النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10759 الأحد 23 سبتمبر 2018 الموافق 13 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

قراءة في المشهد السياسي الروسي

رابط مختصر
العدد 8363 السبت 3 مارس 2012 الموافق 10 ربيع الآخرة 1432

في الرابع من مارس القادم يتجه الناخبون الروس الى صناديق الاقتراع لاختيار رئيس جديد للبلاد للسنوات الست القادمة في ظروف داخلية ودولية غاية في التعقيد، تنبىء بمخاطر قد تكون كارثية على العالم بأسره، مالم يتحقق توازن قوي قادر على لجم الاندفاع المجنون نحو المواجهة و الحرب. و على الرغم من التوقعات بفوز حتمي لرئيس الوزراء الحالي فلاديمير بوتين، فان الواقع الروسي أكثر تعقيدا مما يتصوره بعض المراقبين. فمن غير المستبعد حصول مفاجآت قد تغير من موازين القوى في الخريطة السياسية الروسية لصالح مرشحين آخرين بكل ما سيعكسه ذلك على روسيا وعلى الوضع الدولي عامة وبالأخص في المجال الجيوسياسي الشرق أوسطي، حيث تتجلى إرهاصات التغيير في موازين القوى الدولية، وحيث تتحول المنطقة شيئا فشيئا الى ساحة نزال يأمل فيها صناع القرار الامريكيون الى تحييد روسيا والصين من خاصرتيهما تمهيدا لاسقاطهما «كيسنجر»، والفوز بما منّ الله على هذه المساحة الممتدة من شمال افريقيا حتى الجنوب الروسي والشرق الصيني. بينما يرى الروس وحلفاؤهم في المواجهة ضرورة لتغيير موازين القوى وكسر الاحادية في العلاقات الدولية و الحد من الزحف الامريكي والغربي نحو حدودهم. في المعادلة الروسية الراهنة تبدو الرهانات الغربية على نتائج الانتخابات في روسيا محدودة للغاية، بل و تثير فيها المخاوف. فالغرب لا يملك نفوذا يذكر لا على على الناخب الروسي ولا على القوى السياسية في هذه الدولة التي تبدو حتى الآن محصنة في الاطار القومي والوطني منذ بدابات قيامها في الحيز الجغرافي المترامي الأطراف والمتعدد الأعراق الديانات. لقد حتم الواقع الجغرافي و الاثني لروسيا و منذ اماراتها الأولى في كييف و نوفغورد في القرن التاسع الميلادي، أن تكون في مواجهة الغزاة من الشرق «المغول والتتار، و من الغرب «السويديون والأتراك» و الفرس من الجنوب. هذا الواقع فرض على الدولة التي نمت في امبراطورية شاسعة هذا التوافق والوحدة بين السلطة والكنيسة التي تصدت لكل محاولات الكنائس الغربية كالكاثوليكية و البروتستانتية من التوغل الى البيت الروسي. من هنا يمكن تفسير اتفاق كافة الأحزاب السياسية الروسية الفاعلة التي تختلف على العديد من القضايا الاجتماعية والاقتصادية والفكرية على التوجهات العامة والأساسية للسياسة الخارجية. ولا نجد في البرامج السياسية لهذه الأحزاب تمايزات أساسية فيما يتعلق بالسياسة الخارجية اللهم تركيز الحزب الشيوعي الروسي على ضرورة توثيق العلاقات مع الصين الشعبية ودول أمريكا الجنوبية والهند والدول الأخرى ذات العلاقات التقليدية مع روسيا ومن قبله الاتحاد السوفياتي. ويذهب هذا الحزب في الموضوع الدولي للسعي لاحياء الاتحاد السوفياتي في ثوب جديد تكون نواته روسيا و بيلوروسيا و اوكرانيا و كازخستان. أما القوى الليبرالية فهي بالرغم من حظوتها بتغطية اعلامية دولية، فانها في الواقع الروسي لا تمثل أي ثقل يمكن التأسيس عليه. وقد عجزت حتى الآن عن تأطير نفسها في حزب سياسي موحد مع كل الدعم المالي من جهات عدة منها أناتولي تشوبايس رائد الخصخصة والمقرب من الدوائر الغربية. و ينظر غالبية الروس الى هذه المجموعات على أنها موالية للغرب و يحمّلونها تبعات السياسات الاقتصادية القائمة على الخصخصة والتراكم الاجرامي لرأس المال أثناء حكم الرئيس الأسبق بوريس يلتسين، حيث تولى هؤلاء مناصب قيادية في الدولة ورسموا السياسة الاقتصادية الجديدة التي أدت الى ظهور أوليغارشية غير معروفة من قبل، استولت بأثمان بخسة وبالقوة على مصادر الطاقة كالبترول والغاز والفحم والصناعات التعدينية كالحديد والصلب ومناجم الذهب والأحجار الكريمة والبنوك من أمثال أبراموفيتش وبريزوفسكي وبروخريف وخدركوفسكي وآخرين. و تضم هذه المجموعة بعض الوجوه المعروفة بفسادها أمثال رئيس الوزراء الأسبق ميخائيل كسيانوف الملقب بالسيد 2% لفرضه عمولات مقابل مصادقته على العقود ومنحه الامتيازات للشركات ورجال الأعمال تماما كما هو الحال في البلاد العربية وغيرها ممّن ابتليت بالفاسدين والمفسدين. ولا تضم قائمة المرشحين أية شخصية من هؤلاء الليبراليين، وقد رفضت لجنة الانتخابات المركزية تسجيل غريغوركي يفلينسكي بسبب احتواء قائمة الداعمين لترشّحه أكثر من 25% من التواقيع غير الصحيحة. تضم قائمة المرشحين للرئاسة الروسية خمسة مرشّحين يتنافسون على أصوات حوالي 100 مليون ناخب وهم: 1ـ فلاديمير بوتين رئيس الوزراء و رئيس حزب روسيا الموحدة 2ـ سيرغي ميرونوف رئيس حزب روسيا العادلة والرئيس السابق لمجلس الاتحاد. 3ـ غينادي زيوغانوف رئيس الحزب الشيوعي الروسي 4ـ فلاديمير جيرينوفسكي رئيس الحزب الليبرالي الديمقراطي 5ـ ميخائيل بروخريف ملياردير و قطب صناعي يجمع غالبية المراقبين على فوز مؤكد لفلاديمير بوتين. فهو يحظى دون شك بدعم شعبي واسع، و يتحكم في مفاصل السلطة، ويترأس الحزب الحاكم ويدير حملته الانتخابية من موقعه في رئاسة مجلس الوزراء، وهو ما يضعه في صدارة الحدث الاعلامي، فضلا عن الاهتمام الاعلامي العالمي به. ثم أن حزب روسيا الموحدة الذي يتزعمه بوتين يضم في قياداته كبار رجال الاعمال والدولة وحكام الأقاليم والمناطق والجمهوريات الاتحادية والمدن الرئيسية مثل موسكو وسانت بطرسبورغ. كل هذه الآلة الضخمة من الامكانات السياسية والمالية والاعلامية، وشخصية بوتين التي ترسّخت كموحد للدولة بعد أن كادت أن تتفكك ابّان حكم الرئيس الأسبق بوريس يلتسين، تضع فلاديمير بوتين في صدارة المترشحين للرئاسة. غير أن هناك واقعا اّخر قد يقلب الموازين، فبوتين، بالرغم مما يراه فيه الناخبون من ايجابيات، أخذ يفقد الكثير من شعبيته ومن الزخم الذي رفعه الى السلطة وذلك لأسباب عدة لعلّ أهمها : تفاقم الأزمة المعيشية للغالبية من المواطنين، خاصة كبار السن، نتيجة استمرار السياسات الاقتصادية السابقة وازدياد معدلات الفقر والبطالة وهو ما تفاقم مع الأزمة الاقتصادية العالمية. الإستمرار في الاعتماد على الاقتصاد الريعي، وقلة الاستثمار في القطاعات المنتجة كالصناعة والزراعة والتكنولوجبا الحديثة، على الرغم من الوعود بإحياء الصناعة الوطنية، وإعادة النظر في سياسة الخصخصة. تراجع الإنفاق على التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية وهي أهم مكاسب ما قبل انهيار الاتحاد السوفياتي. استشراء الفساد المالي والاداري والجريمة وهروب رؤوس الأموال الى الخارج. عدم المنهجية والجدية في العلاقات الخارجية، خاصة ضمن دول الكومونولث المستقلة وبالذات مع بيلوروسيا. الاستفراد بالسلطة في لعبة تناوب المواقع مع الرئيس مدفيديف، وتعيين حكام الأقاليم والجمهوريات الاتحادية من المركز ومن الحزب الحاكم بدل انتخابهم مباشرة من سكان هذه الأقاليم و الجمهوريات، الأمر الذي عزز البيروقراطية وأثار المخاوف من ديكتاتورية الفرد والحزب الحاكم. هذه العوامل وغيرها أثرت بشكل حاد على شعبية فلاديمير بوتين و حزب روسيا الموحدة. اذ تراجعت الأصوات التي حصل عليها هذا الحزب في انتخابات الدوما «البرلمان» بنسبة 14,98% في حين ازداد عدد الاصوات لصالح ألاحزاب الرئيسية الثلاث بنسبة 18,49%. ومن المؤكد أن خسارة الحزب الحاكم كانت في واقع الأمر أكبر لولا ما يقال عن عمليات التزوير. و مع ذلك فان هذه النتائج أعطت الحزب الحاكم 49,32% من الأصوات و 44,10% لمعارضي بوتين في انتخابات الرئاسة. أما الليبراليون مجتمعون فكان نصيبهم أقل من 7% من الأصوات. هذه النتائج لا تشكل ضمانة لفوز فلاديمير بوتين، لذا فان الأمر سيعتمد الى حد بعيد على التكتيك الذي سيتبعه بوتين وحزبه. وترى أطراف المعارضة أن ترشّح ميخائيل بروخريف، وهو جزء من الطغمة المالية وقريب من بوتين، يهدف الى التأثير على نتائج مرشحي المعارضة وتجيير اصوات ناخبيه لصالح فلاديمير بوتين فيما اذا اضطر الأخير لخوض جولة ثانية أمام أحد مرشحي المعارضة. و في الجانب المعارض يبدو أن مرشح الحزب الشيوعي غينادي زيوغانوف، الذي ترشح في كل الانتخابات الرئاسية السابقة وحقق نتائج تراوحت بين 17% و 44,3% هو الأوفر حظا بين باقي مرشحي المعارضة. و يعتمد زيوغانوف على جبهة واسعة من القوى اليسارية و القومية و النقابية، و يعمل على تشكيل تحالف مع فلاديمير جيرينوفسكي وسيرغي ميرونوف بعد أن كانوا في مواجهة دائمة خاصة مع جيرينوفسكي. وهو السياسي المعروف بعدم ثبات مواقفه، اذ قد ينقلب من جديد ويعود للتحالف مع بوتين. و يبدو أن الشأن المعيشي وإخفاقات بوتين الداخلية في الشأن الاقتصادي والاجتماعي، ساهم في توحيد القواعد الشعبية لأحزاب المعارضة الرئيسية و فرضت على قيادات هذه الأحزاب توحيد المواقف في مواجهة النظام. فقد تميزت السنوات الأخيرة بحراك احتجاجي مشترك، عززته الانتهاكات المزعومة في الانتخابات الأخيرة. ويبدو أن تقارب الأحزاب الثلاث فرض أيضا تنازلات في الطروحات السياسية للوصول الى صيغة أقرب الى اليسار الوسط. ولأول مرة يظهر جيرينوفسكي و زوغانوف و ميرونوف في مناظرات تلفزيونية دون مواجهات وبتوافق واتفاق على نقد سياسة بوتين والحزب الحاكم. وفي هذه المناظرات وعلى الشاشة أعلن مرشحوا المعارضة عن تشكيل لجان مشتركة لمراقبة مراكز الاقتراع وعمليات فرز الاصوات. أما زيوغانوف فقد أعلن قائمة بأسماء أعضاء حكومته في حال فوزه اشتملت على شخصيات من حزبي جيرنوفسكي وميرونوف، وبعض الوجوه من حكومة فلاديمير بوتين بينهم وزير الخارجية الحالي سيرغي لافروف ووزير الطوارىء سيرغي شايغو. لن تكون انتخابات الرئاسة في مارس القادم نزهة لفلاديمير بوتين الذي يتجنب حتى الآن الدخول في مناظرات تلفزيونية مباشرة مع خصومه، و يكتفي بنشرمقالات أسبوعية تتضمن برنامجه ووعوده بتحقيق مالم ينجزه في فترة رئاسته للدولة ولمجلس الوزراء. في حين أن المعارضة تبدو وقد استفادت من تجاربها السابقة و تحاول تغيير قواعد اللعبة ما قد يشكل مفاجأة كبرى تعيد روسيا الى اليسار. و في كل الأحوال فان الغرب أمام احتمالين في الانتخابات الروسية أحلاهما مرّ، فإما روسيا يسارية و إما فلاديمير بوتين.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا