النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10815 الأحد 18 نوفمبر 2018 الموافق 10 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

مــــن الأوهــام الحاكمـــة للثقافــــة العربيــــ

رابط مختصر
العدد 8222 الجمعة 14 أكتوبر 2011 الموافق 16 ذوالقعدة 1432

على امتداد أكثر من 8 مقالات كان الجامع الرابط بينها البحث عن إجابة شافية لسؤال النهضة الكبير: لماذا تقدم الآخرون وتخلفنا، عبر طروحات فكرية شخصت الداء وصولاً إلى علة العلل، منها الطرح الفكري للبليهي الذي ركز على التخلف الثقافي كعلة أم في الإخفاق العربي المزمن والمعوق الأكبر للتنمية والمغذي للتخلف العلمي كالاستبداد السياسي والتطرف وعدم قبول الآخر، وفي البداية أود تسجيل ملاحظتين: الأولى: إن المقصود بالثقافة هنا الثقافة المجتمعية السائدة لدى الرأي العام في المجتمعات العربية والتي يتشربها الأفراد ويتبرمجون عليها منذ طفولتهم فتصوغ عقلياتهم وسلوكياتهم ونظرتهم للآخرين. الثانية: إن المقصود بتحليل هذه الثقافة ونقدها الجانب السلبي المعوق للتقدم لا الجانب الايجابي المتضمن قيم المروءات والتكافل والتعاون وكان العامل الأكبر في حفظ كيان الأمة الاجتماعي عبر القرون المتوالية رغم زوال الحضارة الإسلامية وانقضاء الخلافة، وانطلاقاً من هذا المفهوم فإن ثقافتنا كغيرها من الثقافات فيها من العناصر الإيجابية ما يدعو إلى دعمها والتمسك بها وترويجها. لقد تناولنا فيما سبق معوقات ثقافية مثل: القيمة المركزية للسلطة وثقافة المكابرة والإنكار، وأضيف هنا معوقين ثقافيين هما من جملة الأوهام الحاكمة للثقافة، علينا تجاوزهما في عصر الربيع العربي الساعي إلى تجاوز معوقات النهوض ولا تجاوز إلا بالتغيير الثقافي أولاً: 1ـ وهم الماضي الزاهر: التصور السائد لدى القطاع الأكبر في مجتمعاتنا ان الماضي كان مجيداً مشرقاً وأفضل وأسعد من حاضرنا ولعل هذا الوهم المزمن هو ما يدفع الحركات الإسلامية ان تجاهد لاستعادة حلم الخلافة أملاً في استعادة الماضي الجميل! وهي في سبيل ذلك تناهض الأنظمة السياسية القائمة وتثير الاضطرابات ضدها وتزرع الكراهية في نفوس الجماهير تجاهها، كيف تشربت النفسية العربية هذا الوهم؟! كيف هيمن على المخيال العربي؟! لقد تم ذلك باسلوبين: الأول: عبر المنهج الانقائي في تدريس التاريخ كما يقدم ضمن المقررات المدرسية حيث يتم التركيز على «اللحظات المضيئة» وحدها في تاريخنا مع تغييب ألف عام من المظالم والقهر والصراعات الدموية على السلطة وقمع المعارضين والفتن الطائفية والمذهبية وإذلال الشعوب الأخرى، علماً أن نظرة موضوعية فاحصة للتاريخ العام تؤكد أن هذه اللحظات المضيئة إنما تشكل استثناءات في مجرى التاريخ العام وتحتل المساحة الأقل فيه، نحشي ذهن الطالب بالمآثر والأمجاد وببطولات صلاح الدين وانتصاراته ونغيب الوجه الآخر غير المضيء من حكمه، نلقنه مقولة الرشيد للغمامة «امطري حيث شئت فسيأتيني خراجك» فخراً بعظم الامبراطورية الإسلامية ولا نذكر شيئاً عن كم الدماء التي أسيلت حتى يأتي هذا الخراج! فظائع الحجاج نلتمس لها عذراً واضطهاد الأئمة الأربعة أمر مكتوب وانتقام العباسيين من الأمويين بوحشية أمر يحصل مثله عند كل الأمم! الأسلوب الثاني: عبر المدونات الدينية: كتب وخطب وبرامج دينية همها ابراز الهوامش المشرقة وحدها في تاريخنا، وكأنه تاريخ منزه لا تاريخ بشر لهم طموحاتهم وأطماعهم يصيبون ويخطئون! وقد أفرز هذا الوهم الكبير جملة من النتائج الخطيرة منها: عقلية ماضوية ترى مستقبلها في ماضيها، تلتمس منه حلولاً لقضاياها اليوم وهذا ما يجسده إدمان مجتمعاتنا على الفتاوى في كل صغيرة وكبيرة من أمرها، انقياداً للشيخ وظناً أنه يملك الحلول واتكالاً عليه وهروباً من المسؤولية وتعطيلاً للعقل الفاصح مع أن رسولنا عليه الصلاة والسلام خاطب المسلمين «أنتم أعلم بأمور دنياكم» أي أعلم من الشيخ فيها، وجعل من ضمير المسلم مفتياً «استفت قلبك» ومنها أيضاً عدم القدرة على الافادة من تجارب الماضي لتحصين المجتمع ضد تكرار الأخطاء، واضافة إلى ذلك اضعاف مناعة المجتمع الثقافية في مواجهة آفات الماضي: الاستبداد، التعصب، التطرف، عدم قبول الآخر، فانبعثت من جديد أشد غلواً وفتكاً، كما أفرز المنهج الانتقائي طلاباً غير متصالحين من مجتمعاتهم وعصرهم يعيدون انتاج موروثات الماضي في صراعات طائفية وعصبيات قبلية وتفجيرات دموية. 2ـ وهم أفضلية الرجل على المرأة: وهو وهم مستحكم وراسخ في العقلية الجمعية، إذ لايزال الرأي العام يؤمن بأفضلية الرجل وأعلوية مكانته، ولايزال قطاع كبير يعتقد أن المرأة لا تفلح إلا في مهمتين: إمتاع الرجل وتربية اولاده! وهو وهم تسرب من ثقافة الجاهلية، كان الجاهليون محكومين بنمط انتاجي يقوم على الغارات والغنيمة مورداً معيشياً والمراة لا تحسن الكر والفر فلا تأتي بالغنائم فكان عليها القبول بالمكانة الادنى، وعندما جاء الإسلام العظيم كان الرسول عليه الصلاة والسلام خير ناصر للمرأة فحظيت بمكانة عالية وبتوالي القرون عادت مواريث الجاهلية التي كانت حية في الأعماق لتشكل نظرة المجتمع للمرأة ولتهمش مكانتها في المجتمع حتى إذا وصلنا إلى نهاية القرن الخامس الهجري عصر الضعف الحضاري نجد إماماً عظيماً، أبوحامد الغزالي، يقول في كتابه: احياء علوم الدين، أن للمرأة 10 عورات فإذا تزوجت ستر الزوج عورة واحدة، فإذا ماتت ستر القبر العورات الباقية، وهو يبلور النظرة المجتمعية للمرأة في وصاياه الذهبية فيقول: على الزوج ألا يشاور الزوجة فإذا فعل، عمل بخلافها لأن خلافهن بركة! ويحذر الرجل من كيد النساء فهو كيد عظيم كما يحذره من اكرام المراة لأنك إذا أكرمتها أهانتك وإذا اهنتها أكرمتك! ولازال هذا المفهوم سائداً عند البعض في مجتمعاتنا والإمام يعلل ذلك: بسبب اعوجاج طبعها وركاكة عقلها، وهو في ذلك يعمم الحكم على جميع النساء ولا يستثني إلا استثناء الغراب الأعصم بين مئة غراب، هذه النظرة المظلمة هي التي شكلت الاطار المرجعي للقرون التالية إلى يومنا لتعاليم الإسلام السامية وحكمة الأفق الثقافي للمجتمعات العربية حتى إذا وصلنا إلى القرن الثامن الهجري نجد اماماً كبيراً كالذهبي في كتابه الكبائر، يزيد صورة المرأة قتامة، وللإنصاف التاريخي فهذه الصورة المظلمة المنتقصة من المرأة، شارك في انتاجها وتدويرها وتداولها جميع أهل الفكر والثقافة والأدب ولم تقتصر على الفقهاء وقد انتقل هذا الموروث الثقافي المشوه إلى ثقافتنا المجتمعية لتعكسه مناهجنا وإعلامنا ومنابرنا، وبالرغم من كافة الجهود الإصلاحية على مستوى السلطة والمثقفين والعلماء المستنيرين إلا أن النظرة المجتمعية مازالت حبيسة ثقافتها ومازالت العقلية العربية ترى فرض الوصاية على المرأة إما خوفاً منها أو عليها ومازالت التشريعات العربية بما فيها تشريعات الاسرة، تغلب مكانة الرجل على المرأة وتعلي من حقوقه على حقوقها، فالرجل يطلق المرأة بكلمة مازحة لنزوة عابرة، والمرأة إذا ضاقت بها الحياة الزوجية عانت الأمرين في سبيل تخليص نفسها من السجن الزوجي! ولو أجريت استفتاء عاماً في قضية تخص المرأة لوجدت الأغلبية في غير صفها، ومازالت الثقافة المجتمعية تستنكر إعطاء المرأة حق نقل جنسيتها لأولادها إذا تزوجت من غير المواطن!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا