النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10813 الجمعة 16 نوفمبر 2018 الموافق 8 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:37AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

ثورة في عقول المصريين وكل العرب

رابط مختصر
العدد 8225 الإثنين 17 أكتوبر 2011 الموافق 19 ذوالقعدة 1432

لكي تنجح ثورة 25 يناير 2011 المصرية وتنجز أهدافها، ينبغي ان تكون ثلاث ثورات.. في ثورة واحدة! ثورة على القيادة السياسية السابقة للبلاد، وهذه أنجزت على يد الشعب المصري بنجاح مبهر، وتبقى ثورتان، هما الثورة على الكثير من الموروثات الثقافية والسياسية في المجتمع، والثالثة ثورة على الذات، على ما يسميه الكاتب المصري ورجل الاعمال المعروف «طارق حجي» بـ «العقل المصري». وهو يرى في كتاب نشره عام 2007، ان التفكير المصري يعاني من عيوب ومشاكل، لا شك انه يشارك في العديد منها بقية شعوب العالم العربي، ولكنه في كتابه «تأملات في العقل المصري» ينغمس في نقد ذاتي يخصص له اكثر من مائة صفحة، فما هي أبرز «عيوب تفكيرنا المعاصر»، كما يراها طارق حجي؟ ما هي عيوبنا الحضارية والثقافية التي سمحت للأمور بأن تصل لما وصلت اليه؟ وهو يسخر ممن يجيبون على سؤاله بالقول «لأننا كنا مستعمرين لفترات طويلة»، اذ يسألهم فورا: ولماذا تعرضنا للاستعمار؟ «حجي» يورد في تحليله نحو عشرين سببا أو عيبا حضاريا، قد يتفق معها القارئ وقد يختلف، فحسم مثل هذه القضية بحاجة الى كتب وبحوث وإحصائيات وندوات، ولكن الكاتب الجريء يحاول على الاقل! من العيوب الحضارية التي يبدأ بها حديثه «تقلص السماحة في تفكيرنا المعاصر». ان درجة تسامحنا قد أخذت في التقلص والضمور خلال العقود الاخيرة بشكل مذهل، فمنذ قرابة نصف القرن كان المناخ الثقافي العام لدينا مشحونا بعدد من القيم الانسانية، وكان من هذه القيم المستقرة في روح القيادة بالذات «ان الاختلاف سُنة من سنن الحياة ومَعلم من معالم التواجد الانساني.. الا ان واقعنا قد شهد في سنوات لاحقة اشكالا من الفشل، جعلت هذا المناخ الثقافي العام يتزلزل». بل انتقل التعصب من عالم التفكير الى طبيعة تعاملنا مع الغير، ومع العالم الخارجي، وأدخلنا تقلص التسامح في عيب ثان، هو «المغالاة في مدح الذات». اننا لم نكن نعرف تلك الصفة منذ قرابة خمسين سنة، ولكنها بدأت على استحياء منذ نحو ربع قرن ثم استفحلت. لقد انفصلت الاقوال عندنا عن الافعال، و»تحولنا الى واقع خطابي اكثر من ان نكون واقعا عمليا»، نحن نتفاخر ليل نهار بتاريخنا وامجادنا في العالم العربي، غير اننا «اذا قارنا مجتمعاتنا بمجتمع كالمجتمع الياباني، وجدنا اليابانيين على اعلى درجات الفخر بوطنهم دون ان يتخذ هذا الفخر شكل كبريات الالفاظ والقصائد والاغاني والشعارات». وقادنا هذا بدوره الى «ثقافة الكلام الكبير»، فعندما نتحدث عن تاريخنا نستخدم الكلام الكبير واوصاف المبالغة والاغراق، وحتى عندما نفوز في مباراة لكرة القدم ننزلق الى نفس الانفعالات في التعبير. واذا تأملنا الصفحات الاولى بصحفنا ومجلاتنا وجدنا نفس الظاهرة، فكل لقاء هو «لقاء قمة»، وكل قرار هو «قرار تاريخي». اننا نكتب ونتكلم بهذه الكيفية اتساقا مع عيب كبير استقر في ثقافتنا. ان الغربيين في اوروبا وامريكا يزِنُون كلامهم، ويتجنبون المبالغة في الكلام والوصف، لانهم يعرفون ان «الكلام الكبير» انعكاس مؤكد لعدم المعرفة، او معرفة أنصاف الحقائق. «فالمعرفة الانسانية معقدة ومركبة ولا تسمح بالغرق في الكلام الكبير، بل تأخذنا الى لغة متوسطة تحاول قدر الطاقة، ان تعكس حقائق العلم والثقافة». اما ثقافتنا العربية فلاتزال عامرة بقصائد المدح والهجاء حتى قال النقاد معترفين بان «الشعر أعذبه الكذوب»! ويطالب «حجي» التربويين واولياء الامور بان يقفوا مليا امام هذه الظاهرة، وان ينبهوا الجيل الجديد الى آثارها الضارة عليهم. أول وابرز ضحايا هذه المبالغة الكلامية هو هامش الموضوعية، المتآكل! خلال سنوات عملي الاداري في احدى اكبر الشركات العالمية في مصر، يقول المؤلف، كان ضمن واجباتي اجراء مقابلات شخصية بالزبائن وبالمتقدمين للوظائف وغيرهم. ولم يكتف «حجي» بتدوين الملاحظات العادية والادارية بل كان يدون كذلك «ملاحظات حضارية وثقافية». في هذه المقابلات التي زادت عن الالف، وخرج منها المؤلف بحصيلة قيمة من «الهوامش»! وكان يوجه اليهم اسئلة عن شخصيات مصرية بارزة ليرى كيف يقيمونها وما الاوصاف التي يستخدمونها في الحكم عليهم وغير ذلك. اكثر من 90% كانت انطباعاتهم عن هذه الشخصيات من قبيل «طيب»، «متواضع»، «لطيف»، بينما لم تزد نسبة من حرص على استخدام كلمات مثل «كفء» و»مثقف» و»يتقن عمله بشكل ملحوظ»، و»منتج بشكل كبير»، و»له قدرة بارزة على القيادة».. عن 10%، ثم قام بإجراء نفس التجربة على 300 اجنبي من جنسيات اوروبية غربية، فكانت النتيجة معاكسة تماما، «فأكثر من 90% ممن اجريت معهم المقابلات لم يستعملوا الا تعبيرات موضوعية تتعلق بالعمل والكفاءة والقدرات والمواهب، واقل من 10% استعملوا تعبيرات شخصية». في احدى المقابلات المشار اليها مع المتقدمين المصريين للتوظيف، تطرق الحديث لاسم احد الوزراء المشهود لهم بالكفاءة والقدرة. اما تعليق الشخص الذي كانت تُجرى معه المقابلة فكان انطباعه «ان هذا الوزير من اعظم الوزراء قاطبة في بلدنا. تصور انني ذهبت لمقابلته، ورغم فارق المكانة فقد أصر على توصيلي للمصعد وانتظر حتى ذهبت». وهكذا، يقول «حجي»، «لم تكن مبررات الحكم مستمدة من كفاءة ادارية او عبقرية في التخطيط والتنفيذ.. وانما كان المبرر بسيطا للغاية، مجرد لمسة شخصية في التعامل لا علاقة لها على الاطلاق بقدرات ومواهب وامكانات وانجازات من كان الحديث يدور حوله». من عيوب تفكيرنا المعاصر، يضيف حجي، الايمان بان «من ليس معنا فهو ضدنا». ففي مؤسسات اقتصادية، على العكس تماما، رأيت عقد أي مجموعة عمل ينفرط من الغربيين والآسيويين واليابانيين والصينيين، دون اية تشققات في وحدة الفريق، بينما يصعب هذا التعايش بيننا، ولا يولد التفكك سوى المزيد من الخصومات والنفور. فالعديد منا يعتبرون ان آراءهم «جزء منهم ومن كيانهم، وبالتالي فإنها جزء من كرامتهم وكبريائهم»، مرة اخرى نحن نختلف عن الاوروبيين والآسيويين، حيث «اظهرت لي تجربة التعامل الطويل، ان الانسان في مجتمعات هذه الحضارات لا يعتبر ان آراءه جزء منه.. ان انسان هذه الثقافات يفصل بوضوح تام ما بين ذاته وآرائه». ان آراء هؤلاء مجرد افكار معرضة للقبول والرفض والنقاش «اما عندنا، فالامر مختلف كل الاختلاف اذ ان الآراء تكاد تكون لأصحابها مثل الاعضاء والملامح». واذا اخذنا بالاعتبار العيوب الثقافية الاخرى، ووضعنا كل هذه المشاكل في حداثة مفهوم المواطنة وغلبة الانتماء للعائلة والقرية وسطحية التربية الديمقراطية، «فان اسباب دمج الذات مع الآراء تتعاظم وتجعلنا امام واحدة من اهم عوائق التقدم». نحن لا نكتفي بهذا التصلب الفكري والعناد في المواقف مهما كانت الادلة، بل نعاني من «الاقامة في الماضي»، مفترضين عادة اننا الوحيدون الذين يملكون ماضيا مجيدا. و»المنطقي ان نفتخر بجوانب عديدة من ماضينا افتخارا متزنا غير مشوب بالحماسة الزائدة والتعصب وعدم اعطاء الآخرين حقوقهم». بل حتى هذا التفاخر لا يقوم دائما على علم او دراسة للتاريخ! «فما اكثر الذين يسمون انفسهم بأنصار مصر الفرعونية وهم لا يعرفون الف باء هذه الحقبة. وما اكثر الذين يسمون انفسهم بالإسلاميين وهم على غير علم بمعظم التاريخ والتراث». نحن لا نرحب بالنقد، رغم ان النقد وتعدد الآراء «اهم ادوات الفكر التي صنعت المجتمعات الغربية المتقدمة». وفي الغرب يتعلم الانسان ان لا شيء يعلو فوق النقد والتدقيق فيما للشخص وما عليه، وما يؤيد الفكرة وما يدحضها. وبينما يتعلم الطفل الاوروبي حرية الفكر والنقد يتغلغل ضيق الصدر بالنقد في عقول ابناء وبنات مجتمعنا منذ الصغر، وعشرات بل مئات الامثلة تؤكد اننا «إما ان نتفق تماما، واما ان ننطلق الى مرحلة التراشق بأشد الكلمات حدة وتجريحا. اما مرحلة النقد الهادئ والموضوعي والقائم على اسس عقلانية، فمرحلة يندر ان نمر بها، لان معظمنا لم ينشأ ولم يتدرب عليها». ومن ابرز مشاكل تفكيرنا «الاعتقاد المطلق في نظرية المؤامرة». فكل حوادث تاريخنا الماضي والحاضر نتائج مؤامرات ودسائس. وكل ما نعيشه اليوم من اوضاع من فعل الاعداء. وكل ما سيقع لنا في القريب العاجل أو البعيد الآجل خارج من مخططات خبيثة ينشغل الاوروبيون والامريكان اليوم بحبكها ضدنا تمهيدا لوضعها موضع التنفيذ. «فكل من يمكن ان يندرجوا تحت مسمى «الاسلاميين» يؤمنون ايمانا «صخريا» واضحا كضوء الشمس بصحة هذه المقولات».. ويؤمن بها معظم الماركسيين والاشتراكيين، ويصدقها جمهور واسع من عامة الشعب! إن تأثر جمهور العالم العربي بنظرية المؤامرة الشاملة، بالشكل الذي يحلله «طارق حجي»، يكاد يقنعنا بأن هذا الثائر هو الوجه الآخر للاستسلام والقدرية التي جرى حولهما نقاش طويل في تاريخ الفلسفة وتاريخ المذاهب الإسلامية والتاريخ السياسي النهضوي في العالم العربي الحديث. والمؤلف إذ ينكر وجود مؤامرة شاملة ترسم مستقبلنا وواقعنا وماضينا، فهو لا ينكر وجود «الصراع»، وهو بالطبع مفهوم مختلف عن معنى «المؤامرة»، والصراع يعني «أن هناك لعبة لها في كل زمن قواعد»، وأن على من يريد لنفسه مكانة بارزة فوق الأرض أن يخوض الصراع بأدوات وقواعد تضمن أطيب النتائج، كما ان الصراع لعبة مفتوحة مقارنة بالمؤامرة، ويكتنفه غموض أقل «إن الصراع العالمي شرس ومضنٍ وبالغ الصعوبة ولكن الأمم تكون أكثر قدرة على خوضه بنجاح وكرامة إذا كانت مستعدة ومهيأة له». يشير «حجي» إلى ثلاث ثقافات تتفاعل في عقل الإنسان المصري، فمصر تاريخياً جزء من الثقافة العربية الإسلامية، وهي جغرافيا جزء من ثقافة البحر المتوسط، وهي اليوم جزء من الثقافة الغربية أو العالمية، ولكن المشاهد، يقول حجي، «إن أعداداً كبيرة من مثقفينا والشخصيات المهتمة بالشؤون العامة في واقعنا تملك محصولاً هزيلاً من اللغة العربية، بل وأكاد أجزم أن بعضهم لا يملك أن يتكلم بلغة عربية سليمة لمدة وجيزة.. إن عددا من مثقفينا لا يكاد يعرف شيئا عما أنتجته الثقافة العربية». المدهش أن العديد من هؤلاء ممن لم يتعمقوا بأي شكل في دراسة الثقافة العربية ونتاجاتها، «لا يتورع عن تنصيب نفسه مدافعا بعاطفية متأججة وانفعال عنفواني عن ثقافتنا العربية». ماذا استفاد العقل المصري من ثقافة البحر المتوسط؟ يقول حجي إن هذا العقل «اتسم دائما عبر التاريخ بصفة تسامح قوية، هي أهم مزايا الشخصية المصرية»، ويعتبر هذه الصفة ناجمة عن التأثر بثقافات البحر المتوسط من يونانية ورومانية وفينيقية وغيرها. وفي مجال المقارنة بين الثقافات، يلاحظ «حجي» أن اللغة العربية واللهجة المصرية خاليتان من ترجمة لكلمة Compromise، الواسعة التداول في الثقافة واللغات الأوروبية، وتعني عادة «الحل الوسط»، أو التفاهم والاتفاق، كما استرعى انتباهه أن الأفراد الذين ينتمون لخلفية أوروبية غربية يستعملون الكلمة أكثر من الذين يجيؤون من خلفيات ثقافية شرقية، أما ثقافتنا العربية فشديدة الارتياب بمدلولات هذه الكلمة، والمثقفون عندنا «يقرنون المصطلح بمجموعة من المعاني الأخرى مثل (التنازل) (التراجع) و(التخلي) و(الضعف) (الهزيمة)، وهي أمور لا تخطر على بال الإنسان الغربي وهو يستعمل المصطلح». إن الثقافة العربية تعاني كذلك من «الأفكار النمطية»، والانطباعات السائدة، وهي منتشرة في كل الثقافات، ولكنها في ثقافتنا تتفاعل مع المشاكل والأمراض الأخرى فيتضاعف تأثيرها. فمحصولنا المعرفي محدود، وثقافة الحوار معطلة، ورؤيتنا للعولمة سلبية. «وما أقصده بالأفكار النمطية، تلك الصيغ التي تشيع بين الناس بحيث يرددها كثيرون دون أن يتصدى معظمهم لفحصها وتمحيصها وعرضها على العقل»، إلى جانب هذه الصور النمطية التي تزخر بها ثقافتنا، تمتاز هذه الثقافة، يقول «حجي»، بذهنية إنكار العيوب والمشكلات، والذهنية الأيديولوجية أو العقائدية، فقد «لمست في كل المجتمعات الأكثر تقدماً وجود نظرة للإنسان الأيديولوجي تشبه النظرة لمريض يجب دراسة وفهم حالته ومحاولة علاجها، فلا يوجد مجتمع واحد متقدم على ظهر الأرض اليوم تتكون النخبة القائدة والرائدة فيه من أيديولوجيين». ثقافتنا لا تعترف بعللنا، بل تنفي وجود المشاكل وتحاول المرور من جوانبها دون مسها، وتبرز صحفنا نقطة إيجابية واحدة في بعض التقارير وتخفي بقية المعلومات، فهذا من مقتضيات «ثقافة النفي» السائدة. نعلم جميعا بعيوب مؤسساتنا التعليمية، وبأنها تُخرج طلبة غير مؤهلين، لغتهم الانجليزية ضعيفة، وعاشوا طويلاً في ظل تعليم قائم على التلقين والحفظ، تم حشو رؤوسهم بأن هناك نموذجاً واحداً للصواب، ولم يتدربوا على التسامح والنقد، ومع هذا نتجاهل هذه الحقائق. أما في مجال العمل والإنتاج، فتتحكم بنا فوق كل شيء «ثقافة الموظفين»! فالتوظف الحكومي أفضل من التوظف للقطاع الخاص، والتوظف الحكومي مصدر وجاهة اجتماعية، والاستقالة وتغيير العمل من الأمور النادرة الحدوث. إن المجتمعات المتقدمة الحديثة لا تعرف مثل هذا التوظيف الذي نراه في مصر وغيرها، والكثيرون يغيرون مهنهم ويتركون الوظائف والمهن التي يختارونها في البداية من أجل فرص أخرى في الترقي، وقد يبدلون مهنهم وهم في منتصف وأواخر أعمارهم الوظيفية، ولكن في الثقافة المهنية العربية.. حتى المكاتب والكراسي تُخلد! والآن، هل تستطيع الثورة المصرية الجديدة أن تنتقل من درجتها الأولى والثانية.. إلى الثالثة؟ ثورة شعارها: «العصر يريد تغيير العقول»!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا