النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10810 الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 الموافق 5 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:35AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:50PM
  • العشاء
    6:20PM

كتاب الايام

حصون التخلف وموانع النهوض

رابط مختصر
العدد 8166 الجمعة 19 اغسطس 2011 الموافق 19 رمضان 1432

هذا كتاب بالغ الأهمية جدير بالقراءة للمفكر السعودي ابراهيم البليهي، يطرح تساؤلات حيوية حول معوقات النهوض العربي وكيف تقدم الغرب ولحقت به دول عديدة وأخفق العرب بكل امكاناتهم من اللحاق بالركب؟! التساؤلات ليست جديدة عمرها 150 عاماً وشكلت تحدياً للعقل العربي وشغلت الرواد الأول بدءاً بالطهطاوي والأفغاني والكواكبي وعبده ومروراً بمفكري القرن العشرين: لطفي السيد وطه حسين والعقاد والبنا وأركون والجابري وطرابيشي وصولاً إلى محمد جابر الأنصاري وعبد الله الحامد وراشد المبارك وخلدون النقيب وأبو شقه وعلي حرب والبغدادي وحتى مفكرنا البليهي الذي وقف يتساءل: إن مجتمعاتنا أمضت أكثر من قرنين وهي تحاول النهوض وأنفقت الكثير من المال و الجهد لكنها أخفقت، فما سر هذا الإخفاق؟! لماذا لم ندخل حضارة العصر مع أننا منغمسون في مظاهرها مستهلكون لمنتجاتها متنعمون بإنجازاتها مستوردون لنظمها؟! البليهي أمضى عمراً وهو مهموم بمعضلة التخلف يتساءل متعجباً: إن للمسلمين نحو 60 دولة كلها في عداد المجتمعات المتخلفة بل الأشد تخلفاً عدا ماليزيا وتركيا وهذا يسيء إلى ديننا و يبقينا منفعلين لا فاعلين، الشعوب تتواثب نحو القمم: اليابان والصين وكوريا الجنوبية والهند والبرازيل وحتى سنغافورة التي لا موارد لها حققت ما لم تحققه المجتمعات الإسلامية مجتمعة! بينما الدول الأشد فقراً و تخلفاً هي من البلدان الإسلامية: تشاد، بنجلادش، الصومال، باكستان، أفغانستان، اليمن، الصومال .. ما مصدر هذا الخلل؟! بطبيعة الحال ليس الإسلام مسؤولاً عن هذا الوضع البائس بل قد أسيء إليه من أهله.. لكن ماذا عن الخليج الذي ينعم بالإزدهار والرخاء؟ هذا الرخاء لم يتحقق بإنتاج أبنائه وإنما اعتماداً على ثروات مخزونة اكتشفها واستخرجها الغرب الذي علمنا أهميته ودربنا على استخراجه ولولا مخترعاته لما كانت له قيمة، فالخليجيون يعيشون على اقتصاد ريعي لا فضل لهم فيه بل هو هبة من الله تعالى، يتساءل البليهي: ما هي معوقات النهوض؟ ما علل الإخفاق؟ ما أصل الداء؟ وهي تساؤلات نهضوية تم تداولها في الساحة على امتداد أكثر من قرن، وتعددت اجبابات مفكرينا بتعدد مشاربهم الفكرية والسياسية بدءاً من القول بأن ابتعاد المسلمين عن تعاليم دينهم وقصورهم في تطبيق الشريعة وإحياء الخلافة والعودة إلى ما كان عليه السلف الصالح هو علة الإخفاق! إذ لا يصلح أمر هذه الأمة إلى بما صلح به أولها وهو المعبر عنه بشعار «الإسلام هو الحل» ومروراً بمن يرى أن أساس الداء يكمن في رسوخ بنية الإستبداد طبقاً للكواكبي في طبائعه وتحت شعار «الديمقراطية هي الحل» فيما رأت طائفة ثالثة أن علة الإخفاق الكبرى هي في جمود العقلية العربية واستسلامها لأوهام الماضي، كما هو رأي نقاد العقل العربي وعلى رأسهم الجابري، وذهبت إجابة رابعة إلى توجيه اللوم إلى التعليم العربي غير المتصالح مع العصر بأنه هو المعوق للتقدم، بينما اتجهت إجابة خامسة إلى تشخيص الداء في نظام التربية العربي والتنشئة الأسرية طبقاً لهشام شرابي ومدرسته، أما المناصرون للمرأة فرأوا في ضعف دور المرأة المجتعي علة في التخلف العربي، بينما وجه الاشتراكيون سهام النقد إلى الاقتصاد الريعي والنظام الطبقي وغياب العدالة الإجتماعية، وأخيراً استسهل الأيدلوجيون من القوميين والإسلاميين تحميل المسؤولية على عاتق التآمر الغربي الإستعماري وإسرائيل بحجة أنهم فرقوا العرب ورسموا الحدود وقسموا الأوطان ومنعوا وحدتهم وأجهضوا مشاريعهم التنموية ، لكن المتأمل في هذه الإجابات قد لا يرى عاملاً واحداً بنفسه سبباً مقنعاً في تفسير هذا الإخفاق الذريع، وقد يستسهل القول بأن العوامل مجتمعة هي الجواب الشافي وهذا صحيح لكنه أيضاً غير كاف، لأن هذه الإجابات إنما تشخص مظاهر المرض دون علته الأساسية الكامنة في البنية المجتمعية التي تعيد إنتاج العلة نفسها ومظاهرها! وهذا ما تصدى له الأنصاري في كتابه الفذ «العرب والسياسة .. أين الخلل؟ « حاول فيه تتبع جذر العطل العميق وصولاً إلى علة العلل متمثلة في «التأزم السياسي المزمن أو الإخفاق المستمر في إدارة الأزمة السياسية سلمياً « وأرجعها إلى 3 محددات: 1. عامل التجزئة السياسية بفعل الكيان القبلي والإجتياح الرعوي لمراكز التحضر والفراغات الصحراوية 2. الانفصال الحاد بين القمة و القاعدة – مجتمع ينتج الحضارة وعناصر رعوية حاكمة تنتج السلطة لا الحضارة – 3. إغفال العلاقة بين الدولة القطرية و الجذور التاريخية لها حيث يراها القوميون مؤامرة استعمارية! في هذا السياق يأتي كتاب البليهي ليقدم مساهمة جديدة في تفكيك بنية التخلف الراسخة، يسلط فيها الأضواء الناقدة على ما يراه المعوق الأم للمعوقات السابقة، إنه المعوق الأكبر الذي يعيد انتاج المعوقات الأخرى كالإستبداد السياسي وتخلف نظم التربية والتعليم و العقلية الريعية غير القادرة على الإنجاز وعلى استيعاب المعرفة والتقدم العلمي، والتي تستسهل اتهام الآخرين وتحميلهم وزر تخلفها وهي عقلية متخلفة حتى في فهما للدين وفي ممارسته بشكل حضاري، ترى ما هو هذا المعوق الأكبر؟! إنه « المعوق الثقافي « الذي يحتل العقول ويصوغ العواطف و يوجه السلوك ويقنع المجتمعات بصحة الأوهام التي تملأ رؤوس أفرادها بحيث يثقون ثقة المغتبط بالمعرفة التلقائية التي تشربوها من بيئاتهم وثقافاتهم الموروثة، يقول البليهي في شرح هذه الثقافة «إن من أقوى أسباب تخلف الكثير من المجتمعات رغم التعليم والإمكانات والإحتكاك الحضاري، تجاهل موانع النهوض و توهم سهولة الإنعتاق من الواقع المتخلف، إن هذا الواقع محكم البنية راسخ الأساس ومدجج بألف سلاح ومحمي بالف حصن ومحروس بأشرس مقاومة، وهذه طبيعة كافة الثقافات التقليدية، إنها تقاوم تلقائياً بمنتهى طاقاتها أي فكر طارئ وهي محصنة ضد أي فكر وافد، وهذه الطبعية الصماء للثقافة تجعلها رافضة لأي مؤثر جديد ونافرة من أي نقد أو تحليل كاشف مما يجعل الإفلات من قبضتها معجزة « والسؤال: لماذا هذه المقاومة الشرسة للأفكار الجديدة؟! لأن هذه الافكار لا تأتي لأذهان فارغة بل ممتلئة ومكتفية ورافضة لأي فكر خارجها، فالتخلف ليس فراغاً مفتوحاً لاستقبال التغيير وإنما هو ممتلئ بعوامل الرفض والمقاومة، إن التخلف بنية قوية ثابتة وراسخة تستعصي على الاختراق، وهي قد احتلت العقول منذ الطفولة وتهيمن على العواطف منذ عصور سحيقة وإن موانع النهوض أشرس وأمنع و أقوى مما نتصوره و الإفلات من قبضتها نوع من الإعجاز الباهر! ترى ما الذي يجعل المجتمعات عاجزة عن الإنعتاق من أسر الثقافة التقليدية ودخول حضارة العصر؟! إن كل ثقتافة تقليدية تربي أهلها على توهم الإمتياز المطلق وكل ما اشتد انغلاق الثقافة اشتد وثوقها واستحكمت أوهام الإمتياز في عقول أبنائها، فهم يعتقدون أن ثقافتهم وحدها هي الثقافة الصحيحة وهي الحق مقارنة بثقافات الآخرين و تجاربهم التي يرونها أقل من ثقافتهم وهم في غنى عنها، ويبقى أن نتساءل: لماذا لم ينجح التعليم والإعلام في تغيير الثقافة التقليدية لمجتمعاتنا؟! يجيب البليهي: 1. «العقل يحتله الأسبق إليه» وهو تعبير يكرره المؤلف كثيراً للدلالة على أن الموروث الثقافي الذي يمتصه الإنسان في طفولته ويتشربه تلقائياً فيتبرمج به عقله ووجدانه وطريقة تفكيره و منظومة قيمه هي الثقافة التحصينية التي تلازمه ويتخذها معياراً للحكم على الثقافات الأخرى 2. التعليم والاعلام المحكومان بالثقافة السائدة يكرسان الثبات ويبرران الاستمرار ويعززان مقاومة الجديد، فتتحول كافة الإمكانات المجلوبة من المتقدمين إلى عوامل لتوطيد التخلف وحماية المألوف و تأكيد السائد، وهكذا تفشل الآمال المعقودة على استيراد العلوم والتقنيات في تحقيق النهضة المنشودة، وكما يقول سعيد إسماعيل « إن التعليم في ظل هيكل سياسي واجتماعي ينتاقض وقواعد العدل الإجتماعي، لا يمكن أن تكون أداة حقيقية للتنمية وإنما سيلعب دوراً مرضياً يتمثل في إعادة انتاج المقومات والأركان التي تديم استمرار الظلم الإجتماعي « 3. إن التعليم إذا لم تسبقه نهضة فكرية عامة وعارمة تفتح الأقفال الثقافية التي تتوارثها الأجيال فسوف تمضي السنون دون تحقيق أي نتائج إيجابية، ما لم يحصل التدارك بالتركيز أولاً على تحقيق هذه النهضة التي تهيئ الأذهان والعواطف لاستقبال الأفكار والمعارف والمهارات، فالعلوم والتقنيات وكل تجليات الإزدهار ما هي إلا نتائج لثورة الأفكار، والعلم ما هو إلا إصلاح للتفكير وليس مجرد إعطاء معلومات، وهو إحلال تصورات صحيحة محل تصورات خاطئة، اما إضافة معلومات صحيحة إلى ذهنية متشبعة بثقافة تقليدية فلا يفيد علماً لأن هذه الإضافة تشبه إضافة كأس من الماء الصافي العذب إلى بركة مليئة بالماء المالح العكر.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا