النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10761 الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 الموافق 14 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

الديماغوجية في خدمـــــة الفوضــــى..!

رابط مختصر
العدد 8360 الأربعاء 29 فبراير 2012 الموافق 7 ربيع الآخرة 1432

الديماغوجية كأسلوب لإقناع الآخرين وحشدهم في اتجاه سياسي أو ايديولوجي معيّن, بإثارة مخاوفهم ومخاطبة أفكارهم المسبقة, واستخدام القضايا المعيشية والدينية والقومية لاستثارة العواطف, هي ظاهرة معروفة في المجتمعات كافة, بغض النظر عن مستوى تطورها السياسي والاجتماعي والاقتصادي. غير إن لهذا الاسلوب وقعاً اَخر, أشد عمقا وخطورة في مجتمعات لم تتفتح بعد على الممارسة الديمقراطية, ولم تتحصن بما فيه الكفاية من داء الطائفية والقبلية. وفي بلادنا, التي طالما تغنينا بوعي الشعب فيها ووحدته وتاريخه النضالي من أجل الحرية والاستقلال والديمقراطية والعدالة الاجتماعية, أصابنا الذهول من هذا الاستقطاب الطائفي البغيض, حيث ضاعت المطالب المشتركة لكل مكونات المجتمع لتفعيل ميثاق العمل الوطني, المنجز الوطني الأكبر بعد الاستقلال, وما تأسس على مبادئه التوافقية من واقع متقدّم, في هستيريا الاصطفاف الطائفي والكراهية والعنف والميل الى نبذ الآخر. لقد بذل الكثيرون من الحريصين على مصير الوطن جهودا غير قليلة للخروج من الحالة النشاز في تاريخنا الوطني, وطُرحت مبادرات عدة من شخصيات وجمعيات سياسية, ولكنها لم تفلح حتى الآن في وضع حد لهذا الجنون. قد يرى البعض أننا نبالغ في هذا التوصيف للحالة العامة في البلاد, غير إن الواقع يؤكد أن الأزمة أعمق مما نتصور, ولا يحتمل التجميل والمجاملة. فالشرخ قائم والأوضاع لا تسرّ لا في الاقتصاد ولا في السياسة ولا في الأمن. وأوضاع المنطقة والعالم ملبّدة بالغيوم والعواصف التي ستمزّق أشرعتنا وترمي بسفينتتا إلى المجهول. ومازال البعض يصبّ الزيت على النار, ويصرخ في المنابر والسّاحات ووسائل الإعلام أنه على حق وغيره على باطل, نابشاً في التاريخ والجغرافيا والفلسفة والدين, عن سند لقوله وفعله, ونُظّمت القصائد والأغاني وكل ما يمكنه أن يلهب المشاعر لجر الناس الى المواجهة والاستقطاب. ينبغي التأكيد هنا, درءا للالتباس, أن للشعب مطالب سياسية واجتماعية محقة لا يجوز تجاهلها, في إضفاء روح الميثاق على مناحي الحياة السياسية, وفي مقدمتها تخويل البرلمان سلطات تشريعية ورقابية كاملة. ويتطلب الوضع الراهن اتخاذ خطوات عاجلة وشجاعة لإعادة بناء الثقة وإنهاء حالة الاحتقان ووضع حدّ للتوترات الأمنية العدمية, ونزيف الدّم والتخريب, ولعلّ أهمّها التنفيذ الفوري وغير المشروط لتوصيات لجنة بسيوني. وفي المقابل يمكن للسلطة والمعارضة أن يسهما معاَ في لجم ديماغوجية البعض الذي لا يكف عن وضع الشروط والشروط المقابلة أمام أي مسعى للعودة إلى الحوار والانتظام في حياة سياسية طبيعية تواصل عملية التحوّل الديمقراطي, وتضع الحلول للمشاكل الحياتية للمواطنين دون تمييز, ومحاربة الفساد. هذه الأصوات التي تؤجج المشاعر وتصادر إرادة المجتمع الموحّد, بإثارة النوازع الفئوية, والادعاء بتمثيل الطائفة في وجه الطائفة الأخرى, وتقرع طبول الاستنفار والاستعداد للمواجهة حفاظاً على الطائفة, تقوض وحدة المجتمع وطموحاته في الديمقراطية والتطور الاجتماعي والاقتصادي, وتضع مصير الوطن رهنا بالمحاور الخارجية وأطماعها. ويجري التشكيك في أية بادرة للانفراج, واَخرها ما تسرّب من اتصالات بين ممثلي السلطة وبعض أطراف المعارضة, حيث انبرى الديماغوجيّون ذاتهم للتشكيك في هذه الخطوة الهامّة, وتوزيع التهم جزافاً بالعمالة لهذا الجانب أو ذاك, ووضع الشروط واللاءات. إنّها بلا شك حالة من الجنون السياسي والفكري والانتهازية, وغوغائية عاطفية انفعالية, تدّعي اليقين في تفسير اللحظة الراهنة والتي هي, على مرارتها, ليست إلاّ ومضة من لهيب قادم, وفوضى تهددنا جميعاً ولن تترك لنا فسحةً للنّدم. قدر هذا الوطن العيش المشترك وقبول الآخر.. هناك اصطفافات فكرية ومذهبية وهي ليست وليدة اليوم, لكنها تحوّلت الآن الى تهديد لاستقرار الدولة وديمومتها, ومحطّ تجاذب خارجي يطمح للهيمنة باستغلال انقسام المجتمع. وهناك من يتصيّد في الماء العكر لتجيير كلّ ما يمكن لتأزيم النفوس والإبقاء على الوضع الراهن أيّا كانت النتائج, خدمة لاستراتيجيات لا ناقة لنا فيها ولا جمل. إنّها مسؤولية تاريخية أمام الجميع في قمّة السلطة والموالاة والمعارضة للتصدّي لهذا الامتحان المصيري, في إعادة التلاحم والوحدة لهذا المجتمع مستندين إلى مخزون الحسّ الوطني لدى الشعب والقوى الوطنية وكل المخلصين والحريصين على مصير الوطن واستقراره وتقدّمه.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا