النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10762 الأربعاء 26 سبتمبر 2018 الموافق 16 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:55PM
  • المغرب
    5:30PM
  • العشاء
    7:00PM

كتاب الايام

الحلّ الحقوقي مقدّمة للحلّ السياسي

رابط مختصر
العدد 8261 الثلاثاء 22 نوفمبر 2011 الموافق 26 ذو الحجة 1432

في معظم الأزمات السياسية التي تعترض الدول، يمكن تمييز خطوتين مترابطتين من الحلول، نستطيع تسميتهما بـ «الخطوة الحقوقية» و«الخطوة السياسية». وتشمل الخطوة الحقوقية في العادة أموراً عديدة تقع عادة في خانة حقوق الإنسان، مثل: إطلاق سراح المعتقلين، والسماح بالسفر للممنوعين، وإعادة المفصولين من أعمالهم، وربما تعويض ضحايا التجاوزات، وغير ذلك. مثل هذه الخطوات هي في صميم العمل الحقوقي، ولكنها أيضاً خطوة سياسية تمهيدية للحل السياسي لجذور المشاكل. إنها تمثل اختباراً لحسن النوايا، وجديّة الإرادة السياسية للوصول الى حلّ، كما تمثل تهيئة للنفوس والمشاعر ـ التي يأكلها الشك وعدم الثقة ـ بأن هناك أفقاً للحل، واستعداداً لخوض غماره. لقد جربت البحرين هذا الأمر بداية الإصلاحات قبل عقد من الزمن، حيث جرى تبييض السجون، وعودة المبعدين، وإلغاء قانون أمن الدولة، ومحكمة أمن الدولة، وإعادة المفصولين الى أعمالهم، بل وتعويضهم عن الفترة الماضية بمساعدات مالية وغيرها. ليصار لاحقاً الى الحلّ السياسي الذي ابتدأ باعتماد ميثاق العمل الوطني كعقد اجتماعي جرى في استفتاء نال إجماعاً وطنياً شاملاً «أكثر من 98% أيّدوه»، ولتأتي بعدها رحلة بناء المجتمع المدني والسياسي، حيث الانتخابات البلدية والنيابية، وحيث تشكيل الجمعيات السياسية، ومنظمات المجتمع المدني، وانطلاق الحريات العامة في التجمع والتعبير عن الرأي عبر الصحافة والإعلام، الى غير ذلك من أمور. هناك من يرى بأن الانتكاسة التي حدثت منذ فبراير الماضي، كانت متوقعة، على الأقل نظرياً. فمادامت البحرين في مرحلة انتقالية، فإن التراجع أمرٌ ممكن، وهو قد حدث في دول أخرى. وعلى الدوام، هناك قوى ومراكز سياسية لا تريد الإصلاحات السياسية، إما لأنها تضرّ بمكانتها، أو لأنها غير مقنعة لها، أو لأية أسباب اخرى. وما حدث في الأشهر الماضية، يمكن قراءته ـ من وجهة نظر بعض المحللين ـ بأنه تغلّب للقوى الممانعة للإصلاح على الإصلاحيين، سواء في السلطة أو المعارضة. ولهذا جرى اختراق وتجاوز ما جاءت الإصلاحات من أجله، في مجال تعزيز حقوق الإنسان، وتوسعة الحريات العامة، وإعطاء كلمة أكبر للجمهور في صناعة القرار. لكننا نعتقد بأن هذه الانتكاسة مؤقتة، أو هذا ما نؤمل أن يكون حقّاً. حيث تجب العودة الى المبادئ الأولى التي حكمت العقد الجديد بين السلطة والمجتمع، منذ عشر سنوات. من الصعب على المواطنين الذين ذاقوا طعم الحرية أن يعودوا الى مرحلة ما قبل الإصلاحات، وقد يكون مستحيلاً فعل ذلك في الوقت الحاضر. ومن الصعب على من خطط للإصلاحات أن يرى منجزاته تتسرب بفعل التجاوزات لحقوق الإنسان، أو بفعل جهات سياسية تريد ليس فقط حرق المراحل السياسية، بل والغاء النظام السياسي القائم برمّته. هناك محاولات استيعاب للأزمة، والعودة الى مربع الإصلاحات والقيم التي أقرها وأكد عليها ميثاق العمل الوطني والدستور، كما أكدتها الممارسة العملية أيضاً. ولأن المشكلة سياسية، عبّر ولي العهد عنها بقوله أن تلك الإصلاحات كانت بطيئة وغير كافية وأنه لم يتمتع بها كل أطياف المجتمع. لذا فإن مواجهة المشكلة يتطلب استخدام أدوات سياسية، رسم بعض ملامحها مؤخراً وزير العدل على شكل تعديلات دستورية وقانونية، وتطور ديمقراطي قادم قال عنه أنه سيكون مفصلياً، حسب تعبيره في مقابلة مع الشرق الأوسط (7/9/2011). لكن لا يمكن الذهاب مباشرة الى حلول سياسية ما لم تتم تهيئة الأرضية الحقوقية. هناك عدم ثقة متبادل بين اللاعبين السياسيين، وهناك متشددون يغذّون عدم الثقة، وآخرون يحرضون على المواجهة والمصادمات، وهناك انشقاق اجتماعي على خلفيات طائفية/ سياسية، والأهم هناك إجراءات وسياسات اتخذت على الأرض أبان الأزمة، تقف حاجزاً أمام الإنطلاق. كما هو متوقع، اتخذت الحكومة المبادرة متجاوزة عدم الثقة القائم، وشكلت اللجنة المستقلة لتقصي الحقائق، تمت ترجمة عملها على الأرض، بإطلاق سراح مئات المعتقلين، والموقوفين، وإعادة المئات من المفصولين الى أعمالهم، وكذلك إعادة بعثات الطلبة، وحل مشكلة أماكن العبادة، عبر تمويل بنائها، وقوننتها، وغير ذلك. يضاف الى ذلك، اتخذت خطوة في الجانب السياسي عبر عقد جلسات الحوار الوطني، الذي رغم كل النقد والإعتراض الذي واجهه من عدد من قوى المعارضة، إلا أنه قدّم مرئياته للخروج من الأزمة، والتي تستجيب ـ وعلى الأقل ـ لبعض المطالب الأساسية للمعارضة. هناك آمال معلّقة على لجنة تقصّي الحقائق لإنجاز الحل الحقوقي، حيث سيصدر تقرير اللجنة في نوفمبر، وعليه فإن الأمل بحلّ معظم ـ إن لم يكن كل ـ القضايا المتعلقة بملف حقوق الإنسان، بنهاية هذا العام. هذه الخطوات هي بمثابة رسالة سياسية الى قوى المعارضة، حتى وإن لم تأتِ تلك الخطوات عبر تفاهم بين الطرفين كما كانت تتمنى. الرسالة تحمل إرادة سياسية بأن الحكومة تمتلك الشجاعة لمراجعة قراراتها وإصلاح أخطائها وتحمّل المسؤولية القانونية في ذلك، وهذا ما عبّر عنه ملك البحرين نفسه في خطابه (28/8/2011) حين أشار الى مواجهة الأخطاء إن وقعت ـ حسب تعبيره، حيث «لا يرضينا أن يتعرض أي من أفراد شعبنا بما يمس أمنه وحريته ومصدر رزقه وتحصيله العلمي، بما يبقي في نفسه مرارة، تؤثر على عطائه لوطنه. فالتسامح والابتعاد عن العنف هو ما نصبو إليه، وليس التشدد في العقاب بما يؤثر على وحدتنا وتلاحمنا وتعايشنا الوطني. وهذا يتطلب أن نبني جسور الأخوة والصداقة لتجتمع القلوب على ما هو خير للجميع، وعندما نرى العمال يزاولون أعمالهم، والطلبة في طلب العلم، فإن تخلّف البعض لسبب ما، يلزمنا البحث في معالجة أمرهم ليلتحقوا بزملائهم، وبهذا يكتمل الركب في العمل بما يعود بالخير عليهم وعلى عائلاتهم وبلدهم. وهذه أوامرنا للمؤسسات المعنية بهذا الشأن، وعليها المتابعة وبخطوات أسرع». وأضاف: «هناك من مواطنينا من تعرض للإصابة وللمعاملة السيئة وللوفاة من مختلف الأطراف. فهناك رجال أمن استشهدوا وهم يقومون بواجبهم تجاه وطنهم، ونحن مسؤولون عنهم وعن عوائلهم. وهناك من قبض عليه ومن ثم أثبت التحقيق بأنه قد تعرض، وبصفة فردية، للمعاملة السيئة والإساءة وهو قيد الاحتجاز، وهذا شيء لا يرضي الله سبحانه وتعالى ولا يرضينا. فمن مسؤولية الدولة أن توفر لهم الحماية اللازمة حتى يأخذ القانون مجراه. ولا بدّ أن يعلم الجميع أن في البحرين لدينا قانونا يسمح للمتضررين من سوء المعاملة بطلب التعويض، وربما لا يفهم البعض هذه القوانين أو يظنون أنها لن تطبق بعدالة، لذلك سنطلب من المجلس الأعلى للقضاء لمتابعة تحقيق ما تقدم. وما اللجنة المستقلة لتقصي الحقائق إلا خير دليل على التزامنا الكامل لمعرفة الحقيقة، ولإعطاء كل ذي حق حقه». هذه نصوص واضحة لا تحتمل اللبس وسوء الفهم والتقدير، في تحمّل المسؤولية الوطنية، والإشارة الى الخطأ بشفافية، ومعالجة الخطأ بشجاعة. ويبقى على المعارضة نفسها أن تتفهم الرسالة، وأن تقوم هي بذات المراجعة السياسية لأخطائها، وأن تتعاون مع السلطة التنفيذية عبر الحوار لإنجاز الحلّ السياسي المتوازن والمستدام، والذي يستجيب لمصالح الأطراف كافة. لقد أُخذ على جمعية الوفاق والتي تمثل رأس المعارضة الأكثر جماهيرية، أنها فرطت في الحوار في فترة سابقة مع ولي العهد، ما أضعف القوى الداعية للإصلاح، وأخذ عليها أيضاً انسحابها من البرلمان ما أضعف المؤسسة الدستورية، وعمّق الإنقسام المجتمعي، كما أُخذ على خطاب الوفاق أنه أخذ ينحو باتجاه التصعيد في الآونة الأخيرة، ما يجعل الحلّ التوافقي صعب المنال، بل قد يكون مستحيلاً بدون حوار، خاصة مع جانبي العائلة المالكة، والقوى السنيّة. تتهم الوفاق جهات في السلطة بأنها تريد تهميشها سياسياً، وأنها لا تنظر أو تقدّر تمثيلها الشعبي، وتحاول تجاوزها في التعديلات الدستورية القادمة كما في الحوار الوطني الماضي.. ولكن الوفاق نفسها حين تضع سقفاً لمطالبها لا تتراجع عنه، ولا تستطيع إقناع القوى السياسية الأخرى به، فإنها تكون قد أوقعت ذاتها والبلاد في مشكلة الخيارات السياسية الأحادية. لا يستطيع السياسي تجاوز القوى الحقيقية في الساحة، والقوى مشخّصة اليوم ومعروفة، والإشكال الحقيقي ليس في شرعية المطالب فحسب، بل بقابلية تلك المطالب للتحقق، عبر الإقناع والتوافق الوطني. خلاصة ما نريد قوله هنا، هو أن المراجعة بدأت، وحل المشكلات ذات الطابع الحقوقي قد أخذت مكانها، وهي تمهد للحل السياسي للمشكلة القائمة، وإن هذا الحلّ يتطلّب من المعارضة تجاوباً ومرونة وتفهماً ووعياً بالمرحلة التي تمرّ بها البلاد، وذلك لإخراجها من أزمتها السياسية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا