النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10817 الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 الموافق 12 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

مسلمون.. وهندوس

رابط مختصر
العدد 8145 الجمعة 29 يوليو 2011 الموافق 28 شعبان 1432

قد يفاجأ الكثيرون، يقول تقرير بقلم «براكريتي غوبتا»، في صحيفة «الشرق الأوسط»، بأن الكثير من الأطفال الهندوس يدرسون في مدارس دينية إسلامية في ولايات مختلفة في الهند، ويتعلمون القرآن الكريم وأخلاقيات أخرى تتعلق بالإسلام. ويستطيع «سيدارتا باندي» البراهمي، البالغ من العمر 13 عاماً، أن يتلو آيات من القرآن يحفظها، ولديه نسخة منه في المنزل يقرأ فيها باستمرار. وتقدم المدارس الدينية تعليماً مجانياً، يجذب على وجه التحديد القطاعات الفقيرة، بينما ترسل الأسر الثرية كذلك أبناءها إلى نفس المدارس الدينية لتعلم العادات العربية والفارسية والإسلامية إلى جانب المواد العصرية، بهدف الحصول على وظيفة في الخليج وفي سفارات الدول الإسلامية. ففي المدرسة السلفية، «يمثل تعداد الهندوس 45% من طلابها. وفي مدرسة العزيزية الإسلامية يوجد 35 طالباً هندوسياً من 143، ويوجد في مدرسة فيض القرآن 20 طالباً هندوسياً. ولا توجد طريقة للتمييز بين انتماءات الطلاب الدينية فيما عدا أسماءهم». (6/1/2009) حكم المسلمون الهند قروناً ممتدة. وتميزت تلك البلاد عبر التاريخ بتنوع الأديان والقوميات والجماعات. وفي عام 1953 كانت هيئة إذاعة عموم الهند تذيع بست عشرة لغة وعشرين لهجة في إذاعتها المحلية، وكان عدد هذه اللغات واللهجات أكبر قبل انفصال باكستان. وكان الانقسام الديني الإسلامي الهندوسي مشكلة سياسية اجتماعية تمردت على كل الحلول حتى أتت على وحدة البلاد، وبقيت مستمرة! وقد حاول السلطان الهندي المسلم «أكبر» أن يوحد البلاد، وصاهر الهندوس وفتح المجال لكل الأديان حتى إنه «أمر بإيقاد النار في حرمه الخاص على طريقة المجوس»، كما يقول الشيخ عبدالمنعم النمر في كتابه تاريخ الهند، ص 221، وانتهى به الأمر بابتداع دين خاص حاول فرضه على أمم الهند.. ولم يوفق. وبعد وفاته عام 1605 ولد عام 1619 سلطان هندي مسلم آخر «محمد أور نجذيب» لُقِّب بسيد الدنيا أو «قاهر العالم»، كان على العكس شديد التدين، حكم البلاد أكثر من نصف قرن، واتجه إلى إعادة فرض الجزية على الهندوس تنفيذاً لتعاليم الإسلام، بعد أن كان السلطان أكبر قد ألغاها عنهم تمشياً مع سياسته التي أبعدها عن دائرة الدين. وقد استاء الهندوس وثاروا، وتجمعوا أمام القلعة حتى سدوا الطريق بينها وبين المسجد الجامع المقابل لها، ولم يستطع الملك الخروج لصلاة الجماعة، ولم تجد الوسائل السلمية لصرفهم، وحينئذ يضيف الشيخ النمر، «أمر الملك بأن تتولى الفيلة تفريقهم وتشتيتهم». (ص 271). يشكل المسلمون في الهند نسبة 14.5%. وتختلف المراجع في تحديد هذه النسبة وبالتالي مجموع عددهم، ما بين 160 إلى 180 مليون نسمة، بينما تقول آخر إحصائيات السكان في باكستان لعام 2009، إنهم 174 مليون نسمة. أشارت الصحف قبل سنوات إلى أن المستوى التعليمي للمسلمين الهنود متراجع عن غيرهم. وقيل إنهم اليوم «أقل تعليماً وأفقر وأقصر عمراً وأقل تمتعاً بالضمانات، وأقل صحة من نظرائهم غير المسلمين، من هندوس وبوذيين ومسيحيين». ولا يميز الدستور الهندي ضدهم، فقد كان ثلاثة من رؤساء الهند من المسلمين، وهذا المنصب يجعل حامله قائداً للقوات المسلحة الهندية ويعتبر أعلى منصب غير سياسي في الهند، وآخرهم هو «عبدالكلام» الذي امتدت فترة رئاسته ما بين 2002 - 2007، واسمه الكامل Avul Pakir Jainulabdeen Abdul kalam أي «أبوالباقر زين العابدين عبدالكلام»؟؟ ويواجه المسلمون في الهند عوائق تقليدية وسياسية من الداخل الإسلامي وخارجه. ويقول د. ضياء حسن من جامعة جواهر لال نهرو في دلهي «إن الزعامة السياسية لمسلمي الهند رجعية، وتمثل مزيجاً غريباً من المحافظين التقليديين والزعماء الدينيين. ويتعين على المسلمين أنفسهم أن يجدوا الإجابات والزعماء الجريئين ذوي الرؤى، يمكنهم أن يأخذوا بأيديهم نحو الحداثة، ويحتاج الجامع إلى أن ينفصل عن السياسة». ولعل من خلفيات بقاء المسلمين في هذا الإطار أن من بين 40 مليون مسلم هندي عند انفصال باكستان عام 1947، لم يختر سوى ثمانية ملايين منهم الذهاب إلى «وطن المسلمين الهنود» الجديد، أي باكستان. وغادر المتعلمون والأثرياء إلى أراضي أكثر خصباً، بينما بقي الفقراء وغير المتعلمين في الخلف. ويعود تخلف المسلمين الهنود، في رأي البعض، إلى أن عدداً كبيراً منهم أميون وفقراء، وأن زعماءهم لا يسايرون تغير الظروف، وفي نواح عديدة يقف المسلمون خلف الطوائف الدنيا. ويلاحظ أن المسلمين يعتبرون أكثر اهتماماً بشأن الدين والهوية الدينية، وأقل اهتماماً بالحداثة. كما إنهم قد يفضلون تعليم «المدرسة»، أي التعليم الديني، على التعليم العلماني الحديث، ويرفضون أي تغيير في قواعدهم الشخصية. ويشير الباحث ديتمر روذرموند Rothermund إلى أن الهند تعاني من أمية النساء. فوفقاً لإحصاء سنة 2001، حوالي 46% من النساء أميات مقابل 24% من الذكور. ولا يوجد في جو القرية الهندية التقليدية الكثير الذي يشجع المرأة على تعلم القراءة والكتابة. وبعكس الطبقة الوسطى، يرى الريفيون أن تعليم الابنة او الكنّة غير ضروري. «وبما أن الأغلبية العظمى من الشعب الهندي لاتزال تعيش في الأرياف، فإن أولئك الذين يقدِّرون تعليم البنات يُعدون أقلية». (الهند: نهضة عملاق آسيوي، ترجمة مروان سعد الدين، 2008، ص 265). ونقرأ في تقرير «غوبتا» المشار إليه في «الشرق الاوسط»، أن البنات المسلمات يشكلن الفئة الأقل تعليماً في المجتمع الهندي، إذ لاتزال نسبة التحاق المسلمات بالمدارس متدنية وتبلغ 40.6 في المائة مقابل 63.2% لغير المسلمات. وفي مناطق الريف شمال الهند تبلغ هذه النسبة 13.5% فقط مقارنة بنسبة 23.1% في المناطق الحضرية في الشمال الهندي. وبصورة عامة تقدر نسبة البنات المسلمات اللائي يكملن ثماني سنوات في مرحلة التعليم العام بأقل من 17 في المائة، وتبلغ نسبة المسلمات اللائي يكملن المرحلة الثانوية العليا أقل من 10%، وتشكل النساء المسلمات الخريجات نسبة تقل عن واحد بالمائة. (1/9/2006). ويمكن ملاحظة اختلاف واضح في مدى الاهتمام بالتعليم عموماً والشهادة الجامعية ونوعية الاحتراف المهني حتى في أوساط العمالة النسوية الهندية المسلمة والمسيحية في دول الخليج. كما إن الفرق أوضح بينهن وبين الفلبينيات، كما إنني لاحظت شخصياً انتشار ممارسات سلفية متشددة جداً في أوساط الهنود رجالاً ونساء في الآونة الأخيرة، لعلها مرتبطة بانتشار الأصولية الدينية في عموم آسيا. وتناول مقال لغوبتا في يناير الماضي 2010، ان جدلاً كبيراً ساد قبل شهرين، في اعقاب دعوة مؤسسة دينية اسلامية في الهند، المسلمين هناك لعدم ترديد الأغنية الوطنية الهندية «فاندي ماتا رام». وفي المقابل دعت مؤسسات هندوسية يمينية الى ترحيل من يرفضون ترديد الاغنية الوطنية الى باكستان. وقد اصدرت «جمعية علماء الهند» فتوى ضد الاغنية الوطنية الهندية «فاندي ماتا رام»، تقول ان بعض الأبيات في هذه الاغنية «ضد المبادئ الدينية الاسلامية». وحضر المؤتمر قرابة عشرة آلاف رجل دين واكاديمي اسلامي. وقالوا ان الاغنية الوطنية «فاندي ماتا رام»، وهي تعني «انحنى لك يا أمي»، وتخاطب الهند، وهي تختلف عن النشيد الوطني «جانا غانا مانا. وقد كتبت كلمات الاغنية موضع الاختلاف بمزيج من اللغة البنغالية واللغة السنسكريتية الادبية القديمة، وكانت اول مناسبة تُغنى فيها هذه الاغنية عام 1896، قبل اكثر من قرن، خلال جلسة للمؤتمر الوطني الهندي، وكانت الاغنية بمثابة صرخة وطنية من أجل التحرر من الحكم البريطاني خلال الحركة التحررية. ويقول «مولانا معزالدين»، من جمعية علماء الهند، «بالطبع بعض سطور الاغنية ضد مبادئ الاسلام، حيث لا يمكننا ان ننحني امام احد سوى الله.. فحب الوطن لا يعني فقط ان ننحني امامه. ونحن نحب امهاتنا ولكن لا يبيح الاسلام الانحناء لهن. ونحن نحب الرسول ولكن غير مسموح بالانحناء أمامه». وكانت المحكمة العليا الهندية قد اشارت مرات عديدة الى ان النشيد الوطني والعلم الوطني عبارة عن «رموز علمانية» للوطنية، ولكن لا يجب اجبار أي شخص على ان يردد الاغنية. ولا يتفق كل رجال الدين المسلمين مع الفهم المعلن من «جمعية علماء الهند». فهناك «مجلس علماء الهند» الذي قال انه يمكن للمسلمين ان يرددوا الفقرتين الاوليين من الاغنية. وقال رئيس المجلس المفتي «سيد شاه الجيلاني»، اذا انحنيت امام امك بدافع الاحترام، فهذا ليس شركاً ولكنه نوع من الاحترام. واشار كثير من الشخصيات الاسلامية البارزة الى انه ليس هناك ما يدعو الى هذا الجدل الذي احاط بأغنية «فاندي ماتا رام» واضافت ان قضية ترديد المسلمين للأغنية الوطنية تم حلها بإجماعٍ لعلماء الدين قبل 80 عاماً تقريباً. ان الإسلام عنصر أساسي في الثقافة الهندية إلى جانب الهندوسية والبوذية وغيرها. وكان لملوك الهند المسلمين تأثيرهم البالغ في مختلف مظاهر الحياة والحضارة فيها. ويُري هذا التأثير في طراز المباني والبيوت والموسيقى والرسم والحرف والفنون. وقد أحضر السلطان «بابر» تحفاً مختارة من الرسوم التي استطاع جمعها من مكتبة أجداده من سلالة تيمور لنك. وقد نقل بعضها إلى إيران «نادر شاه» بعد غزوه للهند. وكان للسلطان «أكبر»، حفيد «بابر» أكثر من مائة مصنع للفنون والحرف ملحقة بالقصور الملكية. وقد ساهم المسلمون كذلك في الرقي بالفن الموسيقي، كما تقول المراجع، حتى كان سلاطينهم يخترعون بعض النغمات الجديدة، واستحدث المسلمون عدداً من الأدوات الموسيقية الجديدة، وأطلقوا على بعضها أسماء فارسية. وهكذا فعلوا مع فن تنسيق الحدائق والنظم الإدارية والعناية بالمكتبات. ويقول غوستاف لوبون في كتابه «حضارة الهند»، إنه في مدة سلطان المسلمين الذي دام في الهند سبعة قرون، «غيّر فريق كبير من الشعب الهندوسي دينه ولغته وفنونه تغييراً عظيماً، وظل هذا التغيير بادياً حتى بعد زوال ملكهم». (تاريخ الاسلام، النمر، ص 317 – 319). ولكن هل تصمد هذه العلاقة ويبقى العطاء الحضاري في ظل التشدد الديني الذي يعتصر المسلمين في بلدان الأغلبية والأقلية؟ هذا ما سيدونه التاريخ الهندي!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا