلطة. لكن الواقع البنيوي للتنظيمات التقدمية لم يكن ليسمح بموقف عقلاني يقوم على علمية التكتيك والممارسة وفن ادارة التحالفات وتحديد الخصوم. وهذا ينطبق على الواقع التونسي والسوري واليمني، حيث تتشكل تحالفات لا يمكن تفسيرها بين قوى التغيير وقوى الاسلام السياسي الذي يناور بمهارة لابتلاع الدولة والمجتمع، ويوظف هذه التحالفات لتحقيق مكاسب ذاتية في مواجهة السلطة بالديماغوجية وبالدم إن تطلب الأمر. وفي البحرين لم تجد القوى الوطنية الديمقراطية ضرورة في توحيد تيارها بل آثر البعض التحالف المطلق مع التيارات المذهبية وانجرف الى حماس الشارع واحتجاجاته اليومية فلم يعد يقبل بالرأي الآخر الذي يدعو الى التهدئة والحوار غير المشروط والمقاربة الموضوعية للواقع الوطني والاقليمي, ولجأ الى قاموس التخوين ووصْم الغير بالانتهازية والتحريفية وغيرها من الأوصاف الجاهزة. في الحقيقة أننا نحن جميعا نتاج هذا الواقع الاجتماعي والتركيبة النفسية والقبلية والدينية والطائفية. فمهما كانت قناعاتنا السياسية وفكرنا الأيدولوجي لن نستطيع تجاوز عصبياتنا التي نشأنا عليها منذ الطفولة ومع أول صفعة على الوجه تلقيناها من آبائنا ومدرسينا ورؤساء أعمالنا. ليس من السهل التخلي عن تركيبتنا النفسية المعقدة في تناقضاتها مع معتقداتنا الفكرية والسياسية التي تتبنى الحرية والتعددية. ليس غريبا في هذا الواقع أن يكون في كل منّا شيء من دكتاتورية صدّام وجنون القذافي وأبوة رؤساء القبائل. ستبقى هذ الاشكالية قائمة لأنها موضوعية وذاتية، وستلقي بظلالها على الحراك المجتمعي ومخرجاته الى أن تتبلور شروطا أخرى ودماء جديدة أقل تلوثا بعقدة الاقصاء ونزعة الاستئثار والنجومية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا