النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10814 السبت 17 نوفمبر 2018 الموافق 9 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:27AM
  • المغرب
    4:48AM
  • العشاء
    6:18AM

كتاب الايام

أحـمـــــــد معـــــرفي

رابط مختصر
العدد 8433 السبت 12 مايو 2012 الموافق 21 جمادى الأولى 1433

سألته عما يعانيه من ألم في البطن قال وبصوت ممتلئ بالصبر: لم يعد الألم قوياً وإن اشتد سأذهب في الحال الى العيادة القريبة. قلت له ممازحاً ألا تعتقد ان ما اصابك ربما سببه عندما تأكل تمضغ سريعاً أو كما تقول دائماً لديك انحراف في المعدة. في الحال دفن رأسه في الوسادة وتبسّم وهو يطرد الوجع المرتسم في عينيه وقال: انحراف في المعدة ولا انحراف في الفكر. سررت كثيراً لما قاله وقبل ان اغادر غرفته الصغيرة المطلة على سطح البناية وعلى حارات دمشق الضاجة بعرق العمال ورائحة الياسمين وبنداءات الباعة المتجولين وبأدخنة المركبات وقهقهات رواد المقاهي وصراخ الاطفال قلت له: صدقت ومع ذلك ينبغي ان لا نهمل انفسنا؛ لأن كلما كنا في صحة جيدة كلما توفقنا في دراستنا الجامعية وهذا الانجاز صب في خدمة اهدافنا السياسية والوطن الذي نفتخر به وهل هناك اغلى من الوطن؟ الذي تخوض معارك من اجل تقدمه وسيادته. في حينها تناول قرصين من المسكنات وشيئاً فشيئاً تراخت قبضة الألم على بدن أحمد معرفي المتكوّر في الفراش، وبعد قليل استسلم للنوم وراح أنفه الملموم يصغر كالقطار في فضاء تلك الغرفة التي تتسلها اشعة الشمس كل صباح. كم حزنت عندما وصلني خبر وفاته وما اكثر الصور والحكايات التي تجسّدت امام عيني لهذا النموذج الرائع الذي جمع بين الاخلاق الرفيعة والفهم العميق للماركسية والدفاع عن العمال والمرأة والمهمشين والحرية والديمقراطية والتقدم وجسّد قيم الوفاء والتضحية والتفاني. نعم شعرت بحزن عميق.. فما اشد الحسرة عندما تفتقد رفاق الدرب الذين ارتبطوا بهذه الارض وكان صوتهم يرتفع وبإصرار في وجه الاستبداد والظلم والظلام في سبيل نصرة الكادحين والتغيير. أجل كنت حزيناً كغيري من الرفاق على رحيل احمد الذي لازلت اتذكر حكاياته ونكاته وحرصه الشديد على بث الافكار اليسارية والتقدمية والشيوعية بين الحركة الطلابية في دمشق وفي الوطن. كنت أتساءل في أعماقي: ما الذي حصل له؟ لماذا كل هذه المعاناة التي ألمّت به؟ رحيل رفيقة دربه ورفيقتنا مريم التي ما ان غادرت الحياة حتى تركت في نفوسنا حسرة شديدة في حين كان معاناته بالفشل الكلوي ضاعفت من وحدته. في تلك اللحظة وأنا ارقد في المستشفى خاطبت نفسي بصوت خافت مليء بالتفاؤل: هذه هي الحياة اضواء تنطفئ وأخرى تزداد ضوءاً لتنير الوطن والمجتمع والحياة. أصمت قليلاً ثم سرعان ما أقول: كم كان أحمد مناضلاً شريفاً وعنيداً لا يتردد قط في الدفاع عن الفكر الماركسي وعن تاريخ جبهة التحرير ونضالاتها الطبقية والفكرية والسياسية والأممية.. كان أحمد مثقفاً واسع الاطلاع في الثقافة والادب والفكر والسياسة وعندما يتحدث كانت افكاره منتظمة في مخه.. كان نموذجاً طيباً للمثقف الثوري المرتبط بقضايا الوطن والمجتمع وتحرر الشعوب من قيود التخلف والاستغلال. لم يتلوّن قط ولم يحابِ أحداً اطلاقاً ولم يعرف الازدواجية ولا تيوانى في نقد ذاته ونقد التطرف السياسي والفكري والاصولية الدينية المتشددة واستبداد الانظمة. وعندما يتحدث عن المستقبل يتفجر تفاؤلا وإصرارا وعزيمة لمواجهة العواقب كان الوطن بالنسبة له كالحبيبة التي تحتل قلبه ووجدانه. هذا هو المعنى الحقيقي لأحمد وكل الشرفاء في الحياة النضالية وفي الحياة عامة. وعندما اتذكر تلك الشقة الصغيرة التي جمعتني به الكائنة في حي المزرعة بدمشق في مطلع سبعينيات القرن الماضي وأتذكر ايضاً قبو أبو سامر الواقع في منطقة بورمانه اقول في نفسي: ما اجمل تلك السنوات التي كانت بالنسبة لي ولغيري من الرفاق والرفيقات البحرينيات محطة زودتنا بمفاهيم الحياة المتطورة المستندة على الفكر الماركس اللينيني والتراث الانساني واللحاق بحركة التقدم نحو المستقبل.. ما أروع الرفاق كالمناضل ابو سامر والراحل معرفي وغيرهم من التقدميين والشيوعيين من الدول العربية حينما كانوا مشاعل تنّور عقولنا وتضيء دوربنا للدفاع عن قضايا الشعوب من اجل حياة أفضل وغدٍ مشرق وسعيد، التفت صوب النافذة فإذا اشعة الشمس البرتقالية الواهنة تختفي وراء البنايات، في تلك اللحظة كانت رائحة الادوية والمسكنات تخنق الغرفة كان تفكيري معلّقاً بالذكريات فتذكرت – بعد كل هذه السنوات – ما قاله احمد عن خطورة الانحراف الفكري او بالاحرى ضياع البوصلة وبالفعل لو تمعنا المشهد السياسي في البلاد نجد ثمة من اليساريين والتقدميين تاهوا في لعبة الطائفية التي تسربت روائحها الكريهة الى كل قرية ومدينة ومن خلف الستار لا يزال هناك من يملك سر هذه اللعبة خدمة لمصالح لا علاقة لها بالديمقراطية!! وفي هذا المناخ راحوا يرفعون القبعات تحية للفكر الديني الطائفي المناوئ للتنوير والمدنية والتقدم سواء كان هذا الفكر محسوباً على ولاية الفقيه أو سلطة الحاكمية. مات المناضل معرفي.. ولكن افكاره لم تمت، العزاء لعائلته وأصدقائه ورفاق الدرب.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا