النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10759 الأحد 23 سبتمبر 2018 الموافق 13 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

حراس الماضي ورياح التغيير

رابط مختصر
العدد 8131 الجمعة 15 يوليو 2011 الموافق 14 شعبان 1432

مر على المرأة القطرية حين من الدهر لم تكن تحظى بكثير من الحقوق التي تمارسها اليوم بحرية في المجتمع، كانت محرومة من الاسهام في تنمية وطنها، ممنوعة من أي مشاركة عامة، محظور عليها ان تجلس خلف مقود السيارة بينما غير القطريات يقدن من غير نكير كانت محجوبة عن الوظائف القيادية محرم عليها الاقتراب من أي مجال مختلط، لا تظهر صورتها في الصحف والمجلات والاعلام المرئي كانت تتكلم من وراء حجاب وتعمل من وراء ستار معلمة لبنات جنسها في مدارس يحظر على الرجال الاقتراب منها، كان المجتمع القطري وبتأثير من الثقافة السلفية يقيم سدوداً عالية وحواجز منيعة بين الجنسين حماية للمرأة من شرور الاختلاط، كان الاختلاط «تابو» محظور الاقتراب منه، وكلمة الاختلاط مذمومة ومستهجنة مجتمعياً، وكان لقاضي القضاة الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود رحمه الله تعالى كتيب ذائع الصيت عنوانه «رسالة الخليج في منع الاختلاط وما ينجم عنه من مساوئ الأخلاق» يحذر من الاختلاط ويشدد النكير على من يرتضيه، كانت المرأة القطرية تعيش وضعية غير منصفة تعاني من حقوق مهضومة ومواطنة منتقصة وتشريعات تمييزية متسلطة، مبعدة عن تنمية مجتمعها الا في نطاق محدود، لم يكن هناك قانون للأسرة يحمي المرأة من نزوات الرجل الذي قد يرميها في الشارع لأدنى هفوة، لم تكن هناك مؤسسة اجتماعية تعنى بحماية المرأة من العنف الأسري ومن التمييز التشريعي، كان مصير المرأة معلقاً باجتهاد القاضي وموقفه الاجتماعي ونظرته للمرأة، في هذا المناخ الاجتماعي المتوجس من خروج المرأة واختلاطها، عدت الى البلاد لأدرس بكلية الشريعة بجامعة قطر حاملاً الدكتوراه من الأزهر الشريف في موضوع حيوي وحساس «الشورى والديموقراطية» يناير 1980 تناولت في الرسالة حقوق الانسان وبخاصة حقوق المرأة السياسية والاجتماعية، كنت شاباً متحمساً للاصلاح الاجتماعي تواقاً لتصحيح وضعية المرأة للمجتمع في اطار من تعاليم الدين لا التقاليد، كانت أول مواجهة لي بالمجتمع القطري حين ألقيت محاظرة عامة عن «حقوق المرأة في الاسلام» مارس 1981 بقاعة «الأنكس» بجامعة قطر القديمة، انتقدت الأوضاع الاجتماعية الحاكمة لحركة المرأة وبينت الحقوق الشرعية لها من وجهة نظر اسلامية منفتحة تساوي بين الجنسين في الحقوق والواجبات: في التعليم والعمل والوظائف العامة والمناصب القيادية: الوزارة والقضاء وعضوية مجلس الشورى، وتساءلت: ربما يقول البعض إن ممارسة المرأة لهذه الحقوق تستلزم أن تختلط بالرجال وسيؤدي ذلك الى أضرار اجتماعية، فأجبت: بأن المرأة المسلمة ساهمت في الحياة العامة وكانت تختلط بالرجال وتشارك في الحياة الاجتماعية في الجاهلية وفي صدر الاسلام، ولم يعرف نظام الفصل بين الجنسين الا في العصر العباسي بتأثير من الحضارتين الرومانية والفارسية، ولم يستلزم من ممارسة المرأة لحقوقها أضراراً اجتماعية ولا مخالفة لآداب الاسلام، ثم أضفت «لذلك نقول إنه من الممكن أن تمارس المرأة جميع حقوقها في حدود القواعد الشرعية المقررة، وأن الالتقاء بين الجنسين جائز في ميادين العبادة والعلم والعمل والجهاد مع الالتزام بالآداب الاسلامية، وأن الممنوع هو التزاحم والتبرج والتبذل والخلوة «ويبدو أن هذه المقولة الأخيرة هي التي ألهبت نيران الغضب لدى المؤسسة الدينية التي رأت في المحاضرة دعوة لفتح باب الاختلاط، فقامت بشحن المجتمع ضدي عبر منابر الجمعة والكتيبات التي تصدت للرد على المحاضرة ومن أشهرها «الرد السديد في بيان بطلان محاضرة عبدالحميد» لقاضي القضاة رحمه الله تعالى وهو منشور على موقعه الالكتروني لمن أراد الرجوع اليه، وكتيب آخر للشيخ أحمد بن حجر رحمه الله تعالى - ليتني أذكر اسمه وليت من يسعفني به - الخلاصة أن المشايخ باعتبارهم حماة الدين وحراس العقيدة والفضيلة والأخلاق رأوا في محاضرتي دعوة لافساد المرأة فشنوا حملة اعلامية بهدف تحذير الناس مني وتشويه صورتي لديهم، وساعدهم على ذلك عدة عوامل: 1. بيئة مجتمعية محافظة ومحكومة بموروث لا يرى أهلية المرأة للمشاركة العامة. 2.صغر المجتمع القطري مما يضخم أي امر يتعلق بالمرأة أو يمس العرض أو السمعة. 3. مفاهيم دينية مشوهة عن «الاختلاط» و»عمل المرأة». 4. التوسع في تطبيق قاعدة «سد الذريعة» والتخوف المبالغ فيه من الانفتاح الاجتماعي. 5. ردود فعل مجتمعية مبالغ فيها ضد أي التقاء للجنسين سواءً في ميدان العمل أو التعليم أو العبادة. 6. موروثات ثقافية تسيء الظن بحركة المرأة وخروجها في المجتمع. اجتمع حراس الماضي للنظر في أمري فقال قائلهم: ردوا عليه وفندوا شبهاته وبينوا سقطاته تحموا المجتمع من فتنة محاضرته، فتعرضت بعدها لهجوم جارح وغير مبرر، وتناولتني أقلام وألسنة غاضبة ومستنكرة جرأتي فيما سموه الثوابت المجتمعية وخروجي على الاوضاع القائمة، لكني أشهد للتاريخ أن النظام السياسي القائم في ذلك الوقت لم يتعرض لي ولم يضيق علي ولم يتخذ أي اجراء تأديبي ضدي، وان كان مزاجه العام مسايرة المؤسسة الدينية وعدم اغضابها مع ميله للمحافظة على جمود الأوضاع السياسية والاجتماعية ونفوره من الانفتاح الاجتماعي وكراهيته للتغيير السياسي والاجتماعي، عشت أياماً صعبة وعانيت كثيراً، أتجلد وأصابر النفس، احاضر في الجامعة، أسير في الاسواق، أغشى المجالس وأخالط الناس لكن الفكر مشغول والنفس مهمومة، وليس لي سند بعد عون الله تعالى غير ابوين ناصحين مشفقين علي من ألسنة الناس وتقولهم علي بالحق وبالباطل، كانت محنة لكنها قوت عزيمتي وزادتني اصراراً بالتمسك بموقفي، ولم تمض الا 4 سنوات حتى كانت محاضرتي الأخرى عن «عمل المرأة بين تعاليم الاسلام وتقاليد المجتمع» فكانت أشد وطاً على حراس الماضي فكان هجومهم علي أشد واتهامهم لي أعظم، لكني لم ألق بالاً ومضيت في طريقي أدعو الى الله على بصيرة فطالبت بأن تقود القطرية السيارة وأن تكون لها مشاركات أوسع في المجتمع في العديد من المقالات، ودارت الايام مسرعة الى أن أشرق فجر عهد جديد على المرأة القطرية بتولي سمو الأمير مقاليد الحكم 1995، آمنت القيادة السياسية الجديدة بحقوق المرأة وتبنت سياسة انصافها وتمكينها من حقوقها الشرعية التي قررها الاسلام وفق خطوات محسوبة ومتدرجة يتم فيها تهيئة المجتمع لقبول المشاركة العامة للمرأة، وكان لدعم سمو حرم الأمير ودورها الأثر الأكبر فيما تحقق للمرأة القطرية من مكتسبات تنعم بها اليوم، فأنشئ المجلس الأعلى للأسرة وصدر قانون متطور للأسرة وتم تنقيح التشريعات ذات الصبغة التمييزية ضد المرأة، وتولت المرأة القطرية مناصب قيادية: وزيرة ومديرة للجامعة وعميدة للكلية وقاضية وعضوة في المجلس البلدي، وشاركت في الانتخابات وقادت السيارة وأصبحت لها مشاركة واسعة وهذه كلها كانت تعد من أكبر الكبائر في العهد السابق، كما لم تعد لكلمة الاختلاط ما يثير هواجس ومخاوف المجتمع، وهكذا استطاعت القيادة السياسية تغيير المجتمع وتهيئته لقبول مشاركة المرأة، حتى «حراس الماضي» تطوروا وأصبح من بناتهم وقريباتهم من يقدن سياراتهن ويمارسن حقوقاً ووظائف كان آباؤهن يستنكرونها من قبل، وهذا ما أردت أن أصل اليه وأوضحه: أن التغيير الاجتماعي تابع للتغيير السياسي ولذلك فان دعاة الانفتاح مهما سعوا لن يحققوا أهدافهم الا بقناعة السلطة السياسية بالتغيير الاجتماعي، لأن البيئة الاجتماعية العربية عصية على التغيير بفعل الموروثات والتقاليد، اليوم في أعقاب رياح التغيير على الساحة بفعل ثورات الربيع العربي، نجد التيار السلفي في مصر والذي كان رافضاً للعمل السياسي ومحرماً التظاهرات وتكوين الأحزاب السياسية، أصبح منغمساً في العمل السياسي، يقود المظاهرات ويكون أحزاباً سياسية لخوض معركة الانتخابات القادمة، وكذلك «الاخوان»، الذين كانوا يرفعون شعار عدم التحاور مع أمريكا وكانوا يخونون الأنظمة العربية المتحالفة مع أمريكا، أصبحوا اليوم منفتحين على أمريكا ويتحاورون معها وشكلوا أحزاباً سياسية كانوا في الماضي يرفضونها بل صرح بعضهم بحق المسيحي والمرأة بالترشح للرئاسة، انها رياح التغيير التي هبت على المنطقة ولم يجد حراس الماضي خياراً الا أن يتطوروا ويتكيفوا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا