النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10810 الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 الموافق 5 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:35AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:50PM
  • العشاء
    6:20PM

كتاب الايام

نبيلـــــــــة زبـــــــــــاري.. والصمـــــت الأز

رابط مختصر
العدد 8360 الأربعاء 29 فبراير 2012 الموافق 7 ربيع الآخرة 1432

شاعرة، حملت الكلمة، حلقت بها، صدحت بعشقها للوطن، تغربت من أجل أن تسمع صوتها, عاشت المعاناة بكل تجلياتها وسكبت ذلك بمداد على أوراق دفترها، هي مقروءة من خلال عناوين محطات عمرها الشعري متمثلة في دواوين؛ حواجز رمادية 1994م، عسى أن يرجع البحر 1998م، همس أزرق 2006م، نبض.. على أوراقي 2006م، لغة السفر 2011م وفي كل محطة تترك بصمات عشقها للأرض، والبشر، تتأمل السماء، وتلتحف الليل وتسافر في النهار وتقول: في أحداقي.. سرابيل الليل.. تتناسل.. والأرض لا تلد فيئا خاوية إلا من ظل بعيد.. نائية إلا من حلم لا يأتي.. تتدفأ السماء بالنيازك.. مترعة في صمت أزرق!! ولأنها أجبرت على السفر، أو هو هكذا البحث الدائم عند الإنسان لاكتشاف عوالم جديدة، أو طلب المزيد من العلم والمعرفة، فقد حولت غربتها وابتعادها المؤقت عن الأهل والأصدقاء إلى ما يشبه الإبحار على سفينة من صنع الوطن وبقلوع وأشرعة نسجت ربما من خيوط المنامة لتقول: بعثرني.. أيها السفر بعثرني.. أيها المنفى خلف لغتي أيها المطل على قدري الذي صاغه لي القدر بعثرني.. دموعا كالنبع الأزلي على وجهي... بعثرني.. وترا.. كمعزوفة تنبت فوق شفاه ناي يعلن حزنه بي..! بعثرني.. سفنا لا تعرف إلا.. كيف تجرحني أشرعة الرحيل ثم تفقد معي ذاكرة الرجوع...! وكما هو الليل ستر العاشقين، وأنيس السهرانين وهو وحده الذي يستمع إلى أنات المكلومين، وتوجع المتألمين، فالشاعرة نبيلة لها مع الليل صحبة وألفة وتقول: أنا هناك... خلف أوقاتك الكثيرة وراء الشوارع الأولى..! الكرسي الذي أجلس عليه لا يحتمل وزن أسئلتي..! أمامي باب موارب لجرح أعمق.. ويحيط بي ليل يخلع لونه على تفاصيل يقظتي..! في قصائد نبيلة زباري لمسة حزن مخفية، ولكنها تغالبها وتظهر في تضاعيف كلماتها المتناثرة في دواوينها الخمسة إذ تقول: ها أنا أواصل حزني.. ومعي يستبق الهطول البلوري.. والجمر لا يعبأ بالمدفأة.. الجمر افترش الصقيع بين الضلوع.. والزعفران امتقع في فنجاني..! فالريح لا تترك الأخضر واقفا هنا.. والوطن كان ولايزال حاضرا في ذاكرة شاعرتنا، هي لا تحتاج لأن تعيد ذكر الوطن عندما تسافر فكأنها وهي في وطنها وبين أهلها وأصدقائها تحن إلى الأرض، وتشعر بأنه جزء عزيز من كيانها وتقول: فقوس قزح يذكرني دائما بانتمائي نحو السماء ونحو الشمس والمطر.. ونحو جزيرة كحبة قمح وتربط كل ذلك بما يمثله المطر من خصب وعطاء لا حدود له فتقول: جاء المطر.. لكنك منحتني الغربة.. وأخذت مني نبض السفر.. فكان انتظاري غابة لا تنتهي.. وكان المساء صعودا بي نحو العطش.. وكانت الشوارع لا تزداد إلا غرقا بوابل من شوق لمرازيب تسح السكون...! جاء المطر.. جاء المطر لكنك رحلت.. وعندما تعود.. يكون المطر.. قد رحل..!! وهي الأنثى والشاعرة الأم وكان لسفر ابنها فواز للدراسة وقع الصاعقة على نفسيتها، فالأم لا تفارق والأم لا تجفى، والأم لا تطيق البعاد، فكان للشاعرة موقف: يوم آخر.. بدونك.. بفراشات تبحث عن ألوانها بين هسيس الأخيلة.. بعصافير قد باعت التغريد لأتون المسافة...! وتحاول أن تستسلم لخطوات القدر، وتحاول أن تأسى لفراق من تحب، وعبثا تكرر المحاولة، لتجد نفسها أخيرا في شباك تعلقها بعاطفة الأمومة المشبوبة يوم آخر...! ليتني ما تعلمت العد ليت الزمن يغافلني ويهرب من خارطة الوقت... ليت المصابيح تهبني أدمعها لأصبها على الظلمة التي أصبحت ربيبة الأمكنة...! وتنقلنا الشاعرة في ديوانها «لغة السفر» إلى جو آخر، وإلى معاناة لم يسلم منها أي شاعر عربي منذ نكبة فلسطين إلى اليوم، ويفرض أطفال الحجارة لغتهم على المفردات الشعرية لنبيلة زباري لتقول: حجارة.. حجارة... حجارة... نصف قرن تكتبنا الحجارة... نصف قرن ينتحر في أحضاننا الحمام والسلام نصف قرن نتهجى كيف نقرأ الحجارة! ولا نرى غير زيتون الأشجار حجارة لا نرى.. غير موج الأنهار حجارة والغيث في صحرائنا.. حجارة.. وهي في ديوانها لم تنس العراق التاريخ والعراق العروبة والعراق الجريح، كما تعيش القدس في ذاتها كشاعرة، وتتألم لنكبات وجراح أمتنا العربية في قانا، والقدس، وبغداد، وبيروت، مع أملها في أن يوقف كل نزف في جسم الأمة حاضرا ومستقبلا. نبيلة زباري شاعرة تعاملت مع الومضة الشعورية سجلت مواقفها وأحساسيها في قوالب شعر الحداثة.. ويبقى الشعر، نبض حياة، وتجربة معاناة ومواقف من الحياة، ووميض مشاعر مختلطة يتداخل فيها العام والخاص، ويبقى الشعر واحة أمن، وراحة بال ويقظة ضمير مهما قست مفرداته أو بالغت في تصوير معاناته مفردات شعرائه؛ لكنه في البداية والنهاية لأغنى لنا عنه، فهو الباقي في صحراء واقعنا الذي قد نعاني في كثير من الأحيان قسوته وجدبه، ولكننا نتطلع دائما وأبدا إلى الأمل وإشراقة الغد. وعلى الخير والمحبة نلتقي

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا