النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10814 السبت 17 نوفمبر 2018 الموافق 9 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:27AM
  • المغرب
    4:48AM
  • العشاء
    6:18AM

كتاب الايام

في أسطنبول

رابط مختصر
العدد 8149 الثلاثاء 2 اغسطس 2011 الموافق 2 رمضان 1432

بمقال الزميل الفاضل «خليفة الخرافي»، القبس 19/7/2011، عن تركيا الاسلامية شيق جدا، ويتضمن انطباعات قيمة في علم الاجتماع وأدب الرحلات! فتركيا تعيش تجربة نادرة في العالم الاسلامي، والحزب الحاكم يحاول جهده ان يطبق ما يستطيع من تعاليم الشريعة وسط تحديات داخلية وخارجية لا حصر لها، فقد عاشت تركيا نحو قرن ونيف من الانفتاح الواسع على الحضارة الغربية والثقافة الأوروبية والعلمانية الاجبارية وتغيير حروف الكتابة والملابس الرجالية والنسائية وقوانين الاحوال الشخصية واشياء كثيرة اخرى. وخسرت الحرب العالمية الأولى وكادت ان تخسر اجزاء واسعة من ارضها لليونان، وتصارعت في ثقافتها هويتها القومية التركية مع قناعاتها الاسلامية، واليوم قد انفتحت تركيا على كل هذه الجوانب من الحياة الحديثة، واصبحت تدريجياً جسراً بين العالم الاسلامي والغرب، لابد ان تتعايش فيها التناقضات التي شاهدها الأخ خليفة الخرافي يقول: «كيف يرضى حزب قائم على مبادئ الاسلام ان يكثر في الشوارع الفرعية – من اسطنبول – استغلال الملاهي والبارات، وايضا بائعات وبائعي الهوى، وهي بلد مساجده العريقة الكبيرة منتشرة في جميع الاحياء، والأذان – والحمد لله تعالى يصدح ليل نهار». قد تكون هذه السياسة مجرد مرحلة من تطبيق الاسلام تمليه توازنات الصراع السياسي والاجتماعي في تركيا، وقد تنتقل تركيا بعدها الى التشدد تدريجياً، وقد تكون على العكس تماماً، تجربة جديدة في تطبيق برنامج الاحزاب الاسلامية، قائمة على اعطاء المسلم حرية الاختيار، دون تسلط واكراه، فكما للحرية مثالب فللإكراه عواقب. «انا ارى حزبا»، يقول الخرافي، «يحمل تعاليم لواء الاسلام الكريمة، لا يحاول تكسير وهدم هذه البارات والملاهي واغلاقها بقانون، علما ان حزب العدالة يملك الاغلبية، ولو شاء لجعل منها معركة تزيد رصيده عند ناخبيه، الا ان الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي يحتم عليهم الرضوخ لذلك من اجل انعاش الاقتصاد سياحيا». وفي هذا الكلام الكثير من التحليل السياسي الجيد والحقائق الاقتصادية. فقد نشرت صحيفة الشرق الاوسط تقريراً مطولاً يوم 8/7/2011 بعنوان «تركيا تجذب الزوار الخليجيين وتجني 25 مليار دولار من السياحة». الكثيرون من السياح العرب لا يختارون تركيا لما فيها من حريات وموبقات، اذ، كما تقول الصحيفة «يقصد الكثير من العرب اسطنبول العاصمة الامبراطورية القديمة لاقامة اعراسهم، كما يستطيع العرب الذين يهربون من حرارة الصيف الحارقة الاستفادة من قطاع متنام في تركيا يخدم المسلمين المتدينين الاثرياء، بفنادق بها احواض سباحة ومناطق شاطئية مخصصة للرجال واخرى للنساء.. ان زيادة كبيرة طرأت على اعداد السائحين العرب الذين ينفقون ببذخ.. والسياحة مصدر ضروري للعملات الأجنبية في تركيا، وهي تساعد على سد العجز في ميزان المعاملات الجارية.. فاضطرابات «الربيع العربي» كلفت رجال الاعمال الاتراك مليارات الدولارات في ليبيا وعطلت مشاريع البنية التحتية في سورية المجاورة»، وقد كان دخل تركيا من السياحة في عام 2010 أكثر من 25 مليار دولار، وقد يصل هذا العام الى 29 ملياراً، تصور ان في تركيا 48 مطارا، 16 منها مطارات دولية! مرونة الاسلاميين الاتراك كما يصفها الزميل الفاضل لا تتوقف عند العوامل الاقتصادية: «بل حين اثيرت قضية منع الحجاب في مؤسسات الدولة، اجاب اردوغان بأن الحجاب مهم لدينا، الا انه ليس من أولوياتنا، فأولوياتنا هي تنمية تركيا ورفع اقتصادها ورفع مستوى المعيشة للمواطن التركي ليعيش بعزة وكرامة وعدل». النموذج التركي في تطبيق الاسلام، القائم على مبدأ «اتقوا الله ما استطعتم»، قد يسود بين مسلمي أوروبا وأمريكا، ولكن هل سيكتب له النجاح في مصر والسعودية، حيث الاخوان والسلف له بالمرصاد، وهل سينجح في ايران والعراق حيث تسود ثقافة «الخش والدس»؟ وهل سينجح في باكستان حيث تسود ثقافة الاغتيال والتفجير؟ معظم الاسلاميين في العالم العربي معجبون بما يجري في تركيا، ويحق لهم ذلك، ولكن لا انعكاس لدروس تلك التجربة وافكارها ومرونتها، على افكار «الجماعات» عندنا، بل ان اعجابهم بما يجري في تركيا لا يتجاوز «الاعجاب الاعلامي» ان صح التعبير، لم اسمع حتى الان بعض احزاب الاخوان المسلمين او السلف او حزب التحرير او الجماعة الاسلامية او شيعة ايران والبحرين والعراق ولبنان، يتداعون الى ندوة للاستفادة من هذه التجربة، أو إعادة النظر في عقلية الترصد والتسلط والتربص، التي لاتزال تشكل العمود الفقري في تصور احزابنا الاسلامية لتطبيق الدين. كل الاحزاب الاسلامية عندنا تعتبر نفسها «وسطية»! ولا اعرف كيف يصنفون التجربة التركية واسلام اردوغان! هذا يعيدنا الى السعودية التي تجري فيها خطوات اصلاحية، والى مصر وسورية حيث تجابه مجتمعاتها تحديات ثورية، وتجد احزاب الاخوان والسلف فيها تحديات جسيمة. ربما نجد النسخة العربية من اسلام الاتراك اليوم في كتاب «اولويات الحركة الاسلامية» الذي وضعه د. يوسف القرضاوي عام 1990 يقول: «ان الناس في عصرنا احوج ما يكونون الى التيسير عليهم والتخفيف عنهم، رفقاً بهم ومراعاة لحالهم، حيث ضعفت الهمم، وغلب على الناس التكاسل عن الخيرات، وكثرت فيهم العوائق عن الخير، والمرغبات في الشر، فالأولى ان يفتوا بالرخص اكثر من العزائم، وبالتسهيل اكثر من التشديد.. ان الفرد بوسعه ان يشدد على نفسه ان شاء.. ولكن لا ينبغي للفقيه ان يشدد على الناس في الأمور التي تهم جمهورهم» (ص112). سنرى قريباً ان كان اخوان مصر وسورية قد انصاعوا لمثل هذه النصائح!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا