النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10816 الاثنين 19 نوفمبر 2018 الموافق 11 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:39AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

التاريخ الإسـلامي صانــع العقل العــربي

رابط مختصر
العدد 8418 الجمعة 27 إبريل 2012 الموافق 6 جمادى الأولى 1433

مناهج تدريس التاريخ الإسلامي في صفوف مراحل التعليم العام، لها أكبر الأثر في صياغة عقلية الطالب وتشكيل وجدانه وتوجيه سلوكه وتنمية وعيه بالماضي وبالتالي تصوره للحاضر والمستقبل كما ان لها الإسهام الأكبر في تشكيل نظرة الطالب للشعوب الأخرى ومدى تقبله الآخر وتسامحه معه، والتاريخ من جهه أخرى له دور بارز في تقوية الانتماء الوطني للطالب تجاه مجتمعه ودولته ونظامه السياسي الحاكم، ومن هنا كانت أهمية بناء مناهج تاريخية تقوم على رؤى متوازنة وموضوعية وذلك من خلال ذكر ايجابيات وسلبيات أعمال وانجازات الشخصيات التاريخية، بهدف تكوين عقلية فكرية نقدية لدى الطالب وتعويده على ممارسة مهارة الفكر النقدي الحر منذ المرحلة الإعدادية المبكرة، صياغة مناهج التاريخ الإسلامي، أخطر من أن تترك للمؤرخين بل يجب أن يشارك فيها كافة المعنيين بتشكيل شخصية الطالب منذ النشأة الأولى، لكن الحاصل اليوم أن تدريس التاريخ الإسلامي عبر مراحل التعليم العام وفي معظم البلاد العربية، يتم تدريسه ـغالباً ـ طبقاً لمنهجين سائدين: 1. التركيز على التاريخ السياسي أي تاريخ الحكام والملوك والقادة وحروبهم وغزواتهم وانتصاراتهم وبطولاتهم وأمجادهم مع تغييب وإهمال التاريخ الاجتماعي وتهميش دور الجماهير والشعوب العربية والإسلامية في صنع التحولات والإنجازات والانتصارات، فأصبح تاريخنا تاريخ الملوك والقادة لا تاريخ الناس الذين عاشوا وواجهوا تحديات بيئية ومجتمعية وتغلبوا عليها عبر مراحل تاريخية متعددة. 2. التركيز على المؤامرات والدسائس التي قام ويقوم بها الأعداء لإحداث الفتنة واثارة الفرقة والانقسام وتاجيج الطائفية والمذهبية بين المسلمين بهدف شق وحدتهم وافساد ذات بينهم وتأليبهم على بعض وتقويض دولتهم وإضعاف دينهم وتذويب شخصيتهم تمهيداً لاحتلال أوطانهم والاستيلاء على مواردهم وإضعاف دينهم والتحكم في مقدراتهم وهكذا يخرج الطالب الدارس للتاريخ الإسلامي بتصورين مشوهين: تصور أن هذا التاريخ الطويل ما هو إلا تاريخ الخلفاء والقادة وحروبهم المستمرة مع الأعداء الطامعين، إلى عصرنا الحديث، تصور أن تاريخنا المجيد ما هو إلا مجرد سلسلة طويلة من الدسائس والمكائد والمؤامرات التي يحيكها الأعداء لاستهداف الدول العربية بهدف تقسيمها إلى دويلات يسهل التحكم فيها والاستحواذ على مواردها، وكان من نتائج تدريس التاريخ وفق هذين المنهجين، إنتاج عقلية عربية عامة عندها القابلية الشديدة لتصديق أوهام التآمر العالمي على الإسلام والمسلمين، انظر على سبيل المثال إلى ما يحصل في الساحة المصرية كيف تنقاد جماهير مصرية عريضة وتؤمن جازمة بما يقوله المرشح السلفي الشيخ حازم أبوإسماعيل بعد أن استبعدته اللجنة من سباق الرئاسة، يصرح هذا الشيخ علناً وعلى الملأ أن الرئيس الأمريكي أوباما جمع مستشاريه ومخابراته لأمر جلل، هو وضع «خطة بديلة» للتعامل مع ملفات الشرق الأوسط تحسباً لنجاح «أبوإسماعيل» ووصوله إلى كرسي الرئاسة المصرية، واتهم المجلس العسكري واللجنة المشرفة بأنهما خاضعان لإملاءات المخابرات الأمريكية التي لا تسمح بوصول رئيس إسلامي مثله لسدة الحكم! لماذا؟! خوفاً على إسرائيل! لذلك لجأت أمريكا إلى تزوير مستندات حصول والدته على الجنسية الأمريكية حتى تمنع وصوله إلى الرئاسة! القضية الموجعة، ليس فيما يعتقده ويصرح به أبوإسماعيل بهدف الضحك على الجماهير والتلاعب بعواطفهم الدينية، بل تلك الحماسة والقابلية للجماهير العريضة لكل ما يقوله أبوإسماعيل عن نظرية المؤامرة ضده! بل استعدادهم للتظاهر والعتصام ومحاصرة اللجنة العليا للانتخابات، أي ان تلك الجماهير مستعدة لأن تدوس القانون والعدالة وتضحي بنفسها في سبيل انجاح مرشحهم المحبوب، تلك العقلية النمطية الشائعة وهذه النفسية المسكونة بأوهام المؤامرات والدسائس ما هما إلا إفرازات أو محصلة مناهج تاريخية غير متوازنة صورت العالم والتاريخ كله مؤامرة خارجية ضد العرب، ورسخت في البنية المجتمعية القابلية الشديدة لتصديق أي داعية أو ناشط ديني أو سياسي يبحث عن النجومية والشهرة أو رئيس دولة مأزوم فشل في حل مشاكل دولته مثل الرئيس السوري الذي يرى في ثورة شعبه ضده مؤامرة خارجية!. لقد أفرزت تلك المناهج عقلية عامة من أبرز سماتها وخصائصها: 1. تقديس الشخصيات والرموز السياسية والإسلامية باعتبارها الصانعة للأحداث والحامية للأوطان والمقدسات، فلا نندهش من ولع الجماهير بتلك الرموز، الأمر الذي خلق تركيبة ثقافية هشة لمجتمعاتنا لا تحصنها في مواجهة عوامل الاستبداد والعنف والفساد والتطرف الديني، هذه المجتمعات التي تعلق آمالها بالرمز السياسي والديني إنما تغامر بمستقبلها حينما ترهنها بإرادة الفرد البطل الشعبي المحبوب صاحب الكاريزما الجماهيرية، وهذا هو المعوق الأكبر أمام نهضة مجتمعاتنا وتقدمها، وهذا الموقف لا يقتصر على الرموز التاريخية الماضية أو الحاضرة بل له امتداد مستقبلي في الايمان. 2. تمجيد الذات وتضخيمها مع بخس الحق التاريخي للآخرين، ففي تدريس التاريخ نحشي ذهن الطالب بأمجاد ومآثر وفضل أمته على الشعوب الأخرى مع المبالغة والتركيز والبعد عن إيضاح أخطائنا التاريخية تجاههم، ومن الطبيعي أن يشب هذا الطالب وقد امتلأ بفكرة قومية أو عنصرية ودينية متطرفة تجاه الشعوب الأخرى، وإلا ما جدوى التباهي بتوسع الإمبراطورية الإسلامية في عهد هارون الرشيد والتفاخر بمقولته «امطري حيث شئت فسيأتيني خراجك». 3. إقصاء الآخر المختلف دينياً أو طائفياً أو مذهبياً أو قوميا، لأنه إما ان يريد بنا شراً أو يتآمر ضدنا ولا يأت منه خير أبداً وإما لأنه مشكوك في عقيدته فهو ضال أو مبتدع أو منحرف فلا يؤمن جابنه ولا يوثق يإيمانه وأمانته، ومن يطلع على كتب الملل والنحل التاريخية يخرج بفكرة شديدة الانغلاق، هي ان العقيدة الصحيحة واحدة، أصحابها من أهل الجنة أما بقية الفرق الإسلامية فهم ضالون ومصيرهم النار، الإيمان بهذه الفكرة يكوّن عقلية متعصبة يسهل انزلاقها إلى التطرف والعنف. 4. قبول ممارسة التمييز ضد المرأة مجتمعياً والعمل على تهميش دورها في الشأن العام وعدم الثقة بها في المناصب القيادية، فالمرأة في تاريخ المجتمعات العربية، كائن ناقص مسلوب الإرادة خلق لخدمة الرجل وامتاعه وتربية أولاده فقط. 5. لوم الآخر وتحميله مسؤولية تردي أوضاعنا قديماً وحديثاً، وتفسير كافة السلبيات التاريخية بتحميلها على الأعداء المتربصين، مثل تحميل عبدالله بن سبأ اليهودي مسؤولية الفتنة الكبرى اعتماداً على رواية المؤرخ سيف بن عمر التميمي الذي قال ان ابن سبأ تمكن خلال سنتين من تأليب الأمصار على عثمان فانقاد له بعض كبار الصحابة وتمكن من إفساد الصلح بين علي وعائشة في معركة الجمل، علماً بأن سيف هذا بإجماع علماء الحديث «وضاع» و«كذاب». العقل العربي هو محصلة هذا التاريخ أو بالأخص حصيلة ونتاج المنهج المتبع في تدريس التاريخ إيجاباً وسلباً، وعقليات الأمم المختلفة إنما تتشكل انفتاحاً أو انغلاقاً بنمط المنهج التاريخي المتبع في كل أمة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا