النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10760 الإثنين 24 سبتمبر 2018 الموافق 13 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

في البحث عن «ربيع الإعلام العربي»

رابط مختصر
العدد 8212 الثلاثاء 4 أكتوبر 2011 الموافق 6 ذوالقعدة 1432

قبل يومين من تنحي الرئيس السابق حسني مبارك، كانت الصحف المصرية الحكومية تتحدث عن «مظاهرات مليونية» تؤيد الرئيس وترفض ما يجري في ميدان التحرير. وبعد صدور بيان التنحي، خرجت تلك الصحف تهلل للتغيير وتسهب في مدح «الفجر الديمقراطي» وذم الرئيس وعائلته ومن كان حولهما من طبقة متنفذة. ونشرت تلك الصحف، التي تسمى في مصر بالصحف القومية، وثائق قالت أنها «تثبت جرائم النظام» الذي حكم مصر ثلاثة عقود. فمن يصدق المصري البسيط... صحافة ما قبل التنحي التي قالت إن لديها وثائق تثبت «عمالة» متظاهري ميدان التحرير ومشاركة بعضهم في مؤامرة اسرائيلية للتخلص من الرئيس مبارك؟ أو صحافة ما بعد التنحي التي قالت إن لديها وثائق توضح كيف «باع» النظام السابق مصر لاسرائيل وتورط في قتل المئات من المتظاهرين في الميدان والمناطق المجاورة له؟ يمثل الانتقال الطفولي لتلك الصحف من مؤيدة لمبارك من دون تحفظ إلى معارضة شرسة له أزمة الإعلام العربي بشكل عام. المراقب لطبيعة الإعلام العربي وتحولاته خلال العام الحالي لا يرى أكثر من أدوات لا يختلف ضررها عن أية أسلحة استخدمت ضد متظاهري الميادين سواء في تونس أو مصر أو اليمن بل وربما أشد إيلاما من تلك القذائف التي أمطر بها القذافي معارضيه طوال ستة أشهر من القتال. كان البعض يتحدث عن مأزق إعلامي عربي. فبات يرى مستنقعا اختلط فيه الماء الزلال بالملوث والسموم. لا سيما وقد دخل الجميع في تلك اللعبة عبر شبكات التواصل الاجتماعي كفيسبوك وتويتر. وصار الصحافي يعتمد في أخباره وتقاريره على ما يكتب في تلك المواقع من شائعات ومعلومات مضللة وتقارير مدسوسة. ولم يعد هناك من فرق بين الصحافة الرزينة التي تعتمد على أسس وتقاليد صحافية معروفة ومحترمة في العالم كله، وبين إعلام لا يميز بين الخبر والرأي، والمعلومة والشائعة، والأمانة الصحافية والتحريض، والحياد النزيه والعنف اللفظي الذي لا يقل قسوة وضررا من العنف الحسي. حتى المؤسسات الكبيرة، كالجزيرة وغيرها من الأدوات الإعلامية العابرة للحدود، لم تسلم من المشاركة في تلك اللعبة. ولم تتورع عن الولوغ في ذلك المستنقع. وقد نكتشف قريبا الأسباب الحقيقية لاستقالة مدير القناة القطرية. إذا كان الدرس المهم فيما جرى في العالم العربي خلال العام الحالي يدور حول ضرورة إصلاح النظم السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي ترهلت خلال العقود الماضية واتجهت، بوعي ومن غير وعي، نحو الديكتاتورية، فلا يجب الاستهانة أبدا بما كشفه «الربيع العربي» من مأساة اسمها الإعلام العربي. وليس كلنا في حاجة إلى «ويكيليكس» لندرك حجم تلك المأساة. فمن رؤساء تحرير يدفع لهم القذافي رواتب منتظمة إلى قنوات أسست في أقبية المخابرات إلى مؤسسات تعتمد التحريض السياسي والإثارة الطائفية سياسة تحريرية. لا تختلف كثيرا عن تلك الصحف القاهرية التي قلبت المجن لنظام مبارك بعد دقائق من خروج نائبه السابق عمر سليمان ببيان التنحي الشهير. إصلاح الإعلام العربي بات ضرورة ملحة، كإصلاح النظم التي تهيمن على ذلك الإعلام. ذلك درس مهم. لكن التحدي الأهم هو كيفية إعادة الثقة الشعبية بذلك الإعلام وقد فقد مصداقيته. ليس من المبالغة القول إن قطاعا مهما من الرأي العام صار يتجه إلى مواقع التواصل الاجتماعي على شبكة الانترنت بديلا عن الإعلام التقليدي. وذلك أمر لا يجب التقليل من خطورته. لكن المؤسسات الإعلامية التي تشكو من ذلك الأمر اليوم هي من ساهمت فيه أساسا. عبر تجاوزها الخطوط الفاصلة بين المهنية والإثارة. وبين الحياد والسياسة. صار الصحافي مخبرا. والكاتب شرطيا وقاضيا. والصحيفة لم تعد تختلف عن أي مخفر شرطة. لن يكون إصلاح الإعلام سهلا. بل ربما عملية ستكون أكثر تعقيدا من إصلاح النظم. لكنها يجب أن تبدأ بالاعتراف أن السياسات التي بني عليها ذلك الإعلام في العقود الخمسة الماضية لم تكن مهنية أبدا. بل لم يختلف معظم ما أسس من أدوات إعلامية خلال تلك الفترة عن أي مؤسسة علاقات عامة. مؤسسات خرجت للترويج لأنظمة ثورية أو لمشاريع سياسية لا تملك شرعية شعبية أو أسسا ديمقراطية فاحتاجت إلى ما يصنع وهم الشرعية ويبث الأغاني الحماسية ويسبح بحمد النظام صباح مساء. ذلك ساهم في بناء قصور في الهواء وقلاع في الوحل انهارت جميعها لحظة أشعل محمد البوعزيزي النار في نفسه أمام مبنى البلدية في بلدة صغيرة في تونس ربما لم يكن الأغلب الأعم من العرب سمع باسمها قبل ديسمبر الماضي. تلاشى الإعلام العربي وحل محله خليط غريب من الضجيج. ما بين قنوات «الخبر العاجل» وجمود القنوات الرسمية ومعارك «التويتر»، خرجت صورة جديدة للإعلام لا تمت بأي صلة إلى حرفة الصحافة. اتجه الكثير منا إلى الإعلام الغربي باحثا عن الخبر، والتقرير، وربما عن حقيقة ما يدور في الشارع المجاور لمنزله. قد يكون قاسيا الاعتراف، ومؤلما الحديث. لكن الحقيقة أنه لحظة ولد «الربيع العربي»، مات الإعلام العربي كما عرفناه. ربما كان ذلك أمرا حسنا ربما.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا