النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10813 الجمعة 16 نوفمبر 2018 الموافق 8 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:37AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

من آفات الثقافة العربية: طمس الفردية

رابط مختصر
العدد 8187 الجمعة 9 سبتمبر 2011 الموافق 11 شوال 1432

مر العيد حزيناً دامياً، سالت دماء غزيرة لضحايا أبرياء، تفجيرات انتحارية تودي بحياة مصلين في بيوت الله، نزعات الانتقام والإقصاء متصاعدة والأوضاع الاقتصادية متردية ومعدلات البطالة متفاقمة، في مقالاتي خلال الشهر الفضيل عرضت آراء المفكرين في تشخيص أصل الداء وعلة العلل في الإخفاق العربي المزمن وطرحت تساؤلات قلقة: لماذا يقتل أمة الإسلاك بعضها بعضاً؟ لماذا انتهت مشاريع النهضة إلى انتاج أشخاص من نوع بن لادن والظواهري وصدام والقذافي؟ كيف لم نشعر بالعار من استمرار حكم القذافي المهرج كما يقول عبدالمنعم سعيد؟! لماذا صمت فقهاء خير أمة أخرجت للناس؟ كيف تنسجم الخيرية مع تردي الأوضاع؟! عرضت رأي المفكر البحريني محمد جابر الأنصاري الذي شخص معضلة التخلف العربي في فشل العرب التاريخي في إدارة الصراع السياسي (سلمياً) منذ الملك العضوض إلى يومنا! وفي هذه المقالة أعرض رأي المفكر السعودي إبراهيم البليهي الذي يرى أن معضلتنا هي معضلة (ثقافية) بالدرجة الأولى، وحتى الخلل السياسي ما هو إلا نتاج الخلل الثقافي، فالتخلف الثقافي هو الأصل وهو الذي يغذي الأبعاد الأخرى للتخلف، والاستبداد السياسي هو ناتج من نواتجه، ولولا أن الثقافة العربية تستسيغ هذا الخلل السياسي لما رضيت به قروناً مديدة ولما منحته المشروعية وروضت الناس له، لذا علينا القيام بحفريات في ذاتنا الثقافية لنعرف كيف بدأ الخلل وكيف تكون وكيف استمر، فالثقافة مثل النهر ونقطة البداية تحدد اتجاهه، وقد تأسست الثقافة العربية في الجاهلية على الصراع والغلبة واستئصال الآخر القريب قبل البعيد لأن البيئة الصحراوية جعلت الحياة في الحس العربي لا تتسع إلا لفئة واحدة! ولم يعرف العرب معنى الأمة إلا بالإسلام الذي أخرجهم من الصحراء إلى مواقع الخصب والنماء لكن منطق القوة والصراع استمر واشتد بعد الخلافة الراشدة ونكص العرب على مبادئ الدين ومنحت الثقافة مشروعية دائمة لهذا النكوص وأوجبت الطاعة لمن غلب! فأصبحت السيادة لمنطق القوة والتغلب والاستبداد حتى قال قائلهم «إنما العاجز من لا يستبد» وتباهى بعضهم «لنا الصدر دون العالمين أوالقبر» و»إذا مت ظمآناً فلا نزل القطر» إننا أسرى «ثقافة التغلب» التي صاغت عقول المتعلمين عامة والمبدعين خاصة فلا عجب أن وجدنا كثيراً منهم يتقاطرون على مواسم صدام وموائد القذافي، ولم يكن غربياً أن يتطوع آلاف المحامين والقانونيين العرب للدفاع عن صدام فهم مأسورون برؤية ثقافة مغلقة تنتظر قائداً عادلاً مستبداً يحقق لها كل شيء! إن التكوين الثقافي هو العائق الأكبر للتنمية وهو الحصن المنيع للتخلف. وعلينا أن نتعرف على ثقافتنا التي تتحكم بنا وأن نحلل مكوناتها لأن آفاتنا من داخلنا أما محاولة تحميل الآخرين وزر أوضاعنا فهروب من الحقيقة وتضليل للناس واستدامة للأوضاع المتردية، يرصد البليهي جملة من الآفات الثقافية المعوقة للنهوض، منها «طمس الروح الفردية، القيمة المحورية للسلطة، كراهية نقد الذات، النفور من الاعتراف بالخطأ والاعتذار، استسهال لوم الآخر، الإيمان بأوهام التآمر العالمي، أوهام الماضي المجيد، تقديس السلف، ادعاء تملك الحقيقة، التعصب المذهبي، عدم قبول الآخر، أوهام أعلوية الرجل على المرأة، أوهام الكمال والامتياز الثقافي» وفي هذه المقالة نشرح: ما المقصود من طمس النزعة أو الروح الفردية؟ لعل الامتياز الأعظم للحضارة المعاصرة اعترافها بالإنسان الفرد لذاته، وليس لانتمائه القبلي أو السياسي أو القومي أو الديني، لقد عاش الإنسان الفرد على مر العصور والحضارات القديمة كمجرد خلية في جسم أو كترس في آلة لا قيمة له في ذاته حتى جاءت الحضارة المعاصرة فاعترفت بفرديته، هذا الاعتراف بالفردية هو مصدر التغير الحقيقي المدهش الذي فجر طاقات الإنسان وصنع المعجزات والمنجزات التي تغمر العالم وتسهل حياة الناس، كانت تلك الطاقات معطلة ومجولة آلاف السنين إلى أن اكتشف الإنسان قابلياته العظيمة فتحرر من الاوهام المعوقة وتغيرت طريقة تفكيره وتطورت رؤاه وتوسعت مداركه، لقد كان إعلاء الفردية في الحضارة الحديثة هو مفتاح الخروج من الكهف الثقافي والانطلاق إلى آفاق الابتكار والاكتشاف والإنجاز، إن الاعتراف بالفردية هو الأساس في كل التغيرات النوعية في القيم والقوانين والوظائف وشبكة العلاقات الاجتماعية، فليس امتياز الحضارة بإنجاز العلوم والفنون والتقنيات فحسب وإنما هذه نتائج الاعتراف بفردية الإنسان وتوفير الحرية له وتأنيس السلطة لتكون في خدمته، ومع ان الإسلام أكد قيمة الإنسان الفرد وكفل حريته واحترم اختيراته بمقتضى التكريم الإلهي للإنسان وحمله مسؤولية ذاته وأفعاله واختياراته لا بما يراه الآخرون، فكل آت الرحمن فرداً، ولا تزر وازرة وزر أخرى. كما حذر رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام من الانقياد مع عقلية القطيع «لا يكن أحدكم إمعة يقول إن احسن الناس أحسنت وإن أساءوا أسأت» كما قال «إن من اعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر» إلا أن الثقافة العربية برمجت الإنسان العربي على عدم الاستقلالية في التفكير ليكون أسيراً للسائد والمألوف ومنقاداً لتفكير الآخرين، فأصبح مسلوباً من الروح الفردية تسيره الأهواء وتتلاعب به الاتجاهات ويمكن التضحية به من أجل ما يسمى بـ (الكل) وهو حفنة من المتسلطين! إن طمس النزعة الفردية في الثقافة العربية الموروثة والسائدة هو أحد العوامل الرئيسية التي فاقمت التخلف العربي وهو مصدر الإعاقة الفكرية المستمرة وهو الأساس في عدم تقبل الرأي الآخر والفكر الناقد، يعجب الجمهور كثيراً بمن يدغدغ مشاعرهم الطفولية بالافتخار بالواقع المتردي وبالشعارات الفارغة والهالات الكاذبة لكنهم يضيقون ويصدون عمن يبصرهم بمواطن الخلل والإعاقة وقد يتهمونهم بالعمالة والخيانة! ومرة أخرى يجب التفريق بين الإسلام في ذاته وما يمارسه الناس باسمه، فتعاليم الإسلام تفرض احترام الإنسان وقيمته لكن لم يتح لها خلال التاريخ أن تتوطد، إذ أصبحت فردية الإنسان العربي بعد الخلافة الراشدة مطموسة، غابت تعاليم الإسلام وبرزت التقاليد العربية وارتبطت قيمة الإنسان بانتمائه السياسي أو المذهبي أو الإقليمي أو العشائري، وأصبح الإنسان العادي الفرد لا قيمة له إلا بمقدار قربه من السلطة أو انتمائه لهذا المذهب أو ذاك! استمرت قيم الصحراء غالبة لان العرب لم يتشربوا قيم الإسلام تشرباً قائماً على القناعة بها، بدليل امتناع العرب عن قبول الإسلام طويلاً حتى إذا انتصر دخلوا فيه أفواجا، إذ كان يسلم زعيم القبيلة فتسلم معه قبيلته كلها! وكان هذا الإقبال الجماعي قرب وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم فلم يتشرب العرب قيم السلام بدليل أنه عندما توفي الرسول ارتد أكثر العرب،إن وقائع عام الوفود تؤكد أن محاربة الإسلام حينما كان ناشئاً ثم الانضمام إليه حينما أصبح قوياً، كان قراراً فردياً من زعماء القبائل، أما جموع الناس فكانوا يسيرون خلفهم خيراً أو شراً كما قال شاعرهم: وما انا إلا من غزية إن غوت.. غويت وإن ترشد غزية أرشد – وهذه الحقيقة التاريخية تؤكد ان الإنسان العربي لا فردية له وإنما هو جزء من القطيع العشائري كما تؤكد أيضاً أن قرارات الزعيم القبلي مرهونة بمصالحه، فهو في الغالب لا يستجيب للحق أو يرفضه إقتناعاً وإنما يحارب أو يسالم رغبة أو رهبة! يؤكده ذاك الارتداد الجماعي بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وقولهم: كذاب اليمامة خير من صادق مضر! يستطرد البليهي فيقول: إنه على امتداد التاريخ الإسلامي كان الأقدر على شراء هؤلاء الزعماء يستطيع ان يضم إلى صفه قبائل بأكملها حتى قيل عن أحدهم: إنه إذا غضب، غضب له مئة الف فارس لا يسألونه لماذا غضب! ويختم بقوله: إن الإفلات من قبضة هذه الآفة لا يتحقق بنهضة فكرية تملأ أذهان الناس بالوعي وبالإحساس بالمسؤولية وتعودهم على الفحص والمراجعة والتحليل وتربطهم بالحق والإيثار والصدق والشفافية وتعيد النظر في منظومة القيم على أساس من احترام فردية الإنسان والاعتراف بحقه في التفكير الحر.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا