النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10761 الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 الموافق 14 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

حول إعادة اللحمة الوطنية البحرينية

رابط مختصر
العدد 8208 الجمعة 30 سبتمبر 2011 الموافق 2 ذوالقعدة 1432

لعل الخسارة الأكبر جراء الخلافات والأحداث السياسية العاصفة التي تعرضت لها البحرين، والتي لاتزال تلقي بظلالها على المجتمع والدولة.. هي مسألة الانشقاق الاجتماعي الكبير بين السنّة والشيعة، على المستوى الطائفي، امتداداً للانشقاق السياسي وتفرّعاً عنه. لم تمر البحرين في تاريخها الحديث بمشكلة اجتماعية أكبر مما جرى؛ وتحديد حجم الخسارة وآثارها المستقبلية على الوضع السياسي والنفسي والاقتصادي للجمهور، يصعب استيفاؤه في هذه المرحلة الخطيرة. الانشقاق الطائفي غيّر طعم الحياة في البحرين، وشوّه وجهها بنظر أبنائها، وبنظر العالم المحيط حولها، والذي كان يراها مرآة للتسامح والألفة والوعي والتعايش السلمي بين الطوائف والمذاهب والأديان. وللأسف، فإنه وخلال أشهر قليلة من الأزمة السياسية، أصاب التصدّع مجتمع البحرين، بفعل السياسة ورجالاتها، وانخراط القوى الطائفية في التحريض عليها، وجعل المذهب أداة محدّدة للولاء والانتماء الوطني، وكذا المحدد الأساس لمصالح الأفراد، والعوائل، والعشائر، والجماعات. الشرخ السياسي عمّق الشرخ الطائفي وبالعكس، فإن اتساع الشرخ الطائفي عاد ليزيد من التباعد السياسي، ويقلّص هامش الحلول المنصفة والتوافقية، وهذا بدوره عمّق شروخات أخرى، نفسية واقتصادية، انعكست على الزيجات المختلطة التي لم تثر يوماً مشكلة بين المواطنين، كما دفعت باتجاه الفرز في مواقع السكنى، وأثرت على سياسات التوظيف للشركات الخاصة وجزءا من القطاع العام، فكل جهة توظّف أبناء طائفتها. كما أثر الانقسام الطائفي حتى على المعاملات التجارية وعلى تبضّع الأفراد، حيث مقاطعة بضائع الطرف الآخر. وهناك أمثلة عديدة تنخر عميقاً في البنيان المجتمعي، حتى ليبدو للناظر بأن هناك في البحرين عدّة مجتمعات منفصلة نفسياً، وذهنياً، ومعاشياً، وسكنياً، وسياسياً. الخسارة كبيرة، بل فادحة، تأثر بها رجل السياسة، ورجل الدين، ورجل الأعمال، والطالب، والعامل، والموظف، والروابط الاجتماعية والعائلية في الزيجات المختلطة، ما اعطى للبحرين ولمجتمعها صورة غير تلك التي يعرفها عن ذاته قبل أحداث فبراير الماضي. وهنا تبدو الخسارة الاجتماعية أكبر بكثير من الخسارة السياسية، بل ان تصاعد الانشقاق المذهبي يعمّق الخسارة في كل الجوانب ولكل الجهات والأطراف. ومن المؤكد، بأن من انخرطوا في سياسة التأجيج الطائفي، سواء في المواقع الرسمية، أو المعارضة، أو الروحية الدينية، أو بين النخب التكنوقراطية، أو بين الشباب المتحمس طائفياً، أو بين الإعلاميين.. إن هؤلاء لم يكونوا يدركوا حجم الكارثة التي يصنعونها بأيديهم. لقد شغلهم صراع اللحظة، فدمّروا جزءا كبيراً من البنيان المجتمعي على رؤوسهم ورؤوس من يختلف معهم من نظرائهم في المواطنة، وإخوانهم في الدين، وشركائهم في المصالح. الانشقاق المذهبي قد يغيّر من طبيعة المشهد السياسي، بل وقد يغيّر من طبيعة الحلول للأزمة السياسية؛ حيث يغيب التمثيل المشترك، وتفرض كل جماعة ممثليها من أتباع مذهبها، وهذا يؤدي الى (المحاصصة) التي يرفضها كثيرون، ولكنهم بأفعالهم يعزّزون اعتمادها كحل. هذا الانشقاق المتصاعد لا يبقي معنى لمتطلبات انشاء الجمعيات السياسية على أسس وطنية، كما يفرض ذلك قانون الجمعيات السياسية والأهلية؛ ولا تصبح المصالح المشتركة بين المواطنين (مشتركة فعلا)، إذ أن كل جهة سوف تدافع عن مصالح أفرادها وليس عن المجتمع ككل. وباختصار سيؤدي هذا النوع من التفكير الى (تحصيص السلطة) بما في ذلك الوزارات والمناصب العليا والخدمات وما أشبه. وهذا ليس في مصلحة البحرينيين عامّة. لا بدّ من المسارعة الى الحدّ من الخسائر وإيقاف الانشقاقات من الاتساع، وهذا لا يتمّ إلا باعتماد استراتيجيات ثابتة لا تهزّها الخلافات والأزمات السياسية، من بينها: 1/ تحييد مؤسسات ووزارات الدولة وإبعادها عن الخلافات المذهبية، حتى لا تُحسب هذه الوزارة وتلك المؤسسة على هذه الفئة الاجتماعية أو تلك، وحتى لا تتحول أجهزة الدولة الى خدمة وتمثيل (الخاصة المذهبية) بدلاً من خدمة وتمثيل (العامّة/ كل الشعب)، وهذا يعني الاعتناء بصفات من يتولى مسؤوليات رسمية في وزارات ومؤسسات الدولة، وممارساته، وخطابه. فالخطر أن ترى فئات اجتماعية الدولة بكل مؤسساتها (عدواً) أو (نقيضاً) لمصالحها، بحيث يجعل تلك المؤسسات غير قادرة أو فاعلة لحل الأزمات التي تتعرض لها الدولة والمجتمع، من جهة قدرتها على الإقناع، ومسارعتها للتواصل مع الفئات الاجتماعية المختلفة لحل المشاكل التي تنشأ. 2/ لا تستطيع الدولة ـ وحدها ـ وفي ظل الانقسامات الطائفية والمذهبية الحادّة، التغلّب على المشكلات ذات النزعة المذهبية. الدولة تستطيع أن تلعب دوراً رئيسياً ومحوريا عبر استخدام القانون، أو عبر العمل كوسيط يجسّر الهوة بين الأطراف المذهبية. لكن قوى المجتمع السياسية والروحية مسؤولة في ذات الوقت وبنفس المستوى عن ما يجري، ومطالبة بأن تقوم بالدور الديني والوطني المنوط بها لتخفيف حدّة الأزمة. هذا لا يحدث ما لم تقتنع هذه الجهات الدينية والسياسية بأن تفشي روح الانقسام الطائفي لا يخدمها على المدى الاستراتيجي، وإن رأت أن ذلك يخدمها على المستوى الآني. ومن هنا، فإن البحرين اليوم بحاجة الى مبادرات تجمع الشمل، تقوم بها المرجعيات الدينية من الطائفتين، والمجتمع ينتظر من هذه المرجعيات، وكذلك من الجمعيات السياسية ومنظمات المجتمع المدني ومن المؤسسات والنخب الفكرية والعلمية.. مبادرات مسؤولة، توقف تغوّل الطائفية، وتحدّ من الانشقاقات التي دمرت العلاقات بين الجماعات والأفراد والعوائل. كما ينتظر منها خطاباً مسؤولاً وطنياً يتسامى على الخلاف السياسي، وينظر بعين المستقبل لهذا المجتمع الذي تعصف بها رياح التمزّق. مثلاً، ان الزيارات المتبادلة بين المرجعيات الدينية والسياسية، واصدار البيانات والتوجيهات المشتركة التي تتعلق بما يتفق بشأنه في القضايا الدينية والمناسبات الاجتماعية وحتى في القضايا السياسية المحلية والإقليمية، سيكون له تأثير إيجابي كبير على المجتمع. وتستطيع مؤسسات المجتمع المدني أن تقيم ندوات وبرامج وتصدر بيانات في هذا الموضوع، بما يمكّن من احتواء مخاطر الطائفية. 3/ معالجة الأخطاء والتجاوزات التي وقعت منذ أحداث فبراير الماضي، والتي لامست العصب الطائفي للجماعات المذهبية في البحرين. هناك اعتداءات حدثت على الارواح وعلى ممتلكات خاصة، ووقعت استفزازات بين الجانبين، وارتكبت بعض التجاوزات الحكومية في هذا المجال. الفتنة الطائفية لا تخدم البحرين دولة وشعباً. وكما ساهمت كل الأطراف ـ وبنسب مختلفة ـ في زيادة الانشقاق المذهبي، رغم أنها تبرئ نفسها وتلقي بكامل التهمة على الطرف الآخر.. فإن هذه الأطراف جميعها مطالبة بأن تعي حقيقة الوضع على الأرض، وحجم المخاطر التي تتهدد البلاد والعباد. وهي مطالبة ثانياً بأن توقف نزيف الخسائر في المجتمع. وثالثاً بأن تساهم في صناعة الحلّ الدائم للأزمة السياسية والطائفية المتشابكة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا