النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10756 الخميس 20 سبتمبر 2018 الموافق 10 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

شـــــارع البديـــــــع: أهــــــــــــــــلاً

رابط مختصر
العدد 8353 الأربعاء 22 فبراير 2012 الموافق 30 ربيع الأول 1432

سألني أحد الذين يعرفون صلتي بالبديع أي طريق تسلكه عندما تذهب إلى حيث كان مرتع صباك ومقر شبابك؟! وقد وجدت في سؤاله حيرة، وإشفاقاً، وحسرة فقلت له: هون عليك، فمن يقصد قرية البديع لا يعدم الطرق المؤدية إليها .. و طافت في خاطري ذكريات شارع البديع فهذا الشارع كنت في طفولتي أقصده كل خميس وجمعة في الأسبوع، من البديع مرورا ببني جمرة والدراز والمرخ وسار وباربار والشاخورة و بوصيبع وكرانة والحجر والمقشع، وجدحفص والديه، وسنابس، والبرهامة، فالمنامة إلى المحرق ومنها إلى الدير وسماهيج وقلالي فالحد نهاية المطاف، والعودة إليه بالعكس. عندما التحقت بالمدرسة الغربية الاعدادية بالمنامة وبعدها الثانوية العامة بالمنامة أيضا كان مشواري و زملاء الدراسة بالباص الخشبي يوميا. أما عندما كنت أذهب إلى الجسرة حيث بيت جدي العود، فهناك طريقان، طريق بحري ساحلي يأخذنا من النخيل الأربع في البديع الجنوبي إلى ساحل تمتد على جانبه الشرقي البساتين والنخيل وعلى جانبه الغربي البحر وكان هو الأقصر في الوصول إلى الجسرة، أما الطريق البري الآخر فهو من البديع إلى القرية ومن ثم الجنبية حيث على الجهة الغربية المزارع والبساتين والجهة الشرقية حيث البر والتلال الأثرية. و كان هو الأطول في الوصول إلى الجسرة و لكن كلا الطريقين نأخذهما مشيا على الأقدام. أعود إلى شارع البديع، فهذا الشارع من أجمل الشوارع منظرا ومخبرا، عاطفيا و موضوعيا، فأنت وقتها في هذا الشارع لا ترى سوى أشجار النخيل، والبساتين والمزروعات، وتتنسم من خلال هذا الشارع نسمات تمر على أطياف من الأجواء مختلفة بطبيعة المنطقة التي تمر عليها، وحتى عندما كان هذا الشارع غير مضاء فإنك لا تخش أخطار الطريق وحوادث السير، فالسيارات القاصدة لهذا الشارع قليلة، وعندما تحدث حادثة سير فالكل يعلم بها، لأنها من النوادر أما ما يحيط بهذا الشارع من قرى، فأنت تمر بأناس لو دخلت بيت أحد منهم فستجد الأهل والجيران والمعارف، وتكون أنت رب المنزل وهم الضيوف مصداقا للقول : « يا ضيفنا لو جئتنا لوجدتنا نحن الضيوف و أنت رب المنزل « .. إنه سياج مجتمعي، تتعدد فيه لكنات اللهجة البحرينية الدارجة بحسب كل قرية .. قصد هذا الشارع طالبو الرزق الحلال، يعيش على امتداده العمال والمزارعون والصيادون والموظفون والتجار والمدرسون والطلاب وأصحاب المهن الحرة والسائقون وطلاب العلم ومشايخ الدين، كما قصده الزائرون و الخطار من دول الخليج العربي والوطن العربي، وأمه العشاق والمتيمون، والكل كان موضع ترحيب، والباصات الخشبية التي تنقل الناس كانت بمثابة الملتقى للجميع حتى و إن غابت الأسماء عن البعض إلا أن الوجوه مألوفة ولا يمنع مانع من الحديث وتبادل التحايا .. تزاورنا في الأفراح وتواسينا في الأحزان وشاركنا في المناسبات الدينية والاجتماعية والمذهبية، لم تفرق أبناء قرى هذا الشارع أعاصير الزمن وشظف العيش وشح الموارد واختلاف الأفكار وتباين الرؤى وتنوع الإهتمامات، كان الاحترام متبادل للجميع والمحبة تظهر وأحيانا تختفي، لم يتطفل أحد على الآخر، كان للمرأة عندما تركب الباص إحترامها وكان للمسن توقير، وكان للطفل رعاية واهتماما وخوف عليه، عاش أبناء قرى شارع البديع في وئام لم أتذكر خلافا نشب بين قرية وأخرى رغم كثرة القرى، ونحن طلاب مدرسة البديع الابتدائية للبنين عشنا تجربة فريدة قل نظيرها في الوئام والصداقة والمحبة والألفة والمودة والصداقة ولا يمكن أن تتحول في يوم و ليلة إلى النقيض . لا يمكن أن يتحول شارع البديع بين ليلة وضحاها إلى شارع تشاهد وقد ترى حريقا أو آثارا للحرق، وبدلا من أن تمتع ناظريك بالأشجار و النخيل تصدم بجدران البيوت والمزارع وهي مشوهة بعبارات هي بعيدة كل البعد عن صفات وأخلاق هذا المجتمع و قيمه الإنسانية والدينية والمجتمعية، تحولت الألوان البيضاء إلى سواد و ما شاكل السواد من تشويه لجمال هذا الشارع وجمال نفوس أبناء القرى الوادعين لا أحد يقبل، خصوصا أولئك الذين عاشوا تاريخ هذا الشارع أن يتحول شارعهم من الوداعة والسكون إلى كابوس يومي. هل فكر من أحال الأمر إلى غير طبيعته إلى مصلحة ومنفعة من يعيش في قرى هذا الشارع ؟! هل وعى ضميره للمحافظة على أرزاق من فتح له دكانا أو محلا في هذا الشارع الذي أصبح في السنوات الأخيرة شارعا تجاريا حيويا؟! هل فكر من أضر بالناس في أرزاقهم ومعيشتهم ودراستهم ومستقبل أبنائهم؟! لا يمكن أن يرضى رجال ونساء قرى هذا الشارع وممن عاشوا حياة الدعة والسماحة والطيبة أن يساء إليهم وتتكون عنهم أفكار سوداوية، وأن يستغل هذا الشارع في وسائل إعلام خارجية يهمها الوقيعة والشماتة والفتنة والرقص على آلام البسطاء وزعم البطولات الجوفاء، والوطنية الزائفة. آن الأوان لأبناء وأهل قرى شارع البديع أن يعيدوا لشارعهم سمعته وطبيعته وانسانيته وأخلاقه وصفاته وطيبته وأريحيته وسماحته وطيب معدنه، فالأماكن والمساكن والطرق ليست جمادات صماء، ولكنها حياة شعب وآمال أمة وتطلع بشر، وحياة أفراد وجماعات ومنافع متبادلة، واحترام عقل وانسجام مشاعر وتعاطف إنساني، وقيم اجتماعية وعقائد ايمانية وعلاقات انسانية، قوامها الدين والاخلاق والعادات والتقاليد والأعراف، فلا يساء لنا ولا يفرقنا الغرباء الذين يظهرون الود والتعاطف ويبطنون الغل والحقد والحسد والبغضاء والشحناء وتفتيت وإضعاف المجتمعات وتفريق الشمل .. وعلينا أن نكون أبناء هذا الوطن الواحد، والجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر وأقول لشارع البديع: أهلا. وعلى الخير و المحبة نلتقي

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا