النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10817 الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 الموافق 12 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

الإسلاميون والتقية السياسية!

رابط مختصر
العدد 8411 الجمعة 20 إبريل 2012 الموافق 28 جمادى الأولى 1433

من يتابع معركة الانتخابات الرئاسية المصرية والجدل الدائر حول المواصفات المطلوبة في الرئيس المصري القادم يخرج بكثير من الدلالات والعبر السياسية من أبرزها: الجدل الساخن حول جنسية والدة المرشح السلفي الشيخ حازم أبوإسماعيل والغزل السياسي الدائر بين اخوان مصر وواشنطن، فيما يتعلق بالموضوع الأول يكشف تقرير لصحيفة نيويورك تايمز أن الشيخ السلفي الذي بنى شهرته السياسية على انتقاد السياسة الأمريكية في المنطقة واكتسب شعبية كبيرة بمناهضته للولايات المتحدة وبالتحريض ضدها وهي المؤهلات التي جعلته يحتل قمة السباق الرئاسي في مصر بحسب تعبير الصحيفة، اتضح أن والدته تحمل الجنسية الأمريكية وعاشت مع ابنتها -أخت المرشح أبوإسماعيل- المتزوجة من مواطن أمريكي في سانتامونيكا وذلك طبقاً لسجلات ولاية كاليفورنيا والموقع الالكتروني لتسجيل الناخبين في ولاية لوس أنجلوس. وفيما يتعلق بالموضوع الثاني حول علاقة الإخوان بأمريكا فالإخوان أنفسهم اليوم يعترفون بما كانوا يحاولون انكاره أو إخفاءه بالأمس حول طبيعة علاقتهم بالولايات المتحدة فقد كشفت واشنطن بوست مؤخراً وبعد أن رشح الإخوان المهندس خيرت الشاطر للرئاسة المصرية نكوصاً لتعهداتهم السابقة بعد الترشيح، أن وفداً من الإخوان ذهب إلى واشنطن لإجراء حوار مع مسؤولين بمجلس الأمن القومي والخارجية الامريكية وأعضاء الكونغرس وخبراء أمريكيين وذلك في اطار حملة دبلوماسية لطمئنة واشنطن بأن الإخوان ملتزمون بالديمقراطية والقانون واحترام حقوق الأقليات والمرأة وهم أيضاً ملتزمون بمعاهدة السلام مع إسرائيل وبإقامة علاقات جيدة مع الحليف الامريكي وسعى الوفد جاهداً ليظهر عقلانية ومرونة سياسية خلال زيارته متحدثاً الإنجليزية بطلاقة ومقتبساً آيات من القرآن الكريم ومن الكتاب الأمريكي الشهير العادات السبع للأشخاص الناجحين، وطبقاً لصحيفة الشرق الأوسط فقد أكد عبدالموجود درديري عضو الوفد: أن الحزب ملتزم بمبدأ مدنية الدولة وبأهداف الشريعة وليس بتطبيق أمور بعينها موضحاً الفارق بين إقامة دولة إسلامية وإقامة دولة مسلمة، وحول مناقشات الدائرة في مصر من تضمين الدستور الجديد كلمة مبادئ الشريعة أو أحكام الشريعة مصدراً للتشريع، أوضح درديري أن موقفهم هو اسخدام مقاصد الشريعة باعتبارها مبادئ عالمية مثل مبادئ حقوق الإنسان كما دافع عن حق الأقباط في تولي الوظائف العليا وفي بناء المساكن منتقداً عهد مبارك الذي ضيق على المسيحيين بحسب رأيه وقال: لو طلب أعضاء دائرتي في الأقصر من المسيحيين بناء كنيسة فسوف أكون أول من يدعمهم لأن الدين خيار إنساني ولا يمكن فرض دين معين طبقاً لقوله تعالى «فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر» وإذ لا خلاف مع هذا الطرح المتقدم إسلامياً فيما يتعلق بفهم الشريعة والموقف من غير المسلمين في الدولة الإسلامية لكن ما موقف الإخوان عامة من الغرب وأمريكا؟ يصرح خيرت الشاطر في أول ظهور إعلامي بعد ترشحه من الإخوان بالقول: انه لا مشكلة مبدئية مع صندوق النقد الدولي ولا مع شروط القرض البالغ 3.2 بليون دولار لكن مشكلته مع حكومته الحالية في ان أداءها غير جيد، ويضيف قائلا: علينا استعادة دور مصر الفعال يومياً والبحث عن المصالح المشتركة، ولسنا أعداء لأحد ولا نريد أن نكون تابعين لأحد، حسناً: هذا طرح عقلاني جيد كما انه نوع من النضج في التعامل مع القوى الكبرى وعلى مستوى العلاقات الدولية كنا ننتظرهما من الإسلاميين عندما يصلون إلى الحكم، لكن التساؤلات المطروحة على خلفية هذه التحولات السياسية: إذا كان الإسلاميون الحاكمون اليوم يطلبون ود الأمريكيين خاصة والغربيين عامة وأصبحوا حريصين على الظهور بمظهر العقلانية والعملانية والمرونة السياسية وصاروا يتكلمون بلغة المصالح المشتركة ويؤكدون بأنهم لا يعادون أحداً -وكل هذا من حقهم ـ ففيم كان تشنيعهم على الانظمة العربية الحاكمة قبلهم؟! وفيم كان هجومهم وتحريضهم وتخوينهم للحكومات والأنظمة السابقة؟! لقد عشنا دهراً طويلاً والمعارضة الإسلامية في كافة الدول العربية تملأ الفضاء ضجيجاً لا تكل ولا تمل عن رفع شعارات تخوين الأنظمة العربية وتحريض الجماهيرعليها واتهامها بالتقصير في مقاومة إسرائيل وأنها لا تدعم المقاومة وأنها تابعة للغرب وأمريكا بسبب علاقاتها بهما، خاضعة للإملائات الخارجية، تنفذ أجندتها في المنطقة في مقابل حماية أمريكا والغرب للأنظمة العربية الإستبدادية! إذا كان الكل اليوم يطلب الود من أعداء الأمس، فلماذا تلك الحملات الإعلامية المحرضة على الأنظمة العربية؟! بطبيعة الحال لم يكن الإسلاميون وحدهم يرفعون لواء تخوين الأنظمة العربية ولا وحدهم الذين كانوا يدعون احتكار الوطنية والدين بل كان هناك قوميون ويساريون تحولوا إلى أصوليين ثوريين معادين لأمريكا وروجوا طروحات بن لادن ضد الغرب وأمريكا واستغلوا مشاعر الكراهية الجماهرية للسياسة الأمريكية ولذلك للوصول إلى السطلة وكسب الجماهيرية والنجومية الإعلامية، الآن ليس الهدف من المقالة نقد مواقف الإسلاميين من أمريكا والغرب وأيضاً ليس الهدف الدفاع عن مواقف الأنظمة السابقة في علاقاتها الدولية، لكن الهدف إثبات أمرين: 1. بيان تهافت الشعارات التخوينية التي رفعتها المعارضة بكافة أطيافها: الإسلامية والقومية واليسارية في وجه الأنظمة السابقة باتهامها بأنها أنظمة عميلة متناسية أن منطق الدولة غير منطق المعارضة وأن الذي يصل إلى السلطة لا بد أن يحترم قواعد اللعبة الدولية ويراعي توازنات القوى وينبذ لغة العنتريات وأساليب المناطحة مع القوى الكبرى، لكن المعارضة لم تكن تجيد غير أسلوب تعبئة الجماهير وتحريضها مستغلة معاناة الناس وفساد السلطة واستبدادها لتشويه صورة الحكومات عبر تخوينها، في المقابل كانت الحكومات تثير فزع المجتمع الدولي بالمعارضة الإسلامية ودأبت على القول بأن المعارضة هي البديل الأسوء لها لأنها ستكرر نفس أخطائها بصورة أشد عندما تصل إلى السلطة. 2. رفع وعي الجماهير وتحصينه في مواجهة الشعارات السياسية فنحن أمة ضللتها هذه الشعارات طويلاً وزيفت وعيها وقادتها إلى الهزائم المنكرة ولم تستوعب الجماهير دروس الإخفاق والفشل فعسى أن تكون في فرصة تجربة الإسلاميين في الحكم ما يطور هذا الوعي ويساهم في انضاجه لتدرك الشعوب أن من هم في السلطة لا يختلفون: إسلامياً أو قومياً أو يسارياً فهم جميعاً خاضعون لمنطق السلطة وقوانينها مهما تظاهروا بالحرص على المبادئ والشعارات المعلنة! من حق المرشح السلفي المناهض لأمريكا أن يجادل في ان والدته حصلت على الجنسية الأمريكية ويقول أنها حصلت على الجرين كارت فقط وهذا قد ينجيه من الإقصاء لكن يطعن في مصداقية توجهه السياسي تماماً مثل الذي يحرض على مقاطعة أمريكا لكنه يرسل أبناءه للدراسة هناك أو يستثمر أمواله فيها! كما ان من حق المرشح الإخواني أن يبرر تغير موقفه من أمريكا من المناطحة إلى المصادقة ومن عدم الترشيح إلى الترشيح بـ»التقية السياسية» وباعتبارات «فقه المصلحة» ومراعاة توازنات المرحلة ومقتضيات المصلحة السياسية وأن السياسة مثل الحرب تقتضي المناورة والخداع وأن الغاية تبرر الوسيلة وغير ذلك من المبررات المسوغة لتغيير المواقف السابقة ولكن من حق الآخرين أن يقولوا: إذاً انتم طلاب سلطة وحكم ولا تختلفون عن الآخرين في ذلك، فلم تستخدمون سلاح الدين في شيطنة الخصوم السياسيين وتحرمون عليهم ما تبيحونه لأنفسكم اليوم؟! إنه منطق السلطة والاستحواذ والمغالبة!.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا