النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10759 الأحد 23 سبتمبر 2018 الموافق 13 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

الوضع العربي بين العاطفة والواقع

رابط مختصر
العدد 8467 الجمعة 15 يونيو 2012 الموافق 25 رجب 1433

ليس لأحد أن يلوم الملايين من أبناء الدول العربية الذين ملأوا الساحات وبحّت حناجرهم بنشيد الأمل, وارتوت الأرض بدماء بعضهم, على ما نحن أمامه من واقع مفزع بدأ يرتد وبالا على صانعي الحدث هؤلاء, وعلى الدول ذاتها كيانا ومجتمعا ومصيرا. نعلم تماما بأن ما نقول لن يرضي البعض ممن جرفه التيار واخذته العاطفة والحماس, والتبس عليه الفعل والنتيجة. هناك من انبهر بالحراك وضجيجة والعصف الذي ضرب المنطقة, وهلل لصوت الرصاص والمدافع وقاذفات القنابل. إنهم ينتشون من صور المقاتلين مسلحين بكل وسائل القتل والتدمير ويمزقون جثث الابرياء ويغتصبون النساء, ويدعون «الأصدقاء» للتدخل بالمال والعتاد والرجال. إنها بالنسبة لهم «ثورة» لاسقاط الأنظمة وبشائر «الديمقراطية» التي لا بد وأن تأتي كحصاد أخير. لا لوم على البسطاء من العشوائيات والقرى والمقالع والمصانع وشوارع المدن, ولا على الشباب المغيب العاطل والمعدم, أو أولئك الذين قصم ظهورهم الفساد والاستبداد وسلطة المال. بل العلة في القوى السياسية التي انحدرت الى مستوى العامة وتاهت أمام هول الحدث وتنازعتها الانتهازية واغراءات السلطة والمال الفاسد, اللوم على المثقفين وأشباههم ممن اختلط عليهم الثقافي بالسياسي, وتعاطوا مع الأحداث بأدوات المثقف وعواطفه بدل أدوات التحليل السياسي والمنطقي. هناك بين هؤلاء من هرول الى الإثراء على حساب المبدأ يتنقل بين العواصم والشاشات والسفارات الأجنبية ويضج صراخاً وشعارات جوفاء, يرمي الوطن بسهام الغدر ويستجدي الدخلاء, فلتحترق الأرض وتبور كي تأتي المغانم وكراسي السلطة. لم يكن للنشوة من حدود, انتصرت «الثورة» في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا في الطريق, وهنا في بلادي هناك من استوطن الشارع منذ أكثر من عام في ثورة دائمة بانتظار ساعة النصر!! غير أن تونس التي اعتبرت أنموذجا للثورة السلمية والأسلوب الحضاري للتوافق في تشكيلات السلطة انكشفت عورتها أمام الأصولية والإرهاب وكذبِ الإسلام السياسي «المعتدل» الذي يمثله الغنوشي وتواطئه مع السلفيين المنفلتين بالسلاح لخنق الحريات الشخصية وتدمير الممتلكات العامة والخاصة, والاعتداء على الإعلام والإعلاميين والفنانين والجامعات. وفي ظل تردي الأوضاع المعيشية وازدياد عدد العاطلين عن العمل والشلل الاقتصادي وخاصة في القطاع السياحي, يمكن أن نتصور المصير الذي ينتظر المجتمع والدولة التونسية. في مصر يقترب المجتمع نحو الهاوية يدفعه اليها الصراع بين مختلف القوى السياسية وزحف الإخوان المسلمين والسلفيين على السلطة, وانتعاش بعض رموز النظام السابق جماهيريا, وتكتيكات مراكز القوى الأمنية والعسكرية, والمال المستورد والتدخلات الخارجية من كل لون. في اليمن تنزف الدماء وتقترب البلاد الى حافة المجاعة والحرب الأهلية, وتبقى مراكز القوى في الجيش والقبائل, ويكابر الرئيس السابق ويستمر في تقرير العديد من شؤون الحكم والدولة مباشرة أو من خلال أبنائه وحزبه وشيوخ عشائره, وتضيع سيادة الدولة بتدخلات أمريكية واقليمية. في سوريا ذاب الحراك الشعبي السلمي المشروع بأهدافه في التغييير الديمقراطي وإنهاء هيمنة الحزب الواحد والعائلة والطغمة الفاسدة من لصوص المال العام, في الحرب الدموية التي تورطت فيها أطراف عدة في السلطة وبعض المعارضة والقاعدة وأطياف من السلفيين ومرتزقة ومال وسلاح من كل صوب, ويتصاعد لهيب حرب أهلية تتغذى بتحضيرات لحرب تزداد احتمالاتها ولا يمكن لأحد التبؤ بنتائجها. السفيرة الامريكية لدى الأمم المتحدة سوزان رايس تعلن على الملأ بأنه «اذا لم يتخذ مجلس الأمن الدولي إجراءات سريعة للضغط على سوريا فان الدول الأعضاء في المنظمة الدولية قد لا تجد أمامها من خيار سوى التحرك خارج إطار الأمم المتحدة» وتؤكد دون لبس السيناريو الذي نحذر نحن منه, وتبتغيه رايس ومن تمثل وهو, حسب تصريحها, «أن العنف سيتصاعد والصراع سينتشر ويشتد, وتتورط فيه بلدان المنطقة ويتخذ أشكالاً طائفية على نحو متزايد, وتصبح لدينا أزمة كبيرة لا في سوريا وحدها وإنما في المنطقة كلها». هذا بعض من المصير الذي نهرول اليه بارادة البعض ورغماً عن إرادة الشعوب. ومع ذلك تجند الكثيرون من المنظرين وأصحاب الفتاوى يتهافتون على الشاشات ووسائل الإعلام الأخرى ينادون بالمزيد من المواجهة ويحشدون الراي العام العربي والعالمي والمنظمات الدولية في مجال حقوق الإنسان ليتناسق ذلك مع كل أشكال الضغوط النفسية والاقتصادية والسياسية على البلدان التي يستمر حجز أموال بعضها في البنوك الأمريكية والغربية. جميعهم مع «الثورات» العربية والديمقراطية وحرية الاختيار. إنه تناغم غريب بين معارضن ومثقفين من اليمين ومن اليسار والليبراليين والأصوليين والتكفيريين ورجال المال والسلطة. دول ومنظمات دولية تعمل بمعايير مزدوجة, تناصر هذا وتخاصم ذاك حسب البوصلة الأمريكية والأطلسية, فنحن لا نرى مواقف ضد الاحتلال الإسرائيلي وجرائمه وقضمه المستمر للأراضي الفلسطينية, ولم نسمع يوما لا في هذه المنظمات ولا في الإعلام الغربي «الحر» أي صدى للتصفيات الجسدية الممنهجة للصحفيين والمعارضين في الهندوراس على إثر الإنقلاب المدعوم أمريكيا على رئيسها المنتخب عام 2009, ولا عن القمع الذي تمارسه الحكومة التركية ضد الأكراد المطالبين بابسط الحقوق القومية, وضد المثقفين والإعلامييين ممن يعارضون سياسات حزب الحرية والعدالة الداخلية والخارجية. لا صدى لمعاناة الناس وطموحاتهم في الحرية والعدالة في أي مكان يقع في دائرة الهيمنة الأمريكية والأطلسية إلا اذا كان يخدم استراتيجيات محددة. المعضلة في السياسيين الذين لا يرون أن البلدان العربية وفي مقدمتها مصر تواجه كارثة التمزق المجتمعي ودوامة عنف ليس آخرها الاعتداء على مقر المرشح الرئاسي أحمد شفيق وحرق مقره, وتهديدات مرشح الإخوان بأنه «سيدوس خصومه ويرميهم في مزبلة التاريخ», ورفض غالبية القوى لنتائج الجولة الأولى للانتخابات, والإعلان سلفا برفضها والنزول الى الشارع إن لم يصل مرشحها الى كرسي الرئاسة. أية ديمقراطية ستنبت في مجتمع بهذا التكوين الاجتماعي والايديولوجي والنفسي حيث سحقت النفوس باستبداد الأنظمة, و بقي الجهل والأمية سادة العقول, وتداخلت مصالح القوى السياسية بالمصالح الأجنبية, وتركت الجماهير المعنية بالتغيير مقسمة ودون قيادة وطنية جامعة وقادرة على ادارة معركة التغيير بأقل الخسائر ومن دون التفريط بالسيادة الوطنية؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا