النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10760 الإثنين 24 سبتمبر 2018 الموافق 13 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

أم الخضــــر واللــــــــــــيف

رابط مختصر
العدد 8402 الأربعاء 11 إبريل 2012 الموافق 19 جمادى الأولى 1433

كنا صغاراً نلهو في النهار، لا نعود إلى البيت إلا عندما يخوفوننا من «كلبة القايلة «وإذا تأخرنا في الليل «فأم حمار» كفيلة بإرجاعنا إلى حضن أمهاتنا، واليوم وأطفالنا يشاهدون المسلسل البحريني «طفاش» فلا هم يخافون من «أم حمار» ولا «سلوم بوتيلة» ويتندرون ويضحكون مع علي الغرير «طفاش» وخليل الرميثي «جسوم» وبقية نجوم المسلسل. تغيرت الأحوال، وطفل اليوم ليس هو طفل الماضي ولن يكون كما هو الآن في الغد.. كان الليل في قرية الجسرة، خصوصاً في الصيف، حيث النوم على «السيم» أو «الدعن» في الهواء الطلق، وحفيف النخيل يجعل في قلوبنا الخوف، وأتذكر صوت جدتي لأبي «لطيفة بنت عامر بن حجي» يرحمها الله ويسكنها فسيح جناته وهي تخوفنا من «أم الخضر والليف» فمع الظلام وحفيف سعف النخيل الذي يجعل قلوبنا الطرية ترتعب، أتخيل دائماً أن شيئاً مجهولاً سيأتي، فاقترب أكثر من جدتي، وأشعر بالطمأنينة وهي تضع يديها على رأسي وصدري، فهي باعتبارها قد ألفت النخيل تدرك بأن هذه الشجرة المباركة لا يمكن أن تكون مصدر شر ولم يذهب الأولون بعيداً عندما أسموها «أم الخضر والليف»، ونحن نستقبل الصيف فقد بدأت بشائر الخير على يد هذه الشجرة المباركة، بوجود «طلع التلتال» وقام النخلاويون بتنبيت النخل، وقد بدأت النخلة في زينتها بقص الكرب الجاف من حولها وقطع السعف اليابس من أطرافها، وستبدأ بعد أشهر قليلة باستقبال «الخلال» أو «المخنن» على حسب قول أهلنا في الحد ثم «البسر» «فالرطب» بأنواعه وألوانه وأشكاله، وقد اعتاد البحرينيون على أن يتكحلوا «مجازاً» ببشرة الرطب، تبركاً وتيمناً بما تجلبه لهم هذه النبتة الطيبة من خير. يتفاءل البحرينيون بالنخيل وهو ما أكده لي، الزميل العزيز بوعلي «محمد المران» الذي أوحى إلي بالفكرة فمع وجود الرطب يبدأ شدو البلابل التي يتطلب الأمر من الجميع المحافظة عليها، وإلا انقرضت كما انقرض غيرها من الطيور، الرطب يعني الصيف يعني الخصب والنماء، وما أجمل وأسعد أن يأكل الانسان مما غرس في طينة بلاده، وينعم بخيرها وعطائها، فالبحرينيون أيضاً يتهادون بالرطب؛ خصوصاً أولئك الذين أنعم الله عليهم بالنخيل الباسقات، وهم يتهادون بأطيب أنواع الرطب «كالغرة»، و»الخلاص»، و»الخنيزي» وفي ذلك تعبير عن الحب، والايثار، والتقرب إلى الأهل والأصدقاء والجيران والمعارف، ورمزية ذلك تتجلى في خيرات «أم الخضر والليف».. هل من عاش في هذا الماضي الجميل، وامتد عطاؤه إلى يومنا هذا، يفكر في أن يسيء إلى النخلة، وأن يجعل سعفاتها حزينة وعذوقها يائسة، وجذعها يتألم، وتشعر وهي الشامخة بالانكسار؟! حاشا لله، فلا مكان للحزن ولا مكان للبؤس، ولا مكان للألم، ولا مكان للإنكسار في بلد المليون نخلة، في بلاد عرف أهلها بالسماحة والطيبة والتكاتف والتعاون والألفة والمودة والمحبة، والترحيب بالضيف والولاء للوطن، والايمان بالله الواحد الأحد الفرد الصمد وبرسوله الأمين الهادي محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم، البحريني يحب أن يغرس النخلة في بيته، يسر لمنظرها، يتفاءل بوجودها، وفي ذلك استمرار لعطائه وبذله بلا منة لبلاده وشركائه في الوطن، فلا هو اعتاد أن يغلق بابه ولا هو اعتاد أن يشوه جدرانه، ولا هو ألف تجاهل النظافة في شوارعه وطرقاته ولا هو اعتاد أن يلوث سماءه ويكدر صفو مائه، البحريني عرف عنه بعطفه على الصغير واحترامه للكبير، الجيران يربون الأطفال على المحبة والصفاء والوفاء وهم بذلك يشاركون الآباء في تربية أبناء المدينة والقرية والحي، وخوف الجيران على الأبناء كخوف الآباء على الأبناء فلا شباب يسهرون الليالي في الطرقات، ولا رجال لا يتحملون مسؤولياتهم ودورهم في حماية أسرهم ورعاية جيرانهم والتواصل مع معارفهم في أفراحهم وأحزانهم .. في جلسات مجالسنا وعندما كانت تدار بين الجلوس سلال الرطب، لأكل ما لذ وطاب، تدار أيضاً فناجين القهوة، ويعلم الأطفال كيف يكرمون الضيف، ويعودونهم على العمل النافع المفيد الذي يجعل منهم رجال المستقبل، ومن أبجديات هذا التعليم كيف تمسك «الدلة» باليسار، وتقدم فنجان القهوة باليمين وتبدأ بالأكبر فالأصغر سناً، بطيب خاطر وصفاء ذهن وعشق لمعرفة شيء جديد. وحدتنا النخلة، تشاركنا في حبها، تبادلنا المنافع فيما بيننا بسبب خيراتها، وستظل هي رمز عطاء هذه الأرض، ومصدر عزها وشموخها وجمالها، ومطلوب منا أن نكون مثلها أوفياء، فالوفاء من شيم الرجال في زمن عزت فيه مواقف الرجال. وعلى الخير والمحبة نلتقي

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا