النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10756 الخميس 20 سبتمبر 2018 الموافق 10 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

حسن النية مقدم على سوء النية

رابط مختصر
العدد 8213 الأربعاء 5 أكتوبر 2011 الموافق 7 ذوالقعدة 1432

حدثني أحد الذين اعتادوا السفر سنويا إلى أوروبا بأن معاملة بعض الدول الأوربية في البيع والمعاملات الأخرى يفترضون فيك حسن النية، حتى إذا ما تجاهلت، أو تغافلت، أو جهلت، أو نسيت فهم سينبهونك ويلفتون نظرك إلى الأسلوب الصحيح والطريقة المثلى المتبعة، وهم في ذلك يعاملونك بحسن النية، ولكننا نعلم أن القانون صارم وحازم في التطبيق على من تثبت إدانتهم بمخالفة الأنظمة والقوانين أو الذين لا يلقون بالاً إلى التشريعات المنظمة للمعاملات المالية والاقتصادية والخدمات، أو التعدي على حريات الآخرين وتعريض أرواحهم أو ممتلكاتهم، عندئذ لا تشفع لأولئك شفاعة الشافعين سوى شطارة ومقدرة محاميهم، والمدافعين عن حقهم المدني. وأعتقد أن شريعتنا الغراء هي أول من أخذ بهذا المبدأ، فحسن النية مقدم في ديننا وشريعتنا على سوء النية، وقد تمثل ذلك في سلوك النبي محمد الهادي الأمين صلى الله عليه وسلم، وسلوك الصحابة رضى الله عنهم جميعا أبو بكر الصديق أول من أسلم من الرجال وأول المهاجرين مع الرسول، وعمر بن الخطاب الفاروق وعثمان بن عفان ذو النورين، والإمام علي بن أبي طالب أول من أسلم من الصبيان ووالد شهيدي الأمة، كما تمثل ذلك في سلوك الفاتحين الإسلاميين فيما بعد، وفي الولاة والتابعين، كذلك دولة الأمويين ودولة العباسيين، بل أصبح سلوكا أتبعه المسلمون على مختلف مذاهبهم وانتماءاتهم وإن كان هناك استثناءات فإنه لا يقاس عليها، فهي حجة على المسلمين وليست حجة على الإسلام. ولكننا في عصرنا الحاضر، للأسف الشديد، وجدنا أن سوء النية مقدم على حسن النية.. فهناك من يشكك في أقوالك قبل أفعالك، بل ربما يشكك في ضمائر الناس قبل أن ينطلق لسانهم، وكأنهم يقرأون الغيب، ويقرأون والعياذ بالله، ما تخفى الصدور. فإذا تكلمت فأنت غير مصدق، وإذا بعت أو اشتريت فإنك موضع شك في تمسكك بما أقدمت عليه، وإذا وضعت أهدافا واستراتيجيات وخططا فأنت مشكوك في قدرتك على تنفيذ ذلك، والوفاء بما تعهدت به، وكأنك في موضع شك دائم، فلا هؤلاء يصدقون الأفراد، ولا يؤمنون بأقوال وأفعال الجماعة ولا هم أيضا يثقون بالدولة، وكأنهم هم المكلفون بالتفكير عن الآخرين، والأوصياء على الجماعة، والمقدرون لمصائر البلدان والدول، والمكلفون بحماية الناس ومعتقداتهم، وأعراضهم، وأموالهم، وممتلكاتهم فيحلون أنفسهم مكان القانون والنظام والشرائع وينصبون ذواتهم بدلا من رجال الأمن وحفظة النظام، ويقررون مصير البلدان، ويرسمون طريق مستقبل المواطنين؛ وفي ذلك تجاوز لطبيعة الحياة، ومقدرات الأمم والشعوب، فكل واحد وضع لما قدر له سواء بعلمه، أو خبرته، أو وظيفته أو بالرسالة التي كلف بها من قبل مجتمعه، فلا أحد منا ينطلق من وحي ذاته ليفرض على الآخرين ما يراه هو ويؤمن ويعتقد به، وما سواه باطل، ولا يجوز الأخذ به، ولذلك فتفكير هذا النوع من البشر يقدم دائما وأبدا سوء النية على حسن النية .. وفي هذا خراب البلدان، وسوء المعاملة بين المواطنين، ودمار المستقبل، وضياع الأجيال. وهذا لا يعني أن نكون من السذاجة بمكان فنصدق كل ما يقال لنا، ونثق ثقة عمياء في كل ما يوجهنا وكأننا لا نملك عقلا، ولا نملك نفسا، ولا نتحلى بضمير فقد خلق لنا عقل لنفكر، وخلق لنا ضمير لنحكم الأمور، وخلق لنا السمع، لنقيم ما نستمع إليه، وخلق لنا البصر؛ لنتأمل في وجوه الناس ونقرأ نظراتهم ونقرأ شفاههم، فالكائن البشري كرمه الخالق جلا وعلا لتمتعه بالتبصر والروية، وحسن التصرف وحسن الخلق، وما وضعت القوانين الوضعية إلا لضمان سلامة التصرف، وحماية حقوق الناس، وضمان رعاية مصالحهم وصون أرواحهم وممتلكاتهم وأعراضهم، ولذلك فمثل ما نود أن يعاملنا الآخرون، فنحن مكلفون بأن نعامل الآخرين بالحسنى، ولا يكون ذلك إلا بتقديم حسن النية‘ على سوء النية، وإنزال الناس المنزلة التي تليق بهم، والمكانة التي يستحقونها يتساوى في ذلك فينا الغني والفقير، والصغير والكبير ومن يؤمن بما نعتقد، أو يخالف فيما نعتقد، سواء كان ذلك ديننا أو فكرا، أو توجها أو سلوكا. ولكننا في نهاية المطاف نسعى لأن يعيش الجميع في أمن وسلام، ودعة واستقرار، وطمأنينة وراحة بال، وسعي لأعمار البلاد، وضمان مستقبل الأولاد و الأحفاد، والعيش بكرامة وعزة نفس وإباء وشمم، فإذا كان «المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير»، فإن ذلك ينسحب، على ما اعتقد، على المواطن؛ فالمواطن القوي أحب إلى الله من المواطن الضعيف؛ فبقوة الإنسان تتحقق طموحاته وآماله ويسعد مجتمعه ويزدهر وطنه وتتوطد أركانه وتستقيم أموره. وعلى الخير والمحبة نلتقي

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا