النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10817 الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 الموافق 12 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

ومضات مضيئة من تاريخ البحرين الثقافي في القرن العش

رابط مختصر
العدد 8369 الجمعة 9 مارس 2012 الموافق 16 ربيع الآخرة 1432

السينمــــا أدَّت السينما دوراً مهماً في حركة التوعية الاجتماعية في البحرين. وكان لبداياتها المبكرة في تاريخ البحرين المعاصر أثره في رواج الحركة الفنية التي هي جزء لا يتجزأ من أمور الثقافة بمفهومها العام. وقد مهَّد وجود السينما في البحرين في سنوات العشرينيات والثلاثينيات الطريق لبزوغ الحركة المسرحية دون اعتراضات من قبل البعض الذي يرى في كل جديد بدعة. وقد امتصت محاولة فتح السينما في البحرين جام غضب أولئك الناس الذين اعتقدوا خطأ أنَّها من أعمال الشيطان، وأنَّها السحر المبين الذي لا يرقى إليه الشك، وأنَّ وجودها سيؤدي حتماً إلى جلب المفاسد ونشرها. إلاَّ أنَّه بمرور الأيام تبددت تلك المخاوف واطمأنت النفوس، واتضح للجميع أنَّ السينما هي أحد الفنون الترفيهية التي يحتاجها الناس. يرجع تاريخ المحاولات الأولى لفتح سينما في البحرين إلى العقد الثاني من القرن العشرين. فعلى الرغم من كون المجتمع البحريني حينذاك مجتمع صغير ومحافظ، وتتفشى بين أفراده الأمية، ويغلب عليه طابع الغوص والزراعة وهما الحرفتان اللتان تؤمنان له رزقه وقوت يومه، كما أنَّ نمط الحياة الاجتماعية يغلب عليه طابع البساطة. على الرغم من كل ذلك فقد كانت هناك ومضات مضيئة حفرت آثارها في ذاكرة الزمن بالنسبة لتاريخ البحرين المعاصر. ومن بين تلك الومضات المحاولة الأولى لجلب السينما إلى البحرين في وقت مبكر من القرن العشرين على يد محمود الساعاتي الذي يعتبر من بين أبرز المساهمين في تشجيع الحركة الفنية والترفيهية في البحرين. ففي عام 1922م استقبل أهالي مدينة المنامة نبأ تواجد سينما في كوخ يقع على ساحل البحر إلى الغرب من موقع محاكم البحرين القديمة حيث كان البحر يصل بأمواجه المتلاطمة إلى تلك المنطقة قبل ردمها في سنوات لاحقة من القرن العشرين. ويبدو أنَّ الساعاتي اختار هذه المنطقة بالذات لكونها المنطقة التي تنتشر فيها المقاهي الشعبية حينذاك والمبنية من سعف النخل (أكواخ). وكان الطواشون ـ تجار اللؤلؤ ـ والأهالي يترددون على هذه المقاهي في انتظار عودة سفن الغوص. صفت بالكوخ الذي هيأ كمقر للسينما ثلاثون كرسياً ووضعت لوحة خشبية كبيرة عبارة عن شاشة. وحدد سعر التذكرة بآنتين ـ وكانت الروبية تساوي 16 آنة ـ حيث يتم الدفع مسبقاً وتعطى للمشاهد قصاصة ورق صغيرة هي بمثابة تذكرة يحملها في يده للتأكد من أن المبلغ قد دفع. ورغم بدائية هذه التجربة إلاَّ أنَّ أثرها أخذ يزداد يوماً بعد يوم، وأخذ الحديث عمَّا يشاهدونه من أفلام تثير إعجاب واستغراب الجميع. وبدأ الناس في الشوارع والمقاهي والمنازل يتناقلون أخبار السينما وما تقدمه من عروض، مما زاد من شهرتها وتردد الناس عليها. وقد حقق محمود الساعاتي إنجازاً كبيراً بجلبه أول سينما في منطقة الخليج العربي محدثاً صدمة الاحتكاك الأولى مع معطيات الغرب في المجال الفني. أدَّى نجاح تجربة السينما إلى تبني الساعاتي فيما بعد تسجيل أصوات المطربين البحرينيين على اسطوانات وقد زاول عمله كوكيل للاسطوانات في البحرين في عام 1925م. وفي عام 1932م تمكن الساعاتي من أخذ موافقة المطرب المشهور محمد بن فارس ليسجل صوته على اسطوانات، وأن يتم ذلك في بغداد باعتبارها المكان المهيأ باللوازم المطلوبة للتسجيل. وإذا كانت التجربة الأولى البدائية تمت في العشرينيات، فإنَّ التجربة الرائدة في حقل السينما تمت في ثلاثينيات القرن العشرين. ففي عام 1937م شهدت البحرين فترة ازدهار اقتصادي من حيث العائد المادي من الغوص، ومن شركة نفط البحرين. وقد أدَّى ذلك كما ذكر مستشار حكومة البحرين حينذاك المستر بلجريف إلى محاولة بعض الشباب العرب فتح دار سينما بالبحرين تعود عليهم بالنفع المادي. وبالرغم من أنَّ فكرة فتح سينما بالبحرين فكرة قديمة إلاَّ أنَّ هناك مجموعة من كبار السن يعارضون هذا المشروع من منطلقات مختلفة. فبعضهم يرى أنَّها من الأمور المفسدة والتي ستؤدي إلى انحراف الشباب وبخاصةٍ أولئك الذين لا توجد لديهم مقدرة على شراء تذاكر الدخول. أمَّا البعض الآخر فإنَّه يرى أنَّها ستؤدي حتماً إلى فساد القيم المجتمعية، وعارضها البعض الآخر من وجهة نظر دينية صرفة. وعلى الرغم من تلك التوجسات فقد نجحت مجموعة من الشباب الواعد مكونة من عبداللَّه الزائد وعلي بن عيسى الخليفة وحسين يتيم في الاشتراك لتأسيس أول دار سينما في البحرين في عام 1937م بمدينة المنامة العاصمة، وأطلق عليها اسم (مرسح البحرين). وكان موقعها نفس الموقع الحالي لسينما الحمراء. وأول فلم افتتحت به السينما هو (وداد) بطولة أم كلثوم. تعتبر سينما مرسح البحرين أو سينما الوطني أو الوطنية كما عرفت فيما بعد تجربة رائدة في مسيرة السينما في البحرين والخليج العربي. وقد حصل عبداللَّه الزائد ورفاقه على موافقة حكومة البحرين تأجير الأرض التي أقيم عليها مرسح البحرين لمدة 99 سنة ابتداء من غرة شهر ذي القعدة سنة 1356هـ حسب السنين والتقويم العربي. وحدد أجار الأرض مائتا روبية سنوياً يدفع مقدماً بين أربعة أقساط كل ثلاثة أشهر خمسون روبية. أدَّى اشتراك نخبة من أبناء البحرين الطموح بتأسيس السينما إلى إضفاء أهمية عليها، حيث تمَّ جلب الأفلام العربية من مصر وعرضها للجماهير مما جعل لها مكانة في قلوب الناس من مختلف مدن وقرى البحرين لكونها تخاطبهم بلغتهم. وعين أحمد الشيراوي (والد يوسف الشيراوي وزير التنمية والصناعة السابق) مسؤولاً عنها حيث كان يقضي جلَّ وقته في الإشراف على نظافتها وترتيبها والاهتمام بالأفلام التي سيتم عرضها. زاد الإقبال على سينما الوطني بشكل ملفت للنظر باعتبارها السينما الوحيدة في البحرين، وأقبل الناس على مشاهدة العروض بشكل مستمر. ولكونها التجربة الأولى والجديدة في عالم الفن والترفيه فقد حظيت باهتمام الأوساط الشعبية، ونجحت على الصعيدين الفني والتجاري وحققت فوائد مرضية، وإن كانت تنقصها الكثير من المستلزمات الفنية إلاَّ أنَّها تبقى تجربة مثيرة وناجحة. ومن الصعوبات التي واجهت السينما ظروف المناخ، ففي الشتاء يزداد البرد حدة وقساوة وتتساقط الأمطار، وفي الصيف ترتفع معدل درجات الحرارة والرطوبة ولم تعرف البحرين حينها المكيفات وأجهزة التدفئة، مما حدى بأصحاب المشروع إلى تأسيس مبنيين أحدهما صيفي والآخر شتوي. فأمَّا المبنى الصيفي فهو عبارة عن مساحة كبيرة مكشوفة محاطة بأربعة جدران استخدم أحدها كشاشة عرض. وأمَّا المبنى الشتوي فكان مسقوفاً، إلاَّ أنَّ ذلك لم يمنع تسرب الهواء البارد ومياه الأمطار في بعض الأحيان إلى المبنى. استخدمت كراسي المقاهي في المبنيين ووزعت وفق مستويات ثلاث، الأولى وقيمة التذكرة روبية، والثاني 12 آنة، والثالث 6 آنات. ولإلقاء نظرة دقيقة على دخل السينما المادي نورد نص الرسالة التي بعثها عبداللَّه الزائد إلى رئيس دائرة أموال القاصرين بتاريخ الأول من محرّم الحرام سنة 1358هـ يقول فيها: حضرة الفاضل الجليل رئيس دائرة أموال القاصرين والأعضاء الأجلاء بعد التحية والاحترام: بناء على قرار إدارة المرسح القاضي بجعل نصف دخل ليلتين لأيتام البحرين يصرف حسب رأي دائرتكم الجليلة. أتشرف أن أخبركم أنَّ الدخل المبين بلغ مئة وأربع وخمسين روبية. وهو مرسل إليكم مع كاتب المرسح يوسف. هذا وتفضلوا بقبول أجل الاحترام والسلام.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا