النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10754 الثلاثاء 18 سبتمبر 2018 الموافق 9 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    3:01PM
  • المغرب
    5:42PM
  • العشاء
    7:12PM

كتاب الايام

11 سبتمـبر وعقـد من «ثقافة الإنكار»

رابط مختصر
العدد 8201 الجمعة 23 سبتمبر 2011 الموافق 25 شوال 1432

في مثل هذا الشهر قبل عشر سنوات غزت القاعدة أمريكا وفجرت برجي التجارة العالمي وذهب 3 آلاف بريء، تغيرت أمريكا وتغير العالم وتغيرت المنطقة إذ شهدت حراكاً واسعاً أثمر: تمكين المرأة من مناصب قيادية كانت حكراً على الرجال، لكن شيئاً واحداً بقي في دنيا العرب لم يتغير، إنه «العقلية» التي آمنت بأن 11/9 مؤامرة أمريكية صهيونية لاجتياح العالم الإسلامي، قطاع كبير من الجماهير ونخب فكرية ودينية مازالت معتقدة بأن الموساد أو المخابرات الامريكية هم من دبروا الحادثة لإلصاق التهمة بالمسلمين كذريعة للانقضاض على العالم الإسلامي والتحكم في مقدراته ومحاربة الإسلام في عقر داره! لا أنسى عصر ذلك اليوم الحزين والجزيرة في بث حي من الموقع يطل علينا خبير إعلامي مؤكداً أنه من فعلة اليمين المتطرف أسوة بحادثة أوكلا هوما وبحجة أن شبابنا لا يملكون القدرة على تنفيذها، والتقطها صلاح منتصر في عموده بالأهرام 13/9 مؤكداً براءة العرب، وفي خطبة الجمعة وعبر الفضائية وعلى العالم وقف رمز إسلامي شهير بالوسطية والاعتدال مؤكداً لدرجة اليقين أن أمريكا تعلم «علم اليقين» براءة بن لادن وصحبه، لكنها تحشد وبدافع صليبي حاقد للقضاء على المسلمين! لماذا؟ لأن بن لادن بايع أمير المؤمنين الملا عمر على عدم الاعتداء على أي دولة وهو وصحبه ملتزمون بعهدهم شرعاً!! وظهر داعية كان مهندساً فتحول إلى نجم فضائي لامع في الإعجاز العلمي للقرآن مؤكداً أنه من فعلة الموساد لأنهم أبلغوا بني جلدتهم فتغيبوا عن العمل صبيحة ذلك اليوم المأساوي ولأنه ضبط يهود يصورون في موقع الحدث شامتين، ولأن إسرائيل هي المتهم الأول عند العرب دائماً فقد راجت الحجة كما راجت تصريحات المرشد السابق للإخوان بأن الموساد وراء تفجيرات طابا وشرم الشيخ والعقبة والقاهرة والعراق ومثلها تصريحات رئيس جمعية الإصلاح الكويتية السابق بأن الموساد وراء تفجيرات مترو أنفاق لندن! لماذا؟ لأنه لا يفعلها مسلم!! لكن مشايخنا ليسوا وحدهم في الميدان فبعض رموزنا القومية واليسارية مثلهم في تبرئة القاعدة، إذ لايزال منظر الناصرية الأكبر متمسكاً إلى يومنا ولم يتراجع بأن اليوغسلاف الصرب هم من ضربوا أمريكا انتقاماً من ضربها لهم! وعندما جاء الفرنسي النكرة ميسان بكتابه الخديعة المرعبة وقال: أمريكا ضربت نفسها بنفسها، طار القوم فرحاً، احتفوا به وترجموا كتابه وأغدقوا عليه فباع لنا الوهم وصدقناه فأثرى ثم اختفى! ومع أن أصوليي لندن كانوا يحتفلون سنوياً بغزوة منهاتن ويمجدون «العظماء الـ19» عبر ملصقات في شوارع لندن قبل طرد زعيمهم، مما يعد اعترافاً صريحاً إلا أنه لا هذه الاعترافات ولا ظهور الأدلة والبينات ولا مرور السنوات ولا كثرة التحقيقات كانت قادرة على زحزحة إيمان هؤلاء ببراءة القاعدة واتهام الموساد! ترى ما هذه القوى الخرافية لهواجس التآمر على عقولنا؟ وكيف ترسخت هذه الأوهام في نفوسنا؟ إنها «ثقافة المكابرة والإنكار» المترسخة في الأرض العربية منذ الفتنة الكبرى التي قصمت ظهر المسلمين وفرقتهم وشئنا أن نحمّل وزرها اليهودي ابن سبأ، تبرئة للذات وشيطنة للآخر الذي لا يأتي منه خير أبداً ، فما من مصيبة في الساحة إلا وهذا الشيطان الأبدي وراءها، الموساد وراء اغتيال ناصر وعرفات والحريري، سعاد حسني ماتت بمؤامرة ولم تنتحر، ديانا قتلت حين أرادت الزواج بمسلم، غزو الكويت مؤامرة من السفيرة جلاسبي لاستدراج صدام وضربه، كافة التفجيرات الإرهابية في المنطقة وراءها أمريكا أو الموساد، الزرقاوي شخصية وهمية اخترعها الأمريكان لتشويه سمعة المجاهدين، تطوير التعليم في المنطقة إملاءات أمريكية، منع المصالحة الفلسطينية ضغط أمريكي، بل حتى زلزال توسونامي مؤامرة أمريكية لشل اقتصاد آسيا! يحار المرء في مواقف هؤلاء ولا يجد لهم عذراً بعد ظهور البراهين القاطعة بمسؤولية القاعدة، فهل هم حقاً يؤمنون بما يقولون أم هو المكابرة والعناد أم الاستخفاف بالناس الذين ضللوهم أم أخذتهم العزة بما قالوا فلا يستطيعون للتراجع سبيلا أم على قلوب أقفالها؟! إنها ثقافة المكابرة والعناد المستحكمة في النفوس والمهيمنة على العقول وهي التي تدفع المستشارة الإعلامية بثينة شعبان والمتعامين عن حقائق الواقع للقول بأن ما يحصل في سوريا، مؤامرة صهيونية لتقسيم الدول العربية! وهي التي دفعت من قبل جموع المحامين للتهافت والتكالب دفاعاً عن صدام وتجاهل ضحاياه! حتى مرتزقة القذافي اليوم يقولون: إنه يجسد المقاومة ضد الاحتلال! ثقافة المكابرة نوع من السلوك المراوغ دفاعاً عن الذات وتجاهلاً للحقائق وبلغ من رسوخها أنه لو أجري استطلاع حول مسؤولية القاعدة لبرأت الأغلبية بن لادن! فهل كانوا ينتظرون أن يأتيهم وصحبه ويطرق بابهم ليعترف لهم؟ وهل كانوا يصدقونه؟ كيف وقد فعل من قبل! ولكن على قلوب أقفالها! مثل هؤلاء في تصلبهم وأنا أقصد جانباً من النخبة لا الجماهير مثل الذين قال الله تعالى فيهم «لا يؤمنون، ولو جاءتهم كل آية» فهم كما في المثل: عنزة ولو طارت! تغييب العقل الفاحص غيب أسئلة مثل: من أين لهم هذا الوثوق المطلق ببراءة القاعدة وقد اعترف خالد شيخ محمد تفصيلياً بأن فكرة ضرب البرجين بالطائرات التجارية فكرته أقنع بها بن لادن؟ ولماذا تضرب أمريكا أفقر دولة إسلامية؟ لماذا لم تضرب حليفتها السعودية وقد جاء منها 15 انتحارياً؟ ما حاجتها إلى ضرب نفسها بحثاً عن ذريعة وعندها العشرات من الذرائع من أفعال القاعدة العدوانية ضد مصالحها من قبل، إضافة إلى قرار مجلس الأمن القاضي بتسليم بن لادن وحصار طالبان؟ وهل أمريكا بحاجة إلى ذرائع أصلاً؟! ثقافة المكابرة من الآفات الموروثة، تشربها الأفراد منذ طفولتهم تلقائياً وتبرمجوا عليها، وهي ثقافة مهيمنة على العقلية الجمعية للعرب وبغض النظر عن انتماءاتهم السياسية والأيدلوجية تراها في فزعة القوم ضد أي نقض خارجي حول الاتجار بالبشر أو انتهاك حقوق الإنسان في المنطقة العربية، وهي بعض رواسب ثقافة عرب الجاهلية وهم أمة مكابرة لم يشهد التاريخ لهم مثيلاً كما قال القرآن الكريم «وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعدواناً» ولطالما عانى رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام من تصلبهم وتعنتهم حتى قالوا «أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً، أو تأتي بالله والملائكة قبيلا، أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء، ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه، قل سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولا». وبعد: هل يملك هؤلاء المكابرون بعد عقد من السنين على كارثة 11/9 شجاعة التراجع على الخطأ والاعتراف والاعتذار للناس الذين ضللوهم وزيفوا وعيهم ام يستمرون في عنادهم وتصلبهم ومكابرتهم؟ ثقافة الاعتراف بالخطأ، فضيلة أخلاقية عليا من فضائل ديننا، نفتقدها في مجتمعاتنا وفي ثقافتنا العملية وعلينا تفعيلها بتفكيك قيود المكابرة وتجاوز ثقافة الإنكار سعياً إلى وضع أفضل وغد أسعد.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا