النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10478 السبت 16 ديسمبر 2017 الموافق 28 ربيع الأول 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:53AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    2:29PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

هواجس الآراء

نحو حركة إصلاحية مرجعتيها الدولة 2-2

رابط مختصر
العدد 8427 الأحد 6 مايو 2012 الموافق 15 جمادى الأولى 1433

لقد اصبحت علوم السياسة مادة استنباطية يقررها المتعلم والجاهل على حد سواء، دون الادراك بأن الظواهر السياسية الشديدة التعقيد ليست مجالا للتسلية، والسياسة لا تعني مجرد معارضة النظام السياسى او اتباع منهج النقد الدائم للسلطة السياسية، لسبب ان السياسي يبقى عاجزا ما لم يدرك الظاهرة السياسية بأبعادها المعقدة والتي تنتج في العادة عن العلاقات الإنسانية المتشعبة التي تقوم على مجموعة من المعطيات المتداخلة بعضها ببعض، فالمعطيات الاجتماعية والاقتصادية والجغرافية والتاريخية والديمغرافية وغيرها تتضافر جميعها لتكون مؤشرات الواقع السياسي باعتبارها المؤثر الفعلي للعملية السياسية، لذلك يتطلب عند دراسة الواقع السياسي الاستعانة بكافة العلوم الاجتماعية والانسانية، إذ ان كلاً من هذه الابحاث والعلوم تتناول دراسة الظواهر الاجتماعية من زاويتها الخاصة والاستعانة بها تمكن السياسي من التعرف على الظواهر السياسية، لذا نستطيع الجزم بأن منهج البحث العلمي اكثر صوابية من المناهج الاخرى التي تستنبط رأي بعض الاشخاص او بعض المواقف والاحداث التاريخية في تعميمها على الواقع السياسى الراهن، ومن هذا المنطلق نفهم العمل السياسي على انه تنظيم اجتماعي وتوطيد لوجوده، كون المجتمع هو مجال الانشطة المختلفة، والسياسة هي احدى مميزات التنظيم الاجتماعي، كما ان الانظمة والمؤسسات السياسية لا تنشأ إلا في الوسط الاجتماعي، وعليه فإن تيارا او حزبا سياسيا او نظاما حاكما لا يأخذ بمعطيات الواقع الاجتماعي لا يمكنه ان يعمر طويلا لأن البنية الاجتماعية غير المعبر عنها في النظام او الحزب او التيار السياسي تشل عمل مؤسساته، خاصة إذا كانت الحكومة او المؤسسة السياسية في غربة عن الواقع الاجتماعي، لذا يجب مراعاة هذا الواقع الاجتماعي للثأثير فيه وعدم التقوقع فى اطاره لكي تمتلك القدرة على التطوير. ان هذه الاسباب تجعلنا ندرك تماما بأن القوى السياسية داخل المجتمع هي في الواقع قوى اجتماعية مسيسة، فهي اجتماعية من حيث المنشأ وسياسية من حيث الاهداف التي تسعى اليها، ومن خلال هذه المعطيات نكتشف العلاقة الوطيدة بين السياسة والمعطيات الاجتماعية للظاهرة السياسية، ولا يمكن دراسة الظاهرة السياسية مجردة عن الوسط الاجتماعي الذي نشأت وتطورت فيه، فلا يكون بمقدورنا التعرف على الحياة السياسية بمجرد دراسة القواعد الدستورية التي يرتكز عليها النظام السياسي، ويتضح من خلال بحثنا لمنهجية التحليل السياسي وما ينتج عنها من مواقف وآراء لتعبيرات عناصر وقوى الاصلاح الديمقراطي بأننا لسنا بعيدين كثيرا عن القوى الأخرى، فنحن لم نعتمد وفق هذه الرؤية منهج البحث العلمي في تحليلنا السياسي وما ينتج عنه من مواقف تكون في اغلبها ارتجالية تنبع اما بفعل عوامل التأثيرات المحيطة او بفعل وهم المعارضة، ولكن اية؟ معارضة هل المعارضة التي تأخذ بمبدأ الاصلاح في بنية الدولة كمرجعية نطمح لتحقيقها من خلال فهمنا لمقومات الدولة القانونية كتعبير حقوقي يستظل تحتها جميع المواطنين دون اي تمييز، والتي تقدم المشاريع للمشكلات اليومية؟ او تلك المعارضة التي تستنبط المواقف من هنا وهناك لتشكل اسلوبا للتعبئة فقط؟ إن تشخيصنا لواقعنا الاجتماعي يشير الى أن معطياته السياسية والمنهجية تقودنا نحو تاصيل مرجعية الفكر الطائفي، الذي تغيب فيه محاولات الاصلاح السياسي، ويتم من خلالها تغييب المرجعية الوطنية التي نراها شاخصة في الدولة القانونية على اعتبارها الشكل الاهم والابرز والاكمل للحياة الجماعية باعتبار الدولة القانونية من صنع الانسان وتمثل إرادته وتعبيرا عن نتاج عقله، وهي الظاهرة السياسية الاساسية التي ينتظم في إطارها العمل السياسي الذي ينطلق من التلازم بين الدولة والمجتمع، بمعنى ان المجتمع لا يكون مجتمعا إلا بعد أن يتجسد في كيان حقوقي، ونلاحظ هذا التأكيد في الانظمة الليبرالية والديمقراطيات العريقة، وهو منهج تؤكده جميع النظريات حول مفهوم الدولة بما فيها الماركسية التي تقوم على مبدأ زوال الدولة عندما تشدد على العلاقة بين الدولة وعناصر المجتمع الاخرى كونها البنية الفوقية للمجتمع. علينا ان نميز الدولة عن السلطة كتعبير عن القدرة القائمة على قواعد قانونية، ويجب ان تخضع لقبول المجتمع، فوجودها يرتكز على كون الجماعات المشكلة للمجتمع تقبل صراحة او ضمنا بهذه المؤسسات، وعندما يقبل المجتمع بتلك القوانين والحقوق باعتبارها شرعية اي انها قائمة على الشرعية الدستورية كعقد بين الحاكم والمحكوم وفق الارادة الشعبية التي تشكل السيادة والمرجعية القانونية والحقوقية الوحيدة على اعتبار الدولة اطارا دستوريا وحقيقة سياسية نابعة من إرادة العيش المشترك في إطار التنظيم السياسي الذي بواسطته تؤكد جميع الفئات والجماعات وحدتها السياسية باعتبارها المكون الرئيسي للدولة وفق عناصرها الرئيسية وهي الشعب والارض والسلطة السياسية، والتي تولد الشعور بالانتماء الى الوطن بصفتهم مواطنين وليسوا اجانبا، فالمواطن حسب مفهومنا هو الشخص الذي يرتبط بالدولة برابط قانوني هو الجنسية التي يحرم سحبها او اسقاطها تحت اي ظرف كان، الى جانب عدم منحها إلا وفق قوانين وشروط واضحة، تقتضيها المصلحة الوطنية على اعتبار المواطنين هم الاعضاء المشاركون في المجتمع السياسي الذي يكون الدولة، والمواطنون الذين يمثلون شعب الدولة يشكلون احد العناصر الهامة والضرورية لقيام الدولة. إن مرجعية الدولة لا يمكن ان تتحقق ما لم تقم على احترام القانون المعبر عن الارادة الشعبية والدولة التي ترفض مبدأ الاكراه، وتعزز مبدأ الاستفتاء كأحد معايير الشرعية الى جانب احترام القواعد القانونية وعلى الاخص الدستورية، بحيث يتم التوافق في العلاقة بين البنى السياسية والبنى الاقتصادية والاجتماعية، مع الاخذ في الاعتبار الصراعات الناتجة عن تضارب المصالح الطبقية كحالة طبيعية لقانون التحولات الاجتماعية، وهذا المؤشر يقودنا لرفض منطق استخدام الدولة كأداة لضمان سيطرة فئة اجتماعية على الفئات الاخرى من خلال سيطرتها على المؤسسات السياسية والمدنية، وذلك لاعتقادنا بأن الدولة يجب ان تكون أداة توحيد منفصلة عن المصالح الفئوية باعتبارها القوة التي تعمل في سبيل الشعب بمختلف فئاته واعراقه وانتماءاته دون اي تمييز، حيث ان للدولة وظيفتها الاساسية وهي تحقيق الانصهار الوطني والتلاحم المجتمعي، وهذه فلسفة متفق عليها بين جميع المذاهب الفكرية بما فيها الماركسية التي تؤكد على إدانة السلطة وحتمية زوال الدولة وفي هذا الصدد يقول المفكر الماركسي -نيكوس بولانتزاس- احد اصحاب المذهب الماركسى الجديد -في كتابه السلطة السياسية والطبقات الاجتماعية- إن «الدولة تقوم بوظيفة فريدة إذ تشكل العامل الذي يحقق تماسك مستويات التكوين الاجتماعي»، ونظرا لاهمية هذا الموضوع لا بد من توضيح جزئية زوال الدولة في المفهوم الماركسي كمقولة يراد بها التأكيد على أن الدولة هي وليدة الصراع الطبقي، ويعني ذلك انها ستزول بزوال هذا الصراع، وزوال الصراع الطبقي يقتضي زوال المجتمع السياسي وانصهاره في المجتمع المدني، وهي العملية المحورية للتقدم نحو المساواة المطلقة. إن التطورات الكونية الجارية من حولنا تحتم علينا جميعا أن نغادر عقليات القوة والبهلوانات، والبالونات الاعلامية الكاذبة، والعبارات المخادعة ومرجعيات الاشخاص والتأكيد على مرجعية الدولة القانونية وسيادة القانون والمجتمع، ودولة المساواة والعدالة والدولة القادرة على تلبية متطلبات المجتمع، والتي تؤسس على قاعدة يحترم فيها الانسان ويكون المواطن احد مكوناتها الاساسية، وتعتمد مبدأ مرجعية السيادة الشعبية فى التشريع والقانون كمصدر وحيد، والاخذ بمبدأ فصل السلطات وإخضاع السلطات القضائية والنيابية للارادة الشعبية، بحيث يتمكن الشعب سحب الثقة من القضاة والنواب باستفتاء شعبي، ومما يعزز الاعتقاد بمرجعية الدولة عندما يسود الحق في التعبير وابداء الراي وحرية الصحافة ووسائل الاعلام الاخرى، واحترام المؤسسات الرقابية دون اية قيود او شروط. ان مرجعية الدولة القانونية، تحتمها الضرورات التاريخية التي تضع علامات استفهام كبيرة حول مبدأ السيادة الوطنية، فلم تعد الحدود الجغرافية تشكل سياجا امنيا، واصبح الاكتفاء الذاتي غير ممكن على الصعيد الاقتصادي الذي يتجه نحو العولمة من خلال تداخل الاقتصاد العالمي والخضوع لقوانينه وشروطه، ونلاحظ ذلك من خلال الازمات الاقتصادية العالمية وانعكاساتها على مختلف بلدان العالم، ويتجلى مبدأ انتقاص سيادة الدولة ببروز التكتلات الاقتصادية والسياسية والعسكرية والتيارات الفكرية الداعية الى تجاوز الاطر القومية الضيقة وإقامة أطر سياسية عالمية دون اعطاء اي اعتبارات لكيانات دولة السيادة وفق المفهوم التاريخي القديم، ويتضح ذلك جليا من خلال توسع الاتحاد الاوروبى والولايات المتحدة وهيمنتها السيادية على العالم. إن جميع المشاكل والازمات المتراكمة في الاوضاع الطبيعية، هي نتيجة لغياب الدولة القانونية وسيادة القانون الذي يؤدي الى انحياز الدولة لفئة على حساب باقي افراد المجتمع، مما ينتج عنه التلاعب بالقوانين والمحسوبية وازمات البطالة والفساد الاداري والمالي والازمات الدستورية وسطوة المؤسسات الامنية، والحط من كرامة المواطن وغياب حقوق المواطنة وتحديد سلطة المؤسسات الدستورية، واعتبار الديمقراطية مجرد عبارات جميلة مسطرة على الورق. إن الحركة الاصلاحية يجب ان تحلق ضمن هذه الدائرة الاصلاحية في بنية الدولة ومؤسساتها من خلال كشف الخلل والمطالبة بإصلاحه وصولا الى تحقيق مرجعية الدولة القانونية، وقد تجعلنا هذه الاسباب وغيرها أن نعيد النظر في مفاهيمنا وقيمنا وتوجهاتنا وقناعتنا حول الوحدة الوطنية ومرجعياتها التي نطمح لتحقيقها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا