النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10814 السبت 17 نوفمبر 2018 الموافق 9 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:27AM
  • المغرب
    4:48AM
  • العشاء
    6:18AM

كتاب الايام

الطائفية وحقوق الإنسان

رابط مختصر
العدد 8215 الجمعة 7 أكتوبر 2011 الموافق 9 ذوالقعدة 1432

قد يكون من الضروري التذكير مجدداً بأن شياع الروح الطائفية في أي مجتمع، والتعصب للجماعة على أسس دينية أو قبلية أو مناطقية، يمثل خطراً كبيراً على الانسجام بين المواطنين ومصالحهم، كما يشكل خطراً كبيراً على بنيان الدولة نفسها. كما ان الطائفية في جوهرها عدوّة لحقوق الإنسان؛ وتقف مناقضة للحريات العامة بشتى أنواعها؛ ولكل مبادئ المساواة والعدالة والحق. الطائفية التي طغت على المشهد السياسي في البحرين، تحطّم أسس التعايش، وتضرّ بمختلف الأطراف، وتأتي على كل ما أنجزته البحرين في ماضيها القريب، وتؤسس لسلوكيات ومواقف لا يقبل بها شرع أو عقل أو قانون. الطائفية في أحد جوانبها ضد المساواة بين المواطنين. فهي تنزع باتجاه تنزيه الذات، وتشيع في أفراد الجماعة حسّ المظلومية، وأنهم لم يحصلوا على حقوقهم، وأن «الآخر» أخذ أكثر من حقّه، وأنه يريد أن يعتدي على ما لديهم. وهي فوق هذا، ترسخ الصورة النمطية تجاه الآخر، وتمنع من رؤية الأمور على حقيقتها. والطائفية تعزز محاباة وتفضيل المنتمين لطائفة من المواطنين على آخرين، خلافاً للمساواة، ويطيب لها ان تستأثر بما تستقطعه من خدمات ومواقع وغيرها، وهي قادرة على صناعة التبرير لمثل هذه الأفعال. والطائفية تجيز لأنصارها الاعتداء على الآخر في كرامته وحقوقه ومعتقده؛ كما تبرر لهم اتهامه بمختلف الشناعات، فلا يوجد خطأ إلا من الآخر، ولا مشكلة إلا وسببها المختلف مذهبياً. كذلك تدفع الطائفية من ابتلي بها الى إشاعة روح الانتقام غير المبرر، والى استخدام العنف، وتبريره، والاعتداء على الممتلكات العامة للدولة والخاصة للمختلف معها. كما ان الطائفية تشجع خرق القانون، وعدم التقيد بأحكامه وإجراءاته عبر مؤسسات الدولة والقضاء، لأن المطلوب ليس العدالة وسيرورتها بل الافتئاث على الآخر. باختصار الطائفية في جوهرها ضد حكم القانون والعدالة، وعادة ما يكون هناك نزوع حاد باتجاه عدم تقيّد الطائفيين بهما، ويجدون أنفسهم في تناقض معهما. الطائفية تجد متسعاً رحباً من النشاط والفاعلية في اللا قانون، وهي تشجع على عدم الالتزام به، حيث الفضاء مفتوحاً لممارسة كل البشاعات. الطائفية عدوّة للحريات العامة، فالطائفي لا يرى إلا جماعته، ولا يدافع إلا عما يراه حقّه، وهو لا يرى للآخر أي حق، حتى حق الحياة يمكن أن يضيع في خضم الصراع الطائفي، وقد وجد مثل هذا في عدد من البلدان. أينما وجدت الطائفية، تقلصت حرية التعبير، وحرية الصحافة، والسبب أن الطائفي يضيق هامش الحريّة على نفسه، ويحصر استخدامه لها في إطار ضيّق، وعلى جماعة محددة، مدافعاً عن مواقعها ومصالحها. وفي ذات الوقت، لا يريد الطائفي لمنافسه أو غريمه، كما يتصور، أن يعبّر عن نفسه، أو يدافع عن كينونته ومصالحه، بل لا يريد للثقافة المتنوعة أن تظهر، ولا يرى الحق إلا في سيادة المصلحة الفئوية، والثقافة الواحدية، وبالتالي سيادة هوية فئوية لتغطي على المجتمع والدولة. والطائفية تعزّز الانفصال الشعوري والمصلحي المشترك بين المواطنين، وبذا تدمّر أسس التعايش، وتفسح المجال لاحتمالية الصدام الحادّ، وما وجد في العراق من حرب على الهوية الطائفية إلا نموذج فاقع لذلك. كذلك فإن الطائفية تسعى لجرّ الدولة ومؤسساتها للحرب في خنادقها؛ وبهذا تنهار أركان الدولة، وتصبح عاجزة عن حل مشاكل مواطنيها، لغياب قيم العدالة والمساواة، وخسارة الدور الأبوي للدولة الذي يفترض أن تمارسه بشكل شامل لكل مواطنيها. وفي مثل هذه الحالات، تكون البلدان المصابة بمثل هذا الداء أقرب الى الحرب الطائفية، يتقاتل الطائفيون فيها من خنادق الدولة، كلٌّ يمسك بجزء منها، ويحارب الآخر به، كما رأينا ذلك في لبنان أثناء الحرب الأهلية. لهذا كلّه، فإن الطائفية لا تمثل خطراً على ضحيتها فحسب، بل على من يمارسها. إنها خطر يتهدد كامل المجتمع بمختلف أفراده وانتماءاته. أي أن مخاطرها قد تتوسع ولا تقف عند حدّ، وجراحاتها التي تخلفها تتطلب زمناً طويلاً للاندمال. ولهذا كلّه أيضاً، فإن الطائفية لا يمكن أن تكون حامية للنظام والقانون ومؤسسات الدولة، فالطائفية نقيض للدولة، هي تريد أن تأخذ مقعد الدولة، بحيث تصبح الأخيرة أداة من أدوات معاركها؛ وهي، أي الطائفية، تقوم بالفعل بتدمير مقومات الدولة ومبررات وجودها. فالدول إنما نشأت لتلغي أو تضعف الانتماءات الضيقة، وما يتبعها من تعصب ومحسوبيات، وتخرج الناس من هذا الضيق الى أفق أرحب وتحت سقف تحكمه قيم المساواة والمواطنة والقانون. آن لكل واحد منا.. لكل مواطن بحريني، أن يتوقف ويفكر في المآل الذي تأخذنا الطائفية اليه، فهي لا تعيد حقاً، ولا توفّر وسيلة مثلى للدفاع عن الذات التي ضخمتها الطائفية، ولا تدافع عن الحق والعدالة والمساواة. آن لسياسيينا أن يوسّعوا أفقهم فيحافظوا على الدولة، وعلى السلم الاجتماعي، ويدافعوا عن القيم العامة العليا التي شرعها الدين، كما شرعتها قوانين الأرض، حتى لا يأتي يوم، لا قدر الله، ونبكي فيه على الأطلال، بسبب سيئات أعمالنا، حيث الكلّ خاسر، والكلّ ضحيّة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا