النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10815 الأحد 18 نوفمبر 2018 الموافق 10 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

لكي يزدهر «الربـيع العربي»

رابط مختصر
العدد 8309 الإثنين 9 يناير 2012 الموافق 15 صفر 1432

الأخطار التي تهدد تغيرات «الربيع العربي» الذي نشهده منذ بداية عام 2011، كثيرة نشعر بالعديد منها كلما وقع حدث مؤسف، أو تعثرت احدى العمليات أو انفجر خلاف طائفي.. أو غير ذلك. فمسيرة عملية التغيير العربية معقدة جداً ومتنوعة، وهي تتفاعل في دول ومجتمعات متفاوتة التجربة مختلفة من ناحية التشكيلة الاجتماعية وعدد السكان وحجم المشاكل وغير ذلك.. ويتسبب هذا كله في صعوبات وتعقيدات تجعل الكثير من التحليلات والتنبؤات تبتعد عن الدقة في التشخيص وتحديد الهدف. ما الذي يقلقني شخصيا في هذه الاحداث؟ وما الذي اميل الى ان اتخوف منه أكثر من غيره؟ 1 - أول ما احسب حسابه في هذه الثورات، هو المقاومة السياسية الاقتصادية الاجتماعية الثقافية الدينية القانونية للتغييرات المتوقعة! ان هذه القائمة طويلة كما هو واضح، وتكاد تشمل كل مظاهر الحياة في المجتمع، ومفاصل الدول العربية! ولكنها في اعتقادي مخاوف مبررة. فالقوى التي خسرت مواقعها ومصالحها في مصر وتونس وليبيا، وحتى في سورية ان نجحت الثورة، لن تستسلم بسهولة، ولن تفسح الطريق للقادم الجديد مجتمعاتنا لم تشهد حركات تغيير بهذا الحجم منذ سنين طويلة، والقوى الراغبة في التغيير وبخاصة من الشباب والشرائح الشعبية، تسعى نحو عملية تحول سياسية واقتصادية عميقة، تضعها حتماً في صدام مستمر مع الشرائح الاجتماعية والادارية والعسكرية التي استفادت من الأنظمة السابقة، وشكلت عمودها الفقري. إن الأنظمة التي أطيح بها، أو تلك التي ستتلوها في التحول والتغيير لأي سبب من الاسباب المتوقعة، يمتد بها العمر الى قرن او قرنين وربما اكثر صحيح انها ولدت في مصر مثلاً عام 1952 وفي تونس عام 1957، عندما قام النظام الجمهوري في البلدين، ولكن هذين النظامين لم يولدا من فراغ ولم يكونا بمعزل عن المؤثرات السياسية والتشكيلات الاجتماعية الموروثة، مهما تظاهرت القيادات والنخب الجديدة بالثورة عليها وتغييرها. واقوى دليل على هذا ان سياسات هاتين الدولتين تغيرت كل عشرين سنة، قبل ان يسقط النظامان بسبب الفساد والاستبداد وتجاهل الدستور وغير ذلك. وفي مصر نفسها اليوم جدل حول ما اذا ادت ثورة 25 يناير 2011 الى اسقاط النظام ام «قطع رأسه» فحسب فالأنظمة قد لا تموت لفترة تطول .. بعد فقدان رأسها!. والآن، هل يستطيع المصريون التخلص بسرعة من ثقافة النظام القديم؟ وهل يفتحون قلوبهم وقوانينهم ومؤسساتهم للتحولات القادمة، كي تحقق الثورة الكبرى، التي هزت العالم العربي واحدثت كل هذا الدوي الدولي.. اهدافها؟ لا أحد يدري!. 2 - ثاني ما يقلقني في مصر وتونس وليبيا وغيرها، غياب فكر التغيير وعدم توفر الاجندات والاهداف والقيادات الكارزمية. بل نكاد نلمس ملامح هذا الضياع والتخبط، والربيع لايزال في اول نسماته وتفتح أوراده!. إن البديل في اذهان الكثيرين منا للقمع والاستبداد هو الديمقراطية والتحديث والليبرالية، ولكن هل دول «الربيع العربي» تسير نحو مثل هذه الاهداف؟ هل يعرف الشباب مشاكل التنمية الحقيقية في مصر، وازمات قوى العمالة ومواجع المؤسسة التعليمية، ببنيتها العتيقة واهدافها التي عفى عليها الزمن؟ هل يلتف المصريون والتوانسة والليبيون والسوريون واليمنيون حول اهداف تنموية عصرية تنتشل مجتمعاتهم وترتقي بها الى مصاف البلدان الآسيوية المتقدمة مثلاً، حتى لو بدأنا بالتجربة الهندية!، أم سيعود قدماء الساسة والمثقفين والاعلاميين أنفسهم، وبالعقليات الموروثة، ليهيمنوا على ساحة الثورة من جديد، ويقودوا هذه البلدان الى تقديس بعض الشعارات السابقة التي هي إما خاطئة او غير صالحة لهذه المرحلة؟ ان الديمقراطية كما يقول الباحثون السياسيون، ليست فقط «نظام الحكم»، ولكن ايضاً «عادات ثقافية واجتماعية»، وتعليم ليبرالي وجامعات حرة التفكير فهل تتسع صدورنا لهذا كله، وننجح في تشكيل منظومة قيمنا وتراثنا الديني وتركيبتنا الوطنية والطائفية، مع هذه المؤسسات ومناهجها الجديدة؟ ان الثقافة السياسية تعرف بأنها «القيم والمبادئ السياسية لدى كلٍ من العامة والنخبة». فهل نحن متفقون حقاً في بلداننا، وما الاهداف التي صرنا نجمع عليها تأييداً واعتراضا؟ 3 - ما النموذج الاصلح والانجح لمسيرة هذه البلدان؟ مصر المضغوطة سكانياً ذات الخبرة والمكانة المتميزة على كل صعيد، وتونس الخضراء الجميلة التي تريد استرداد مكانتها السياحية وتنشيط الزراعة، وليبيا الغنية بالمال والبترول والامكانيات الهائلة الكامنة، وسورية القادرة بسهولة ان تكون اكثر بلدان العالم العربي والشرق الاوسط ثراء وتقدماً وتأثيراً، هذه الدول الاربع بعض اركان هذه التجربة الثورية الهائلة المعلقة اليوم بين التقدم والتراجع. ونحن جميعاً نتساءل: اي نموذج نتبع للانطلاق؟ هل نحاول اتباع دول اوروبا الشرقية بعد سقوط النظام الاشتراكي، ام نتبنى النماذج الاسيوية في ماليزيا وسنغافورة والهند وكوريا الجنوبية وغيرها، ام نقف ملياً امام التجربة التركية المعاصرة، لعل الاقدار تفتح عقول وسلوك الاسلاميين في بلداننا، فيوسعون آفاقهم، ويتسامحون مع مظاهر الانفتاح والتحرر التي لا يرى اخوتنا الاتراك فيها بأساً، أم نتعثر في توقعاتنا هذه كلها، وتنجح الشرائح والقيادات القديمة في استرداد مواقعها باسم الوطنية والقومية والحرص على «الاسلام الصحيح»، فنخرج مرة اخرى بمجتمعات هجينة لا هدف لها ولا ملامح! وموجودة.. كزيادة عدد في قائمة اعضاء الأمم المتحدة. 4 - رابع ما يقلقني الى اقصى حد عندما انظر الى المستقبل، ضيق الوقت! فعملية التغيير كان ينبغي لها ان تقع مثلاً بعد نكسة يونيو 1967، قبل نحو اربعة عقود، او على الاقل بعد احداث عام 1990 عندما اهتزت ثوابت كثيرة بعد احتلال الكويت وانقسام العالم العربي والتدخل الدولي.. الخ. لقد انتهت الحرب الباردة وتفكك المعسكر الاشتراكي وغاب الاتحاد السوفييتي عن مسرح التاريخ وصعدت الهند والصين وطغى الارهاب وزحفت العولمة بتقنياتها وانتهت الصناعة والزراعة التي كنا نتصورها في مناهجنا التنموية حيث غزتهما على نحو كثيف الآليات والالكترونيات في بعض البلدان، بينما سهلت العولمة الاستفادة من ارخص السبل واقل العمالة كلفة عبر العالم. وصارت البضائع الصينية والمنتجات الآسيوية عموماً تحاصر الصناعة والزراعة المحلية في البلدان العربية وبقية دول العالم، ولم تكتف الصين مثلاً بتصدير البضاعة بل صارت عمالتها تنشط في دول وربما قارات مثل أفريقيا! وقد شكلت الازمة في ليبيا مؤشراً واضحاً على التأثير الهائل الذي تتمتع به الصين في أفريقيا، وفي مارس الماضي نشرت الصحف اعلان وزارة الخارجية الصينية عن نجاح عملية اجلاء نحو 36 الف مواطن صيني من ليبيا، حيث كان عدد كبير منهم يعمل في قطاعات النفط والاتصالات اللاسلكية لشبكة القطارات وصناعات البناء. فضلاً عن ذلك، قامت الصين للمرة الأولى بنشر معداتها العسكرية اثناء تنفيذ عملية الانقاذ فقد اقدمت السفينة الحربية «سوزهو» المحملة بأربعة آلاف طن من الصواريخ، والتي كانت متجهة نحو الصومال في مهمة مكافحة القرصنة، على عبور قناة السويس وصولاً الى ليبيا، وكذلك نشرت اربع طائرات نقل عسكرية بل قدمت الصين المساعدة لاجلاء مواطنين اجانب اخرين منهم أكثر من 40 مواطنا ايطالياً وكرواتياً وفلبينياً وغيرهم (الجريدة، 15/3/2011). حقاً.. ان المطلوب في بلدان التغيير العربية كثير، والوقت قليل، والمنافسة حادة.. فاذا ضاع وقت اكثر في الصراع السياسي والاجتماعي وغيرهما، سيبقى الكثير من اماني الشباب حبراً على الورق. 5 - خامس ما يقلقني المؤثرات الخارجية على توجهات «الربيع العربي» ولا اقصد هنا على الاطلاق المؤثرات الأوروبية او الأمريكية، فهذه البلدان ليست معادية لعملية التغيير، بل ان الولايات المتحدة قادت قبل سنوات في زمن الرئيس «بوش الابن» حملة غير موفقة «لنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط». والسؤال المحدد هنا: هل ستنجو دول الربيع العربي من «المؤثرات العربية» والاقليمية المعاكسة، بشتى الطريق؟ واذا وقفت الدول العربية كأنظمة وحكومات محايدة، فهل ستمتنع الجماعات والهيئات الدينية مثلاً في بعض هذه الدول عن التدخل وخلق النفوذ المالي والسياسي والاجتماعي داخل مصر وتونس وغيرهما؟. فالأحزاب العصرية في مصر وتونس وسورية وليبيا واليمن اما ضعيفة او محاربة او غير موجودة. ومؤسسات المجتمع المدني ليست احسن حالاً، والتعليم والجامعات والمناهج وحال الاساتذة والمدرسين على نفس المنوال والحياة البرلمانية قد تنفتح على التمويل الموجه والاعلام المغرض.. وهكذا! ان حال هذه البلدان الثائرة يكاد يرفع شعار «لقد عدنا من الجهاد الاصغر الى الجهاد الاكبر». ولا شك ان هذه البلدان والشعوب ستنجح حتماً في اكتشاف طرق النجاح والتقدم مهما كانت التحديات.. ولكن المفيد على الرغم من كل هذا الامل الحقيقي الواقعي.. ان نعرف بعض التحديات!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا